زكام

تابعت العربة المسير في طريق مهجور منحنٍ من الطرفين، والسيدة معصومة تتحدّث إلى همّت وتجلب الماء من ألف غدير لكنها لا تستطيع استثارة مشاعره. لا يوجد شيء في ذهنه عدا أمّه وقريته.

عمر سيف الدّين

عمر سيف الدّين
الترجمة عن التركية: نور عبدالله

السّيدة معصومة مستلقية على فراش حريري محشو بالرّيش في عربتها التي يجرها حصان واحد، متّكئة على الوسائد الكبيرة الورديّة اللون المحشوّة بالرّيش أيضاً، عيناها الكبيرتان الشّرهتان كانتا تبدوان وكأنهما لا تريان المارّة.

الشّمس الحارقة كانت قد ارتفعت في الأفق، وحزمة الضّوء التي لا تكاد تُرى تتخلّل غطاء العربة المصنوع من الكتّان وتنعكس على رموش السّيدة معصومة الكثيفة المجعّدة، وعلى الرقائق الذهبية المتدلّية من غطاء رأسها البرتقالي وتُظلّل طيّات عباءتها الأرجوانيّة، لم يكن الهواء السّاكن يحرّك ستائر العربة الحريريّة.

اليوم هو يوم خضر الياس*، يتدفّق الجميع باتجاه مرج “جيربيجي”، بائعو المياه، المشروبات، المكسّرات، رقائق الحلوى، الخرّوب، الألعاب، المياه الغازية، معجون الحلوى، الكعك، والسّكاكر، الكثير من الباعة المتجولين اختلطوا بالناس من كل الأطياف: ذو الطربوش، ذو العمامة، ذو القبّعة، ذو العَرَقيّة، ذو القلنسوة، ذات العباءة، وذات المُلاءة، الذين كانت تعلو أصواتهم وهم يتسوّقون.

السّماء كانت صافية، والجّو حار جداً، بحيث إن كبار المتسكعين وصغارهم جلسوا ليستريحوا متربّعين على قارعة الطريق، يجفّفون عرقهم بمناديلهم، يهتفون بصوتٍ واحدٍ بين حينٍ وآخر كلما مرّ أحد معارفهم “أوج بابا توريك*”.

كان الحصان الأسمر الّذي يجرّ عربة السّيدة معصومة مبلّلاً وكأنه خرج لتوّه من البحر، وقد تصبّب العرق من عرفه وركبه وطرف ذيله، وتصاعدت طبقة من الدّخان الأزرق الفاتح من ظهره، المسكين كان يجرّ أكثر من ثلاثمائة أوقية طوال ساعة كاملة، وعلى الرّغم من أن همّت شاب قويّ البنية ينحدر من منطقة الأناضول، فهو لم ينزل ولو دقيقة واحدة لجرّ الحصان لمساعدته على اجتياز التّلال، بل كان يلهب ظهره بالسوط ليحثه على اجتياز العربات الأنيقة الخفيفة التي يجرّها حصانان، وقد كانت السّيدة معصومة بوزنها الذي كان يضغط على العجلات ويفقدها مرونتها بضعف وزن همّت، في الواقع هي لم تكن سمينةً، لكنها كانت ضخمة لدرجة أنهم كانوا سوف يعتقدون أنها ابنة سلطان عملاق جاءت من خلف جبل قاف لتتجوّل بين الرّعيّة، ومع ذلك كان وجهها ممتلئاً ملوّناً وجميلاً جدّاً، كانت خدودها الورديّة وشفاهها الأرجوانيّة الصّغيرة تشعّ صحّةً، وفي عينيها السّوداوين الكبيرتين تضيء شرارة ملتهبة، وقد كان جمهور مرج “جيربجي” المداومين يعرفونها جيداً، وما إن رأوا حصان العربة الأسمر وستائر عربتها الزرقاء من بعيد، حتى بدأوا ينكزون بعضهم.

