زمن الرداءة… بداية السقوط

16
بقلم: حنا صالح

في هذا المقال، يتساءل الكاتب حنا صالح عن الكيفية التي سيجابه فيها لبنان وباء كورونا، وبالتالي عن مصير البلد، وكذلك عن مصير الإنسان، وهو الهدف، في ظل ما أسماه الرداءة السياسية الناتجة عن سلطة غارقة في الفساد والمحاصصة الطائفية؛ نقرأ معًا.

لم يمر على لبنان زمن تجمع فيه هذا الكم من الرداءة السياسية دفعة واحدة. بعد 17 أكتوبر (تشرين الأول)، تاريخ انطلاق الثورة، سقطت ورقة التوت عن طبقة سياسية هي مزيج من لوردات الحرب وميليشيات المال التي ارتكبت بوقاحة وتعمد كل الكبائر. البداية تمثلت في تعليق تطبيق الدستور واعتماد نظام المحاصصة الطائفي بديلاً منه، إلى العجرفة والتشاوُف ضد المواطنين واستسهال انتهاك الكرامات والحقوق، مروراً، ولو بتفاوت، بالتبعية لممثلي الخارج في السلطة، والرهان من أطراف السلطة على الدويلة للاستئثار بحصة في كعكة الحكم، وحصة في التركيبة السياسية التي مكّنت «الأحزاب» الطائفية والمذهبية من تحاصص السلطة ومقدرات البلد!

على مدى العقود الثلاثة الماضية تمت استباحة البلد الذي حوّلوه رصيف هجرة للكفاءات أولاً. طال النهب كل شيء، واتسع الفقر، وأدت السياسات التي اعتُمدت، إلى تدمير قطاعات إنتاج وشطب أعمال، وكانت كل خطوطها موجودة في موازنات عامة أُقرت بما يشبه الإجماع، وصبت نتائجها في صالح طفرة مصرفية – عقارية – تجارية، قادها كارتل سياسي مصرفي أغرق لبنان في مديونية مريعة، وبلغ تجبُّره بعدما أخذ البلد إلى الإفلاس، حدّ نهب الودائع المصرفية، أي ممارسة السطو جهاراً نهاراً على جنى أعمار اللبنانيين!

هذه العناصر مجتمعة، أخرجت المواطنين إلى الساحات وقد صوّبوا على مسؤولية الطبقة السياسية عن الخراب العميم الذي وصل إليه البلد وأهله، وتالياً خطورة نهج استتباعه لمحور «الممانعة» والتداعيات الراهنة والمستقبلية عن هذا النهج. ومع رفع شعار «كلن يعني كلن»، الذي تحول إلى شعار الأكثرية الساحقة من المواطنين، تبلورت القناعة الواسعة، من أن ثورة الكرامة لن تستعيد حقوق الناس إلاّ من خلال التغيير السياسي الشامل، والمدخل الحقيقي إلى ذلك، فرض حكومة استقلاليين مستقلين توحي بالثقة وتقود مرحلة انتقالية – تأسيسية تؤمّن مطلب إعادة تكوين السلطة.

نجح التحالف الطائفي الذي يقوده «حزب الله»، لأكثر من سبب، في الالتفاف على مطلب تسليم الحكم للاستقلاليين، فكانت حكومة الأقنعة: «التكنوقراط» بمثابة الغطاء للحكومة الحقيقية الممسكة بالقرار.

مرة أخرى في زمن الانهيار، تسلمت رسمياً دفة الشأن العام مجموعةٌ يعاني أكثرها من ضمور في الكفاءة والأهلية، والمهمة الأساس هي إدارة الوضع المالي – الاقتصادي والاجتماعي! فتم إعلان الإفلاس بغياب أي بحث مع الجهات الخارجية الدائنة، كما مع غياب أي حديث جدي عن ملامح رؤية اقتصادية مرفقة بإصلاحات تأخرت نحو عقدين من الزمن.

وتزامناً مع بدء انتشار وباء «كوفيد – 19»، طارت أسعار السلع وتدهور سعر صرف الدولار 100%، وتظهرت الأولويات بدءاً من مصادرة التشكيلات القضائية، إلى طي الحديث عن موضوع الأموال المنهوبة وضرورة متابعة استعادتها، وصولاً إلى فضيحة السعي الحكومي إلى قوننة النهب كما يريد الكارتل المشكّل من أصحاب المصارف، من خلال مشروع «كابيتال كونترول» الذي يحجز ما بقي من الودائع 6 سنوات، إنها محاولة لجعل الفساد مشرعاً بالقانون، وتأكيد إضافي أنه ما من جهة رسمية تدافع فعلاً عن القطاع المصرفي بما هو أيضاً أصحاب الحقوق والودائع!

