زكريا تامر الحداد الدمشقي.. شيخ القصاصين ورائد عالم القصة السورية الحديث

منذ شبابه خاض تامر تجربة السجن والاعتقال والملاحقة، نتيجة الأوضاع التي كانت عليها سوريا، تراوده الأحلام في قدرته على التغيير، وهي ذات الرؤى التي تراود جميع الشباب في ذلك العصر.

الأيام السورية؛خالد علوش

عندما لا تجد في كتاب جملة مستقلة بذاتها، تنفع لتكون معلومة تتداول، ولا تستطيع إيجاد اقتباسات كثيرة من نصوص ما، ولا تستطيع الفهم إلا كبنية متكاملة، إذاً فأنت أمام إبداع فذ. هذا بالضبط ما هو عليه أحد أهم رواد القصة في سوريا والوطن العربي، زكريا تامر.

في نصوص زكريا القاص، حكايات من مختلف الأجناس والأحداث والشخوص، تتداخل بطريقة سلسة وجميلة لتكوّن عالماً خاصاً في كل منها، ويصيبك أحد نوعين، إما الابتسام بشعور داخلي بالضحك المجلجل دون الخروج للعلن، وإما شفتين مطبقتين ألماً بشعور حزين ومبكي دون إطلاق نواح إلى الخارج. من يتعامل مع نصوص زكريا تامر يصاب بحالة من الرغبة بالبصاق على شيء نعلمه لكن في لحظة القراءة يكون ضبابياً.

الولادة والنشأة

ولد زكريا تامر لأسرة دمشقية بسيطة عام 1931 في حي البحصة، وتلقى تعليمه الأساسي في مدارسها دون أن يكمل لإحساسه الدائم بالفاقة والعوز، فترك الدراسة بسن الثالثة عشر، وانخرط مباشرة في العمل الحياتي، وبدّل الكثير من المهن، لكن المهنة التي بقيت محببة إلى قلبه دائماً وكان يعود إليها باستمرار هي الحدادة.

نشأ زكريا في بيئة تقليدية، فكان وعيه مرتبطاً مثل أي إنسان طبيعي بالمكان الذي فيه، يحمل النوستالجيا بشكل تلقائي، حيث تتركز في الذاكرة، وبلسانه نفسه الذي يكرر دائماً “أنا ابن الحارات الشعبية”. هذا الوعي الذي نشأ مع تامر واستمر حتى اليوم وواضح في جميع نصوصه، لم يُخرج زكريا ونصه من دائرة البحث عن معنى هذا الإحساس، فأتت نصوصه دائماً تحمل هذا القلق والتساؤل الوجودي للمعنى بحبكات قصصية وأحداث بسيطة.

تجربة السجن والاعتقال والملاحقة

منذ شبابه خاض تامر تجربة السجن والاعتقال والملاحقة، نتيجة الأوضاع التي كانت عليها سوريا، تراوده الأحلام في قدرته على التغيير، وهي ذات الرؤى التي تراود جميع الشباب في ذلك العصر، لكن اليأس كان بالمرصاد نتيجة قوة الحياة الطاحنة، وخلال ربع قرن كامل لم يجد زكريا ضالته.