ـ هشت أنت! البدر قادم
ويتحضّرون لرؤيتها، ويقذفون بكلمات باردة، في غير محلّها.
هل كان بتأثير الجوّ الحارّ أم من تأثير خضر الياس، المتفرجين الوقحين لم ينتظروا أن تصل إلى المرج وبدأوا بالتحرش:
ـ آه يا أمي، انهاري لأبقى تحتك!
ـ دوسي على بطني لتخرج روحي وأنا أقول الآه!
ـ هل أنت قشطة يا مبروكة!
ـ فلأنظر ولتشبع عيني على الأقل!
ـ يليق بك مصباح من الزجاج، مصباح من الرّوح، لا مصباح من المشمّع.
ـ “أوج بابا توريك”
الخ.. الخ..

السّيدة معصومة لم تكن تسمع التحرّشات التي كانت في الغالب تغضبها، وتغيّر ملامحها، كانت روحها مكدّرة اليوم، وحِداد خفيّ عميق لا يقبل العزاء يضايقها. كانت قد دخلت عامها التاسع والثلاثين في يوم خضر الياس هذا، مرّت عشر سنوات بالتمام وهي أرملة، كان عمرها يمضي كالحلم، الأيّام، الأسابيع، الشهور، السنوات، لم تكن بحكم الثواني حتّى.

كانت غنيّةً، ورثت عن زوجها العجوز المريض قبل عشر سنوات مالاً كثيراً وقصراً في

أدرنه قابي*، وخاناً، وحمّامين، لم تجد على مدى عشر سنوات رجلاً يناسبها طولاً ومركزاً، كان كل من تقدّم لها إمّا هزيلاً نحيلاً أو عجوزاً خرفاً وقد كانت ترغب بالزواج من رجلٍ شابِ قويّ البنية.

كان هذا حلمها ومبتغاها النابع من القلب والفاجر، منذ أن كان زوجها الذي كان يشبه جثّةً حيّة على قيد الحياة، لكن لم تقابل رجلاً بهذه الصفات، وقد انتظرت قسمتها ما يزيد عن ثلاثة آلاف يوم. نذرت النّذور، وذهبت إلى قارئي الطالع، وآبار الأماني، وتربة الجد تيزفران*، ولم يأتِ من يناسبها.

اهتزّت العربة فجأةً، واستفاقت السيدة معصومة من أحلامها، ونظرت حولها، كانوا قد اجتازوا أخدوداً. همّت يضرب الحصان بالسوط ويصيح: ديح.. ديح*..

ما هذا الازدحام يا ربّي! قطيع من رجال، ونساء، وأطفال، ذو المعطف المزرّر للرقبة، وذو لباس علماء الدّين، راكب بالحصان، وراكب السّيارة، وحتّى راكب الدّرّاجة الهوائية. لو وقعت إبرةٌ فلن تصل إلى الأرض، عازفوا الأرغن اليدوي، والمزامير والطبول المزدوجة، ذو الشروال الأصفر الخام، والذين يرقصون ويدبكون، وصراخ الغجريّات، كل هذا سبّب انقباضاً في صدر السيدة معصومة:
ـ همّت! لا تكمل إلى جيربجي بل إلى مزرعة بورغاز.
وانعطفوا إلى يمين الطريق، كانت الحقول خضراء، وقد تراءت الأشجار في نهاية الأفق، كلما ابتعدوا عن الطريق الرئيسي خفّ الضجيج، وأصبح طنيناً، وصار من الممكن سماع صوت العصافير. حرارة الربيع التي تلسع دون أن تحرق، أثّرت جلياً بالسيدة معصومة، وقلبت الدم في جسمها رأساً على عقب، وكأنه يريد أن يطفح، أذنيها تطنّان، تحوم أمام عينيها نقاط حمراء بنفسجية.

نعم كانت قد بلغت التاسعة والثلاثين من العمر، ما أهمّية المال والرفاه والأملاك ما دامت تعيش وحيدة مثل بومة، ألن تكبر في السن وتعجز؟ هذه الرغبة وهذا الهوس وهذه النار اللذيذة التي تدقّ قلبها بشدّة، ألن تنطفئ بينما هي تنتظر قسمتها؟! إلى متى ستنتظر قسمتها، ها قد مرّت عشر سنوات، قالت في نفسها

