هجرة الموت والخوف من المجهول

ما خلى شركة خاصة أو دائرة حكوميه إلا قدم وراقه عليها بس فالج لا تعالج .. كل الوظايف اللي قدم عليها كان بدها واسطة
 حتى يلاقي شغل محترم ويقدر يساعد أهله.

نهى شعبان

زمن الخوف(11)

قصة اليوم بتحكي عن الخوف اللي ضل ملازمنا مو بس داخل البلد … !! كمان حتى بعد ما طلعنا من البلد .. وكيف بعده ملاحقنا بكل تفاصيل حياتنا ونحنا لاجئين.. ومو تاركنا نعيش بني آدمين متل كل شباب العالم اللي بتحلم تحقق أحلامها ببلدان بتحترم حالها وبتحترم مواطنيها ..
الخوف من المجهول وشو اللي عم ينتظرك ؟؟ أو انت شو عم تنتظر؟؟ وليش خايف ؟؟ وشو بدك ؟؟ وبشو عم تفكر ؟؟ وشو عم تعمل هلق ؟؟ وشو رح تعمل بكرة؟؟

كل هالاسئله المشروعه اللي عم تدور براس هالناس اللي طلعت من البلد وهربت من الخوف والظلم ، هي كمان كانت عم تدور براس بطل قصتنا لليوم.
 بطلنا شب  اسمه “سامي” عمره 27 سنه من ريف دمشق
من اسرة ريفية بسيطة مكونة من : أب موظف بالدولة براتب محدود ..وأم بسيطة وقنوعه متلها متل كتير من نساء سورية . همها الوحيد كيف تربي ولادها الخمسة المكونه من :
صبيين و3 بنات وسامي  اكبرهم 
 خلص دراسته ببداية الثورة وتخرج من الجامعه وعنده أحلام كتيره بده يحققها متله متل كل الشباب اللي بعمره .. وصار يدور على شغل كانت الأحداث بأولها وما حدا كان عارف إنه رح يتفاقم الوضع وتتحول الثورة من سلمية لثورة مسلحة، بعد ما اشتد بطش النظام و فلْتْ عناصره الأمنيه ع الشعب الأعزل ..
ما خلى شركة خاصة أو دائرة حكوميه إلا قدم وراقه عليها بس فالج لا تعالج .. كل الوظايف اللي قدم عليها كان بدها واسطة
 حتى يلاقي شغل محترم ويقدر يساعد أهله، وبعد ما عجز من ايجاد وظيفة  لا بالقطاع الخاص ولا العام، صار يشتغل أي شي من بائع متجول، لدهان، لمندوب مبيعات ..المهم إنه ما يمد إيده لأبوه وياخد  منه مصروفه  كان لازم يعتمد على حاله ويقدر يساهم ولو بجزء بسيط بمصروف البيت
واشتدت الأزمه وتطورت الأحداث بالثورة، وسامي كان من الشباب اللي طلعوا وهتفوا لإسقاط النظام من كتر الظلم والفساد اللي كان منتشر واللي عاناه هو شخصيا”.

وقت دخل ع الحياة العمليه وصار يشوف قديش في ناس مهدور حقها على حساب ناس.. ناس عايشة بنعيم .. وغيرها عايش بجحيم
اعتقله الأمن مرتين.. أول مرة كان اعتقال عشوائي وقدر يلاقي طريقه يبرء حاله فيها وكانت حجته مقنعه للأمن انه تم اعتقاله من الشارع وهو ماشي
والمرة التانية من قلب المظاهرة ضل 3 ايام بالمعتقل وطلع بحالة يرثى لها بعد ما أكل نصيبه( كم لبطة وكم كفْ وكم مسبة وكم وكم وكم .. وباس التوبة وكتب تعهد على حاله إنه ما عاد يعيدها ).
 بعد ما طلع حلف يمين انه ما رح يتراجع عن موقفه ومارح يتنازل عن حقه متله متل هالشعب.. اللي ما إله حدا يسنده وبيروح تحت الرجلين
ومن خوف أمه عليه قررت تطالعه من البلد وخاصة بعد ماهدده بعض الشباب من ضيعته وكانوا جواسيس للنظام، وإنه ما رح يخلوه عايش وقدموا فيه تقرير بيتهموه  فيه بتهريب سلاح للثوار، وهي تهمة لحالها فيها إعدام
وبليله ما فيها ضو قمر قدر سامي يهرب من البلد ع دولة مجاورة لبلده وهو واقع بين نارين..
نار بلده وأهله اللي تركهم جوات البلد… ونار الغربه اللي كان دايما يحلم إنه يسافرويشتغل ويأسس مستقبله .. بس هالمره كانت كلاجىء ..
عانى كتير وضل فتره عم يحاول يتأقلم مع وضعه الجديد
 وصار يشتغل بائع متجول تحت شمس الصيف وبرد الشتى …
كان يتحمل كل هالشي لحتى يقدر يعيل نفسه ويدفع آجار الغرفة اللي ساكن فيها .. والخوف معبي قلبه إنه شي يوم تمسكه الشرطه ويترحل ع بلده أوع السجن .. أو عالمخيم .. لإنه لاجىء وممنوع يشتغل بلا ترخيص عمل
ومرت الأيام على سامي متل الجحيم وهو عم يدورع وظيفه محترمه وخاصه إنه خريج جامعه بس للأسف .. اذا ببلده ما لقى شغل وهو مواطن إله حقوقه .. أكيد ما رح يلاقي شغل وهو لاجىء ما إله اي قيمة غير شوية قوانين مكتوبة ع الورق ..تحت مسمى حقوق الإنسان.
ضل على هالحاله شي سنه ونص تقريبا وهو عم يلاطش من مكان لمكان ، وبعد فترة لعب الحظ معه عن طريق شخص تعرف عليه بالصدفة وقدر يدبر له شغله محترمه ، وفرح كتير لإنه رح يرتاح من الشنططه بالشوارع تحت الشمس والبرد
وفعلا حاول كل جهده يثبت وجوده بالشغل ونجح بس..!! ما بتكمل اللي حظه معتر بضل معتر هيك قال سامي
بلشوا صحابه يطقوا له براغي عند المدير وعلى صد ورد كل يوم ومحاولة إثبات وجود…وسامي عم يتحمل لحتى ما يخسر الوظيفه اللي معيشته ومنها بيبعت لأهله كل شهر مبلغ صغير يساعدهم بتدبير حياتهم .

