زوار الليل

نزلنا بسرعة إلى الداخل.. وجدنا الحرس غارقا في نومه.. وفي الداخل كان الهدوء يخيم على المكان.

اياد عبد القادر

كنت أغط في نوم عميق.. وإذا بصوت الباب يطرق الساعة الثانية بعد منتصف الليل..
أخي. مناديا أسرع لنسعف زوجتي… لبست على عجل وأنا أشغل السيارة واسأله بآن واحد ما بها؟
أجاب: تسمم جلدها بشكل كبير متأثرا بمبيد الحشرات (الذي رشته المنظمات المنطقة لمكافحة مرض اللشمانيا قبل يوم))

إقرأ أيضاً: حملات وقائية للقضاء على مرض اللشمانيا في المناطق المحررة”http://ayyam.org/archives/167237

سألت إلى أين نذهب؟ قال: أقرب مكان مدينة إدلب – التي تبعد 11كم- فمنطقتنا لا يوجد فيها نقاط طبية.
توجهنا الى إدلب على عجل ودخلنا المدينة والظلام خيم عليها نتيجة انقطاع الكهرباء فيها منذ أن تحررت العام الماضي
مشينا في شوارعها الخالية وكأنها مهجورة، وبعد فتره وصلنا إلى نقطة طبية، كانت مميزة بالضوء الذي ينير الحي من مولدة الكهرباء المخصصة التي ملأت المكان بالضجيج.
نزلنا بسرعة إلى الداخل.. وجدنا الحرس غارقا في نومه.. وفي الداخل كان الهدوء يخيم على المكان… جميع الغرف مفتوحة وبعض أًسّرة المخصصة للمرضى فيها اشخاص نائمون من الكادر الطبي المناوب
صاح أخي لأحدهم بعد أن ايقظه بأن معنا حالة اسعاف..
ما نوعها..؟
حالة تسمم.
وبدون أن ينهض من سريره قال أذهب إلى النقطة الأخرى و(أعطانا اسمها) فلا يوجد هنا اختصاص لهذا المرض.
خرجنا مسرعين وقصدنا ذلك المكان بعد أن اضعنا المعالم من الظلام عرفناه من أنارته أيضا، دخلنا اليه وإذا الوضع فيه كسابقه
أيقظ أخي أحد العاملين وسأله أين الطبيب المناوب؟ فأشار بيده إلى الداخل وأكمل نومه، فيما ذهب أخي وأيقظ الطبيب المناوب
أتى الينا وهو يتثاءب وغير (صاح)، وبعد أن شرحنا له الحالة، وأضفنا له أننا نحتاج إلى دواء يشفي التسمم ولا يأثر على الجنيين (كون زوجة أخي حامل)
قال بأن علاجها حقنة مضادة للتحسس (dexa) وأكد أنها لا تؤثر على الجنين إطلاقا..
بحث عن تلك الحقنة فلم يجدها أبدا في عيادة النقطة الطبية، وجميعنا يعلم أنه لا يوجد صيدليات في مثل هذا الوقت أبدا.
فقال لنا بعد أن فقد الأمل بإيجادها- انصحكم بأخذ حبتين (سيتامول) تفي بالغرض، وهي العلاج الوحيد، مضيفا أن الحقنة (التي لم يجدها) تسبب مضاعفات أخرى قد تؤثر على الجنين..، وأصبح يبرر تناقض وصفته بشرح معادلات كيميائية ليقنعنا (وكأننا بدرس كيمياء)، قاطعته: شكرا.
ومشينا، خرجنا دون نتيجة، أخي كان مقتنعا بأن تأخذ زوجته ما وصفه الطبيب، فقلت له سنذهب إلى ثالث نقطة طبية – والأخيرة في إدلب- لأن الطبيب لم يكن واثقا من نفسه في وصف العلاج.

وصلنا إلى تلك النقطة.. لكن لم نجد إلا الحرس، ولا يوجد طبيب مناوب.
حاول الحرس أن يساعدنا وأخذنا لأحد الممرضين، ولكنه بدوره لم يجد ما يصفه لنا لعدم معرفته بوصفة لهذه الحالة.
بعد ساعتين من التنقل من نقطة إلى أخرى دون جدوى عدنا إلى القرية مع صوت اّذان الفجر
أسرعت إلى منزل صيدلي القرية وأيقظته، شرحت له الحالة وأعطانا حقنة من نوع آخر أضافة إلى حبوب.
أخذت زوجة أخي هذه الوصفة ولم تؤدي دورها في الشفاء أيضا بل كان الألم يزداد، ومع بداية نهار اليوم التالي عدنا إلى مدينة إدلب قاصدين نفس النقاط الطبية -على اعتبار بداية الدوام للأطباء المختصين- أدخلنا نفس الشخص (الذي كان مناوب الذي وصف لنا الحقنة والاسبرين) إلى عيادة طبيب مختص (جلدية) بعد المعاينة أخبرنا بأن جميع ما أخذنا من أدوية وما ووصف لنا لا علاقة له بالمرض…
ثم أعطانا وصفة جديدة..
عدنا ونحن على أمل بالشفاء بهذه الوصفة.. ولكن بعد تناول الوصفة مرتين خلال اليوم لم تعطي أي تحسن، واستمرت الحالة واستمر الألم.
بالصدفة أتت عجوز لتزورنا، و أخبرتنا بأن علاج تسمم الجلد هو: زيت الزيتون، ولكنه يأخذ وقت ربع ساعة ليعطي مفعوله، وفعلا كان ذلك حتى تحسنت حالتها أكثر من قبل بكثير…

هذه الحالة ومعاناة اصحابها هي جزء من عشرات الحالات اليومية التي يتم اسعافها إلى المشافي والنقاط الطبية في المناطق المحررة، وتعود لتتعالج بالطب البديل الذي يعطي نتائج متأخرة وقد لا يعطي، لكنه أصبح ملاذ للناس بعد عدم استفادتهم بوصفات الدواء الكيميائي المناسب من قبل ممرضين أخذو مكان أطباء مختصين، بعد هجرة الصنف الأخير وهذا ما أدى إلى سوء الوضع الطبي والصحي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.