ريم بسيوني في أولاد الناس تأخذنا عميقا في التاريخ المصري إلى عصر المماليك (2/3)

تفاصيل كثيرة عن الاستحضار الإنساني للمشاعر الذاتية، الدخول بأعماق الشخصية الإنسانية، الحب هو الانتماء والمصداقية والوفاء، العلاقة بين المرأة والرجل، والحب والخلود من خلال الحب. نتعرف عليها في هذه الرواية.

59

الكاتبة: ريم بسيوني.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: دار نهضة مصر/ط٣، ٢٠١٩م، ورقية.

.ريم بسيوني روائية مصرية متميزة، لها العديد من الروايات، روايتها أولاد الناس حصلت على جائزة نجيب محفوظ عن عام ٢٠٢٠م، وهي رواية طويلة ٧٥٨ص من القياس المتوسط.

تبدأ الرواية من زيارة ياسمين لوالدها الدكتور صلاح في مصر، وهي القادمة من إيطاليا حيث تعيش مع والدتها، والدها د. صلاح المهتم والمنشغل بالتاريخ المصري. أعطاها والدها أوراق رواية كتبها لنشرها بعد حين. الفتاة غير مقتنعة بذلك، تهمل الرواية لسنوات، تترك الرواية لابنتها جوزفين التي ستنشرها بعد ذلك.

في الجزء الثاني من الرواية تنتقل الرواية زمنيا إلى تاريخ ١٣٨٨م. في بداية حدث جديد في ذات تاريخ المماليك في مصر. حيث نتابع سيرة حياة حفيد القاضي عبد الكريم الذي عرفناه في الجزء الأول؛ كان صوت الحق والعدل، وإنه وقع ضحية غضب السلطان الجديد، المنقلب على صديقه السلطان الذي كان عادلا، وأدى ذلك لأن يوضع بالسجن حتى وفاته.

أنجب ابن اسمه أحمد، سيرته عادية بقي يعيش هول ما عاش أبيه، وابتعد عن السلطان خوفا من ظلمه وبطشه. أنجب أحمد ابنا اسماه عمرو، كان يحمل سمات جدّه عبد الكريم، الشجاعة في قول الحق والمواظبة على التعلم، حفظ القرآن وعمره تسع سنوات، تعلم الفقه ودرس على أهم العلماء، وحصل على إجازة القضاء مبكرا. عيّن قاضيا على قوص وأصبحت سيرته مضربا للمثل.

كانت مصر محكومة من السلطان المملوكي برقوق وكان عادلا. ما زال المجتمع مقسما إلى مماليك تحكم وتحمي، هم الأمراء والجنود والسلطان منهم، وأمراء المماليك يحكمون كل في بلد يتبع السلطان، بعض الأمراء جيدين والبعض سيئين، الأحوال تتبدل دوما والمؤامرات لا تتوقف، والعامة من أهل مصر يعيشون قابلين بحكّامهم مرغمين، يلتزمون بما يفرض عليهم من ضرائب، يسعدون عندما يكون الحاكم عادلا. ويدعون الله أن يبدله عندما يكون ظالما.

عمل عمرو قاضيا في قوص، وكان نموذجا للقاضي العادل، يحكم المدينة أمير مملوكي، له ابن فاسد يهوى الفتيان، كان يعتدي على أولاد العامة، يمارس الفاحشة بهم ويتركهم لعارهم وخزيهم، وقد يقتل بعضهم. كان الناس يصمتون عن أمره خوفا من بطش أبيه الأمير. جاءت أم حسن إلى القاضي عمرو تشيكي له اعتداء ابن الأمير على ابنها وممارسة الفاحشة معه ومن ثمُ قتله بعد ذلك. أخبرها أنه سيتحقق من الأمر وإن كان صحيحا فسيقتل ابن الأمير على جريمته كقصاص عادل. كما لجأت إليه فتاة اسمها ضيفة تشكو له من ظلم أبيها الذي زوجها رغما عنها، وزوجها لا يقربها، لأنها ذات بشرة داكنة، وأنها مصابة بمس شيطاني وتصاحب الجان وبعض الضباع، وكان والدها ظالما لها ولأمها ويضربهن دوما. وعد الفتاة أنه سينظر في الأمر.

يدرك القاضي عمرو أن مواجهة ستحصل بينه وبين الأمير والد الفتى القاتل، وقد يؤذي أولاده الصغار. كان القاضي قد تزوج من ابنة أستاذه قاضي القضاة وأنجب منها ولدين وتوفيت منذ فترة. قرر أن يرسل أولاده إلى جدهم ليكونوا تحت حمايته. وبعث رسالة إلى السلطان يطلب فيها حمايته من الأمير، وكذلك مقابلته.