ـ ماذا لو بحثت أنا عن قسمتي بدلاً من انتظارها هكذا!
وفكّرت في تغيير وجهة العربة مجدّداً إلى مرج جيربجي، كانت ستبحث عن رجلٍ شاب، ضخم، قوي البنية، وعلى سنّة الله ورسوله….
ـ وليكن غير ذي وجاهة،
وهزّت كتفيها، وأدارت عينيها عن الحقول المضيئة تحت ضوء الشمس وتوجهت إلى همّت، وكادت أن تقول:
ـ عد إلى جيربجي
لكنها لم تستطع أن تفتح فمها، بدأ قلبها يدقّ بشدّة، ها هي قسمتها أمامها فوراً، لو مدّت ساقها قليلاً كانت لمستها، نظرت بتمعّن على رقبة همّت التي كانت تلمع من العرق، وعدّت، خمس ثنايا، كانت تشبه رقبة ثور، كتفاه العريضان، وعضلاته المنتفخة، تكاد تمزّق سترته الجوخيّة الزرقاء، بصوت منخفض قالت:
ـ همّتّ
ـ أفندم
ـ كم عمرك؟
ـ تسعة عشر سيدتي.
تسعة عشر…! تسعة وثلاثينّ!…

كان أصغر منها بعشرين عاماً. لكن ما أهمّيّة ذلك؟ تذكّرت قريبتها الغنيّة السيدة كلثوم التي تسكن في قاضي كوي*، هي أيضاً كانت قد أحبّت سائقها الذي يصغرها بخمسة وعشرين عاماً، وعقدت قرانها عليه، ألبست السائق، وأنّقته، وجعلت منه سيّداً، وقد شغّل أموالها وضاعفها بدلاً من أن يبذّرها، الآن هو تاجر كبير، ولكن ماذا سيقول الجميع: السيدة معصومة تزوجت من خادمها!

فليقولوا ما يقولون.. بعد أن يكون لها زوج شاب، قوي، نشيط كهذا… لم يكن همّت سائقها فقط، فقد كان طبّاخها أيضاً، بالإضافة إلى الأموال فقد ورثت البخل عن زوجها. وقد وكلت بمهام تكنيس ومسح البيت إلى همّت. وماذا يلزمها بعدُ.. إن غدا شخص مجدٌّ كهذا، قليل المصاريف، كثير الفائدة، زوجها؟ نعم كان همّت ينفّذ أوامرها دون أن يتبادر إلى ذهنه الاعتراض. لكن كيف؟ هل كانت ستقول له: تزوّجني؟ أم كانت ستقولها عن طريق شخص آخر.. لكن من؟

أصلحت السيدة معصومة شعرها بيديها السمينتين وهي تعض على شفتيها الحمراوين. فكّرت: ماذا لو قلتها أنا..
لكن كيف؟ كانت العربة تمضي محدثة صوت قرقعة في طريق مستقيم مهجور، وبين الحين والآخر تهبّ رياح خفيفة تحمل معها رائحة الربيع.
يجب أن تلمّح له بهدوء، وتثير مشاعره قالت في نفسها: عندها هو الذي سوف يتوسّل إلي.

ـ همّت!
ـ أفندم؟
ـ أدر وجهك ناحيتي.
ـ أمركِ.
ـ هل تعرف الغناء؟
ـ لا أعرف أبداً سيدتي.
ـ همّت! ما أجمل عينيك!
ـ تشبهان عيني أمّي سيدتي.
ـ حواجبك ما أجملها!
ـ تشبه حواجب عمّتي سيّدتي.
ـ وخدودك ورديّة!
ـ بفضلكم سيدتي، نأكل، نشرب.. ألا تكون ورديّة؟!
ـ ألا ترى أحلاماً في الليل؟
ـ ما هي الأحلام سيدتي؟
ـ رؤيا تراها في نومك.
ـ لا أرى أبداً سيّدتي.
ـ هل تنام فوراً؟
ـ أنام فوراً سيّدتي.
ـ قبل أن تنام أو ربّما عندما تستيقظ ألا يخطر في بالك شيء؟
ـ تخطر في بالي قريتي، أمّي، أبي يا سيدتي.