عاش متنقلاً بين السياسة والعمل اليدوي والقراءة الفردية، وانضم إلى الحزب الشيوعي السوري بطبيعة الوضع العملي لزكريا، لكن تلك التجربة السياسية لم تدم طويلاً، وطُرد من الحزب عام 1956 لأسباب شرحها تامر في وقت لاحق، وهي إشكالية علاقاته مع المثقفين والتي كان الحزب الشيوعي يحوي منهم الكثير، حيث يقول: (أشتاق إلى مهنة الحدادة كثيراً وأحن إليها أكثر، والسبب أن إنسان المعمل له وجه واحد، الصديق صديق، والعدو عدو، ولكن اضطراري إلى الاختلاط بأوساط المثقفين، جعلني أكتشف أن الشخص الذي يمكن أن يُعتبَر تشي غيفارا في هذه الأوساط، له مئة وجه على الأقل. وأحار بين الوجوه وتصعب علي كيفية الاختيار، ففي مجتمع المثقفين لا صداقات ولا عداوات. من هنا أقول: إن حياة المعمل تمنح الإنسان ثقة أكثر، بينما العيش مع المثقفين يزعزع هذه الثقة بالإنسان، فإذا أردنا تصنيف شعبنا على أنه من المثقفين فحتماً سيكون رأيي فيه أكثر من سلبي). هذا الرأي الذي بقي ملازماً لزكريا تامر طوال حياته، قد فتح أمامه صراعات هائلة، وأهمها ما كان يُقال في حقه، أنّ، كيف يمكن لحداد أن يخترق عالم الفن والحداثة والقصة، وهذه التساؤلات خلقت بالمقابل ردود أفعال لدى زكريا، واستمرت هذه الآراء التصارعية دون توقف.

صهيل الجواد الأبيض.. باكورة المجموعات القصصية

بعد طرده من الحزب بعام، بدأ بكتابة أول قصة وهو في سن السادسة والعشرين، وتوالت الكتابات حتى شاءت الأقدار أن يصل اسم زكريا إلى بيروت، وبالذات إلى أصحاب مجلة شعر برئيسها يوسف الخال، وبرغم قسوة نصوص زكريا إلا أن يوسف الخال بشاعريته ورقته كان يشعر بأهمية وعبقرية هذا الحداد الدمشقي، وبأن العنف الذي ولّدته الظروف الحياتية، ليس إلا شكلاً حداثياً في فن القصة، وهكذا تم تبني زكريا تحت جناح مؤسسي مجلة شعر، وبدعم كامل منهم صدرت أول مجموعات زكريا “صهيل الجواد الأبيض” والتي وضعته في مكان بارز داخل الشارع الأدبي والثقافي.

مع ارتفاع اسم تامر في الوسط الثقافي داخل بيروت والوطن العربي، اتخذت حياته مساراً عملياً، فانغمس في أعمال عديدة دون التوقف عن كتابة القصة، وكانت له مساهمات كبيرة في الثقافة السورية بالذات، فعمل في وزارة الثقافة مدرية التأليف والنشر، ورئيس تحرير جريدة الموقف العربي، ووزارة الإعلام، وساهم بتأسيس اتحاد الكتاب وأصبح عضواً فيها، وعمل في مؤسسة السينما كرئيس لجنة السيناريوهات، ومدير تحرير مجلة الدستور بلندن، ومحرر ثقافي في مجلة التضامن لندن، ومدير تحرير مجلة الناقد، ومحرر ثقافي لدى شركة رياض الريس للنشر .. وغيرها الكثير.

نزعة مفرطة للحرية والحياة

تزوج فيما بعد دون أن يكون له شغف بفكرة الارتباط، حيث يقول عن ذلك: (لم أحلم في يوم من الأيام، أن يكون لي ولد، وأن تكون لي زوجة وبيت. أحب الأطفال لغيري، وحتى بعد زواجي لم تخطر لي أني سأنجب أطفالاً وأصبح أباً. كانت هناك اعتبارات جعلتني سلبياً في هذا الإطار. لأن هناك أسباباً معينة تدفع الإنسان إلى الزواج، وهذه الأسباب لم أكن أعانيها؛ مثلاً: الإنسان يحب الاستقرار، وأنا لا أحب ذلك. وهو يحب أن ينجب ذرية تحمل اسمه، وهذا موضوع لم يكن وارداً بالنسبة إلي، بل العكس، رغبتي أن أكون آخر شخص يحمل اسم تامر، والعواطف أيضاً، لست في حاجة إليها. أبداً، هذه ليست أنانية، والموضوع ليس طرحه سهلاً، بل له جوانب عدة متشابكة بعضها ببعض).