استدعى الفتى ابن الأمير لكن أباه أخفاه، حضر الأمير وواجه القاضي وهدده وتوعده، لكن القاضي واجهه وأصر على استجواب ابنه وأن ينال العقاب الذي يستحقه إن ثبتت التهمة عليه. توعد الأمير القاضي بالقتل إن أصرّ على محاكمة ابنه. كما استدعى القاضي والد الفتاة ضيفة وزوجها وأمها، وسمع حكاية ظلم الفتاة وأن زوجها يعتزلها ويكرهها ولا يود استمرار زواجه منها، فطلقها منه. وتوعد الأب بالسجن إن أساء لابنته وزوجته. وجدت ضيفة بالقاضي منقذا جاءها من الله، ووجد القاضي في عيني ضيفة بريقا جذبه لها. لقد زُرع حبها في نفسه، وكذلك هي.

خطط الأمير والد الفتى القاتل لقتل القاضي كي لا يصل إلى ابنه ويقيم عليه الحد، لكن استدعاء السلطان للقاضي أنقذه من الموت.

ذهب القاضي إلى السلطان برقوق، الذي حدثه عن فعلة الفتى المشينة وقتله للطفل، ناقشه السلطان، بأن ما يفعله كقاضي يوغر صدر الأمراء، وهم سدنة الحكم، وإن عوقب ابن الامير فلن يأمن الأمراء على أنفسهم، خاصة أنّ لأغلبهم أخطاء كثيرة. ناقشه القاضي بأن العدل والحق هو من يحمي الحكم وليس الظلم. تناقش القاضي كثيرا مع السلطان وأخذ منه سماحا بمحاكمة الفتى وإنزال العقوبة به، رغم ما قد يجر على السلطان والقاضي من تبعات من الأمراء المماليك. وقتل الفتى قصاصا. توعد الأمير والد الفتى القاضي بأنه سيقتله وأولاده بسبب قتل ابنه، ولو بعد حين.

يعود القاضي من القاهرة بعد لقاء السلطان إلى قوص ويستمر يحكم بالعدل. ذاع صيته وانتشرت حكاية عدله. كما أنه التقى بضيفة وأمها ووالدها أكثر من مرة بسبب إساءة الأب حيث يعتدي عليهم بالضرب بشكل دائم كسر يد زوجته وجلد ابنته، سجنه القاضي بعض الوقت، واكتشف عمرو أن حب ضيفة يستحكم في نفسه وكذلك هي. وقرر طلبها كزوجة لنفسه، ومن ثم يتزوجها زواجا شرعيا رغما عن والدها إن رفض.

كان لقتل ابن الأمير تداعيات بين أمراء المماليك الذين بدؤوا يتآمرون على السلطان برقوق من أجل نزع السلطنة منه. خططوا وخاضوا صراعا مع أنصار السلطان، هزم وانتزعت السلطنة منه، كان مصيره السجن، ومعه القاضي عمرو أيضا.

في السجن توطدت العلاقة بين القاضي والسلطان، تحدثوا في كل شيء. وبعد فترة من الزمن استطاع بعض الأمراء من أنصار السلطان المعزول برقوق أن يسقطوا السلطان الجديد ويهزموا الأمراء المتحالفين معه.

خرج برقوق من السجن وعاد سلطانا مرة اخرى. أما عمرو القاضي فقد بقي في السجن، ولم يجد من ينقذه من سجنه، بل نقل لسجن أسوأ، مظلم لا يعرف ليله من نهاره، يحضرون له طعاما لمرة واحدة يوميا، معزول عن الدنيا. عاد القاضي في سجنه إلى نفسه وأعاد حساباته، ورضي عن نفسه؛ كان دائما نموذجا للإنسان المخلص لقضيته، لا يلتمس في مسلكه إلا العدل ورضى الله. كان يعيد ما يحفظ من القرآن والحديث ويزيد التعبد، ويحارب وحدته، كانت تحضر ضيفة إلى نفسه كنور يضيء نفسه. يخاف أن يجبرها أباها على الزواج من طليقها مرة أخرى. أو أن يضربها وأمها كما كان يفعل.