سامي تعب منهم ومن الشلليه اللي كانت موجوده بالشغل وقرر يترك البلد اللي لجأ إلها ويهاجرعالمجهول، على بلد أوربي متله متل كل هالشباب اللي هاجرت وحابب يجرب حظه
مع انه بالبدايه كان ضد الفكرة تماما” وكان أمله إنه يرجع على بلده ويقدر يخدم الثورة وهو جوات البلد رغم إنه كل يوم كان يسمع بإستشهاد حدا من رفقاته أو من عيلته؛ كان يحسدهم ويتمنى يموت متلهم منشان يرتاح من الخجل اللي كان ملاحقه لإنه بيعتبر حاله هرب وخذل رفقاته ووطنه
بس خوف أمه عليه وتحذيرها الدايم إله انه لا يرجع.. هو اللي كان مانعه
كانت وقت تحكي معه تقول له صحيح إنت بعيد عن عيني واشتقت لك كتير… بس ع الأقل عم إسمع صوتك .. عم إسمع نفسَك ..ما بدي ياك ترجع للموت بشي رصاصة طايشة أو قناص ما بيرحم..
ومرت الأيام وسامي تعب واستوت الفكرة براسه وخلص قرر يهاجروعم يجهز
حاله ويجمع كم قرش منشان يدفعهم للمهربين عن طريق البحر، ويغامر… يا بموت ..يا بعيش… بده يجرب حظه.. وأصلا”.. هو معتبر حاله ميت وهو عايش
ملْ من حياته ومن كل الألم اللي مر عليه.. لا كان ملاقيها جوات البلد ولارح يلاقيها برات البلد …على حد تعبير سامي
قصة سامي بتشبه قصص شباب كتير تسكرت بوجوههم كل الطرق وما عاد إلهم مفر غير هالمغامرة و الهجرة للبلدان الأوربيه يمكن هنيك يعرفوا قيمته ويقدروه ويحترموه كإنسان، ويقدر يكمل تعليمه ماجستير ودكتوراه متل ما كان حلمه وهو جوات البلد
هيك كان رأيه ورأي كتير من الشباب اللي ما عرفانين شو يعني هجره؟؟
ولما سالته لسامي رح ترجع بس تتحرر البلد ؟؟
كانت الغصة بقلبه والدموع بعيونه وهو عم يقول :
أبدا ما رح إرجع للبلد اللي ما احترمتني وقدرتني.. بلدي اللي عذبتني وداستني برجليها 
بها الكم يوم اللي اعتقلوني فيهم حسيت إني حيوان مو إنسان … أكيد اذا ما نضفت البلد رح ضل برا .. ومارح فكر إرجع.. كل خوفي إني موت وما شوف إمي وأبي وإخواتي .. كل خوفي إني موت وحيد وما لاقي حدا جنبي ؟؟
هون بدي انهي القصة ..وقول كلمة للناس اللي اتصدرت المشهد و اعتبرت حالها مسؤوله عن هالشباب ومثلت هالثورة .. هيك رح يبقوا شبابنا يهاجروا كلهم لبرا ؟؟ وشو عملتوا لها الشباب وشو قدمتولهم حلول ؟؟ وشو قدمتوا للثورة بعد خمس سنين؟؟ ويا ترى رح يقدروا هالشباب يسامحكوكم بعد كل سنين الخذلان ؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.