رسم تعبيري(بينترست)

تابعت العربة المسير في طريق مهجور منحنٍ من الطرفين، والسيدة معصومة تتحدّث إلى همّت وتجلب الماء من ألف غدير لكنها لا تستطيع استثارة مشاعره. لا يوجد شيء في ذهنه عدا أمّه وقريته، وبعد نصف ساعة كانوا قد دخلوا حدود مزرعة بورغاز، لم تعد السيدة معصومة تستطيع الاحتمال وصرفت النظر عن التلميح إلى همّت وقررت فجأةً تغيير منحى الحديث:

ـ هل أنا جميلة؟
ـ حماكِ الله سيّدتي.
ـ هل أعجبك؟
ـ لا أعلم سيّدتي
ـ كيف لا تعلم؟
ـ لا أعرف ما هو الإعجاب سيّدتي، من أين لي أن أعرف؟
هذا الأبله لم يكن على علم بشيء، وهل يلزم أن تفصح له أكثر من ذلك؟
من الأفضل أن نعود إلى جيربجي، فكّرت بينما كانوا يمرّون بطرف المزرعة. قالت بعصبيّة:
ـ هيّا بسرعة عُد إلى جيربجي
عادوا إلى الطريق، كانوا يتبعون الطريق العلوية كانت هناك تلال من الأسمدة يسرح الدجاج فوقها، وكلاب شقراء ضخمة تتجوّل مدلّية ألسنتها أمام الحظائر الخربة.
العربة تهتزّ فوق الطرق غير السيئة، وتكاد تنقلب، مرّوا بالقرب من حظيرة سوداء، وهمّت ينهال على الحصان بالسوط. وقعت عينا السيدة معصومة البريئتين فجأةً على شيء من بين السّياج وصرخت: آآآآآ…… فكّرت: “هذه هي الفرصة لأفتح الحديث مع همّت”، تبسّمت، وصرخت بجدّيّة:
ـ همّت عجّل، أنقذ هذا الحيوان.
ـ ماذا أنقذ سيدتي؟
ينظر حوله ولا يجد ما يحتاج لإنقاذ.
ـ انظر خلف السياج.
ـ أيّ سياج؟
ـ هذا الثور.. خنزير.. إنه يضرب البقرة المسكينة، هيّا عجّل
هزّ همّت برأسه:
ـ الثور لا يضربها يا سيدتي؟
ـ ماذا يفعل إذن؟
ـ إنه يتزاوج معها سيدتي.
ـ اذهب وأنقذها أقول، هل يا ترى البقرة المسكينة كانت تريد التزاوج؟
ـ تريد سيدتي.
ـ ومن أين تعرف؟
ـ الثور يعرف أنها تريد سيدتي.
ـ كيف يعرف؟
ـ من رائحتها سيدتي.
ـ هكذا إذن.
ـ نعم سيدتي.
ابتعدت العربة متمايلةً من أمام السياج، واستوت الطريق مرّة أخرى، كان الهواء يعبق برائحة السّماد، وقد تغلغلت رائحة الربيع الحادّة في أنف السيدة معصومة لدرجة تدفعها للعطاس، ولم تعد تستطيع الاحتمال، قالت:
ـ همّت! هل أنت مصاب بالزكام؟
ـ لا سيّدتي.
ـ بلى.. بلى.. مصاب
ـ لا سيّدتي!
ـ بلى، أنت لا تشم الروائح بقدر الثور خلف السياج.
ـ لا يوجد أي رائحة سيّدتي.
ـ لا سيّدتي.
ـ اذهب لعنك الله، يا دب!
ـ!!!؟؟
كانت العربة تسير باتجاه مرج جيربجي، بينما استسلمت السيّدة معصومة مجدّداً لبريق أحلامها في ظل ذكرى خيبة أملها السوداء، وهمّت لا يزال يضرب بسوطه، ويفكرّ: ترى هل ضرط الحصان وعمل عملةً وأنا لم أسمع؟
ولم يفهم همّت السبب الذي دفع السيدة معصومة إلى تعنيفه بهذا الشكل.


ملاحظات من المترجم

خضر إلياس: عيد يقام في 5-6 من شهر أيّار، حسب الاعتقاد لمكافأة الجيّدين ومعاقبة السيّئين.
أوج بابا توريك: تقال قديماً كتحرّش لفظي
أدرنة قابي: منطقة في اسطنبول الأوروبية
تربة تيزفران: تربة الشيخ تيزفران يقصدها بعض الناس للتبرّك.
ديح، ديح: هيّا، هيّا، تقال بمعنى لفت الانتباه
قاضي كوي: منطقة ساحلية في اسطنبول الآسيوية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.