طال الزمن في سجن عمرو إلى سنتين، واعتقد أنه متروك ليجنّ أو يموت في وحدته داخل سجن أقرب للقبر. لكن حدثا حصل قلب حياته وأنقذه، جاءت إليه ضيفة بعد أن رشت الحارس، عاشت معه ليلة كزوجين، واعطته سلاحا وأخبرته أن عليه أن يهرب من السجن، وبالفعل خرج من السجن وذهب إلى أولاده عند جدّهم ووجدهم بخير وأن الأمير الذي توعّد بقتلهم لم يصل إليهم. لأنه قتل في معارك مع المغول في بلاد الشام. ذهب إلى السلطان الذي استقبله وأعاده إلى منصبه قاضي في قوص.

عاد قاضيا، والتقى بضيفة وأراد ان يتأكد من كونها زارته فعلا وأنقذته أم كان مجرد حلم. تزوجها وعاش هو وهي وأولاده، كانت أم حسن المرأة التي قتل ابنها ابن الأمير قد وهبت حياتها لخدمة القاضي والتزمت بذلك. وكان لضيفة صديقات من النساء المتهمات بصحبة الجن وممارسة السحر، كما أن ضيفة تصادق الضباع وتطعمهم. كانت متعلقة بالقاضي إلى درجة لا توصف. حدثته كيف أنقذته وكيف أنقذت أولاده أيضا من خلال تهريبهم إلى بلاد النوبة خوفا من انتقام الأمير الذي قُتل ابنه، مستغلا سجن عمرو.

طموح القاضي بعدل واسع يدوم جعله يحدث السلطان أن يعطيه منصب قاضي القضاة، وحصل عليه. لكنه لم يستمر به طويلا لأنه اكتشف أن طبقة العلماء والأمراء متوافقين على الفساد في كل سلوكياتهم. عجز عمرو عن تنفيذ قراراته بحق بعض الأمراء. عاد مجددا للسلطان وطلب إقالته من منصب قاضي القضاة. لأنه عجز عن تنفيذ ما رآه حق. عزله السلطان وطلب عمرو من السلطان أن يعينه مدرسا في جامع الحسن الذي كان بناه محمد ابن السلطان الناصر، أصبح يدّرس في الجامع ويعيد إليه هيبته، بعدما حوله المماليك إلى مكانا لصراعاتهم وتناحرهم.

كان يصحب عمرو في تدريسه جنديا مملوكيا اسمه شيخ محمود طلب من السلطان صحبة عمرو، وأصبح مع الزمن تلميذا مخلصا له. كان شيخ محمد طموحا وكان قد اعتقل مع السلطان برقوق، وسجن مثل عمرو، وقد وطد نفسه أن يتعلم على يد عمرو وأن يجتهد ليكون سلطانا ويهدم السجن ويبني فوقه جامعا يذكر له في الدهر.

مضى على عمرو ما يزيد على عشرين عاما، كبر أولاده وتزوجوا وكذلك ابنته الوحيدة فاطمة من زوجته ضيفة وهي كذلك تزوجت وعاش مع ضيفة وفي كل يوم يقوى حبهما و يتجذر.

أما الجندي شيخ محمود فقد أصبح أميرا مملوكيا وظل وفيا لعمرو أستاذه، وعندما توفي السلطان برقوق واستلم ابنه السلطنة بعده، وكان فاسدا. قام الأمير شيخ محمود ومعه بعض الأمراء عليه وأسقطوا سلطنته وأصبح الأمير شيخ محمود هو السلطان. استدعى عمرو الذي أصبح شيخا مسنّا في الستين من عمره، ليعطيه منصب قاضي القضاة لكنه رفض، لقد أصبح يحتاج للراحة وللعيش مع زوجته وتلامذته ما تبقى من عمره، خارج أجواء تحقيق العدل على صعوبته.

هنا ينتهي الجزء الثاني… في تحليله نقول:

٠ الرواية عموما جاذبة، أخاذة، تعيش داخلها بكل كيانك، كما انها تجعلك تقرأ واقعك العربي، من خلال أحداث مرت عليها مئات السنين.

٠ الاستحضار الإنساني للمشاعر الذاتية، الحب الانتماء المصداقية الوفاء، العلاقة بين المرأة والرجل، الدخول بأعماق الشخصية الانسانية، والثنائي الرجل والمرأة وعلاقة الحب والخلود من خلال الحب.

٠ في الرواية انتصار للقيم، للدور الإنساني، ولما يتبقى من القيم والخير في هذه الحياة. الذكرى والدور والانجاز من مساجد أو أعمال أو مؤلفات تؤكد انتصار الجانب المنور والإيجابي من الإنسان.

هذا ما يمكث في الأرض.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.