رواية “الجانب الآخر من الحقيقة The Other Side Of Truth By: Beverly Naidoo” – تعليق د. سماح هدايا

عندما يملأ الخوف قلبك من الآخرين ماذا ستفعل؟ .كيف يستطيعون السيطرة عليك؟ كيف تمنعهم أن يدخلوا رأسك ويسيطروا عليك ويعتدوا؟
..قف في وجههم لا تتركهم يتنمرون عليك. ماهي الحقيقة؟.وماهو سر الكلمات الصادقة؟ وأي سلاح قوي مؤثر ذلك الذي تحمله؟. هل التعبير عن الحق والصدق يستحق التضحيات والخسائر الكبرى؟ وهل بالإمكان تحمّل الأخطار الكبيرة المرتبطة بقول الحقيقة؟. أين العدالة؟ وهل العدالة تأتي من الآخرين هبة؟ أم على الإنسان أن يصارع ويواجه المشقّة والصعوبات ويكافح من أحل نوال حقه في الحرية والأمن والعدل والحياة الكريمة؟
هذه اسئلة كبيرة، تعالجها رواية الجانب الآخر من الحقيقة “The Other Side Of TruthBy: Beverly Naidoo بعمق وعفوية ومن دون تصنع أو تصنيع أو تكلّف. تنطلق وتدور من خلال قصة واقعية لأسرة إفريقيّة تقع بين مخالب حرب وقمع وقتل.

الرواية بالإنجليزية للكاتبة الإنجليزية من جنوب إفريقيا (Beverly Naidoo). والرواية تستحق القراءة، لأنها تخوض بصدق وعمق غير مفتعل في تجربة إنسانية عبر منظور جيل صغير تلقى نكبة. بل لعل الرواية مهمة للقارىء العربي ، والسوري بالتحديد، لمافيها من مضمون ومعتى يتصلان بالوضع السوري السياسي والاجتماعي والإنساني والنفسي في إطار الحرب على الإنسان وقمع حريته، وما يندرج تحت ذلك من انتهاك حقوق الإنسان وأعمال القتل والاعتقال والتهجير ومن ثم مساعي النجاة والهرب بحثا عن الأمن والحرية والأمان وحماية البقاء. بقراءة الرواية يمكن فهم بعض الأسئلة والتساؤلات المرتبطة بعواقب الحرب على الإنسان الثوري الرافع صوته في وجه الظلم والقمع والقتل

تصوّر الرواية واقعا إنسانيا اجتماعيا حقيقيا من خلال مأساة تصيب عائلة نيجيريّة وتؤدي إلى تهجير طفلين من نيجيريا إلى بريطانيا.
الأم تتعرض للاغتيال السياسي نتيجة عمل زوجها في الصحافة وفضحه الحكومة بتغطية مظاهرة رافضة للحكومة، ومطالبته بمحاكمة عادلة للمتورطين في قتل الأبرياء من المعارضين؛ فتلاحقه أجهزة السلطة وتقوم بتهديده لإجباره على الانصياع لها، والانتقام منه بقتل زوجته… ومن ثم تتعرض العائلة لمأساة حقيقة تمتحن إرادتها وصبرها وإيمانها ومنظومة عواطفها وافكارها تحت مؤثرات الحدث المفجع وفي ضوء التغييرات التي تلته، خصوصا في ظروف المواجهة الجديدة مع المنفى.

ليس بالأمر السهل ان يشاهد طفل حادثة مقتل أهله وانهيار أسرته. وليس بالأمر السهل أن يتعايش مع هذا الواقع، حقيقة وخيالا؛ خصوصا عندما ينتقل الطفل إلى عالم جديد مختلف جذريا عن عالمه لكي يعيش بمأمن من القتل والحرب. لكنّ هذا حصل مع الطفلين النيجيريين الطفلة الصبيّة
(sade )عمرها 12 سنة, والطفل الصبي( Femi ) عمره 10 سنوات؛ فقد واجها في المجتمع البريطاني الجديدالذي دخلا إليه كلاجئين مهاجرين من نيجيريا صعوبات التمييز والعنصريّة، وعدم القبول بالإضافة إلى التخبط في حالة من القسوة الناجمة عن الرتابة في التعاطي مع المهاجرين الذين ينظر لهم كلصوص أحيانا وكمتسولين أحيانا أخرى.

المعنى الذي أسس الرواية تجذّر في الحبطة والرسالة عميقا وناضجا مرتبطا بحالة واضحة من رهافة المصداقية؛ لعل السبب لذلك هو التجارب التي خاضتها الكاتبة في إفريقيا بشكل مباشر؟ وقد لعب الأسلوب الأدبي دوره المهم في تقوية المعنى. فكان لصوت الطفولة البريء الذي نسج سرد الرواية، عن طريق الطفلة البطلة. بذاكرتها، وذكرياتها، وكوابيسها، واسترجاعها للأحداث؛ أثره الكبير في تعميق الإحساس بالتجربة والعاطفة، وجاء لصيقا باعماق البطلة الطفلة فقد حمل خوفها وألمها وأملها ونزاعخا الداخلي ، وياح بمتناقضات أحاسيسها التي كانت تدور، في محورها، حول الفقدان: فقدان الأم. الأسرة. الوطن. كما كان للرسائل المتبادلة دورها في السرد وفي تحريك الأفكار والرؤى بعفوية أدبيّة حافظت على السياق المعنوي للحكاية والرواية.

رواية الجانب الآخر من الحقيقة “The Other Side Of Truth” تبقى ، مع كل ما تكشفه عن ظلمة المعاتة وما تصوّره من آلام وانتهاكات واضهاد للواقفين في وجه الظلم والتزييف والبطش، رواية مؤمنة بروح الأمل والمقاومة، تدفع الفارىء لأسئلة اخلاقية متعلقة بالاضطهاد والتمييز وصون الكرامة وقول الحقيقة.. تمسك بقوة رسالتها القائلة: إن السكوت عن الظلم سيؤدي الى انتصارالظلم ..واجبنا ان نبقى جريئين لقول الحقيقة والدفاع عنها مهما كانت التحديات شديدة والإحباطات كثيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.