انفضح استقواء السلطة بالجائحة على حقوق الناس، وتتالت الخطوات الآيلة إلى ترميم نظام المحاصصة الطائفية الفاسد! الذي تموضع «حزب الله» في مقدم المدافعين عنه لما له من فائدة مالية مباشرة.

وهكذا نجد من جهة أولى تقدم مشروع محاصصة التعيينات في مواقع النقد والمال، وظهر للملأ الوجه الحقيقي للتحالف الممسك بالسلطة، بأنه لا يقيم أي اعتبار لضرورة موجبات معالجة الانهيار الكبير الذي يستدعي تغييراً في النهج المتبع، ومن الجهة الثانية فإن الذين وُضعوا تحت «التعبئة العامة» منذ نحو ثلاثة أسابيع تُركوا حتى اليوم لمصيرهم! وبعبارة أخرى فإن تقديرات البنك الدولي قبل «كوفيد – 19»، كانت قد تحدثت عن أن 45% من اللبنانيين باتوا فقراء، ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 55%، أي ما يزيد على نحو 600 ألف أسرة بينهم نحو 20% تحت خط الفقر وكلهم تُركوا وهم بحاجة إلى المساعدة الجدية!

مع المعطيات التي تشي بأن «كوفيد – 19» كوباء سيبقى مقيماً سنة أو أكثر، حتى إيجاد اللقاح الفعال، فإن السؤال الملحّ هو عن مصير البلد، وكذلك عن مصير الإنسان، وهو الهدف، وحماية الأرواح، والأمر غاية الغايات، ما يرتّب رصداً للإمكانيات لرفع التهديد اللاحق بحياة المواطنين، وكذلك لاستمرار الأعمال والإنتاج والسهر على استعادة ديمومة الوظائف، لأن المدى الذي يمكن أن يصل إليه الوباء وتداعياته من شأنه أن يهدد حياة الكثيرين من الناس.

في هذا السياق بالذات وفي ضوء المتوقَّع من تحولات عالمية في الاقتصاد والسياسة والثقافة والبيئة… إلخ، قد يسفر منحى الاستعراض الحكومي الراهن عن نتائج كارثية، لأن الفارق كبير بين المنحى المتوحش في زرع الأزلام في الإدارة للتسلط والإمساك بالمقدرات بوهم الإقامة الدائمة في السلطة وتبرير ذلك بأحاديث عن «إنجازات» تصدر عن ذهنيات موبوءة، وبين النهج الجديد الذي ينتشل البلد من الدرك الذي دُفِع إليه! إن المخاوف جدية على البقية الباقية من جهاز الدولة، لأن المضي في هذا المنحى الزبائني يعني المزيد من الاستهتار بحياة الناس، وبالطبع تدمير الإمكانات وتبديدها!

كان جلياً منذ «17 تشرين»، أن حركة المواطنين في مواجهة الانهيار الذي تسببت فيه طبقة سياسية فاسدة، لن تتوقف لا أفقياً ولا عمودياً، حتى الوصول إلى زمن تصبح معه المساءلة الشفافة ممكنة والمحاسبة متيسرة، وصولاً إلى فرض تغييرات أساسية في النهج السياسي والاقتصاد وسائر الأولويات الثقافية والبيئة والتعليم وكل ما يتعلق بالإنسان وهو الرأسمال الحقيقي للبنان.

انتشار الوباء عدّل من جدول الأعمال، لكن التمعن بكل إجراءات السلطة لا يعني إلاّ حتمية الانفجار، وحتمية عودة قوية للثورة في أي وقت مع بدء انكفاء الوباء. العودة المحتمة باتت خارج النقاش بعدما استُعيد نهج إلحاق الأذى بمصالح المواطنين وحقوقهم. والأمر الذي لا شك فيه هو أن التراجع العام في اقتصادات المنطقة والعالم، سيفتح باب الهجرة المعاكسة إلى البلد، هجرة عائدة هي على الأغلب من الخريجين والكفاءات الشابة الذين أبعدهم اليأس ما قبل «17 تشرين» ليشكّلوا واحداً من الروافد الحية للثورة في طورها الثاني.

طويلة هي مسيرة اللبنانيين، من أجل استعادة دولة مخطوفة وجمهورية تم تدمير قيمها، والمواجهة السياسية سيخوضها شارع وحّد اللبنانيين حول مصالحهم ومستقبل بلدهم ومكانته ودوره، بوجه سلطة تماهت مع الدويلة مراهنةً على الوباء والتجويع من أجل التطويع!


حنا صالح، كاتب وصحفي لبناني.

مصدر المقال منشور في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 2 نيسان/ أبريل 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.