هذا الرأي الذي قد يراه البعض أنانياً، ليس سوى نزعة مفرطة للحرية والحياة بطريقة خاصة، وعمل الشيء الذي يحبه. وبرغم أن الكثير من نصوص زكريا تحمل ذلك الطابع الإنساني العميق والمحزن في علاقات مشابهة، إلا أنها تدلل بعمق عن رفضه النسبي لمسألة الارتباط، وربما مرّد ذلك لطبيعة حياته القديمة والطفولية.

الانتقال إلى لندن

بعد الشهرة التي تلقاها في حياته، انتقل عام 1980 إلى لندن، حيث ما يزال إلى الآن هناك، وعمل في مجلة الدستور الأسبوعية، وانقطع عن إصدار المجموعات القصصية حوالي 16 عام إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي. نال تامر بعض الجوائز كالعويس للقصة، ووسام الاستحقاق السوري، وجائزة ميتروبوليس، وجائزة القاهرة، وجمعت قصصه في 10 كتب (صهيل الجواد الأبيض، ربيع في الرماد، الرعد، دمشق الحرائق، النمور في اليوم العاشر، نداء نوح، سنضحك، الحصرم، تكسير ركب، القنفذ. وللأطفال، لماذا سكت النهر، قالت الوردة للسنونو، 37 قصة).

الحالة التجديدية في عصر الإتباع والتقليد

ما يميز أدب زكريا، هو الحالة التجديدية في عصر كانت فيه القصة تعاني نماذج الإتباع والتقليد في مكون أساسي منها، إلا أن زكريا خلق خصوصية قصصية سورية كانت ثورة حداثية في ذلك الزمن، فمن أهم تلك الأفكار هي قدرتها على تقديم شخوص وأحداث بسيطة وقاسية لدرجة تجعل القارئ يقف متحيراً عن حقيقة العالم الذي يعيشه، أو هي أول مرة يخرج إنسان ليقول لنا ما نعرفه ونخفيه. لعب زكريا دور الموضّح لنا أزمة الإنسان البسيط وهواجسه وقوة السلطة المتحكمة فيه بشكل غير مباشر، وهذه كانت ميزته الأساسية، مع بناءات القصة الجديدة التي تقوم على مزج المنطقي واللامنطقي وتوتر الشخصيات بين الواقعي والأسطوري، فهو بحق أول من أسطَرَ الواقع، هذه المفارقة المترعة بن الخيالي واللامنطقي هي التي صنعت هذا الأدب المميز وجعلت زكريا أحد أهم رواد القصة السورية. بالإضافة إلى ميزته بجعل الراوي يطّلع على كل شيء، ويعرف أدق خفايا شخوصه ويتدخل بها بطريقة غامضة غير مباشرة ليمزج نصه بسلالة تصل إلى أبسط العقول البشرية.

ولقب شيخ القصاصين هو أقل ما يمكن قوله عن ذلك الحداد الدمشقي الذي أنشأ بقدرة فذة عالم القصة السورية الحديث.

المؤلفات

صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الأولى، دار مجلة شعر، بيروت، 1960.
ربيع في الرماد، الطبعة الأولى، مكتبة النوري، دمشق، 1963.
الرعد، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1970.
دمشق الحرائق، مكتبة النوري، 1973.
النمور في اليوم العاشر، دار الآداب، بيروت، 1978.
نداء نوح، دار رياض الريس، لندن، 1994.
سنضحك، دار رياض الريس، بيروت، 1998.
ـ أف!، (مختارات قصصية) 1998م.
الحصرم، دار رياض الريس، بيروت، 2000.
تكسير ركب، دار رياض الريس، بيروت، 2002.
القنفذ، دار رياض الريس، بيروت، 2005.
ندم الحصان، 2018.
وله في مجال قصص الأطفال
لماذا سكت النهر، وزارة الثقافة، دمشق، 1977.
قالت الوردة للسنونو، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1977.
37 قصة للأطفال نُشِرَت في كتيبات مصوّرَة، 2000.

مصدر امتنان الصمادي، زكريا تامر والقصة القصيرة موقع حفريات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.