رهانات أردوغان السلطانية عشية مئوية الجمهورية

الأيام السورية؛ د. خطار أبو دياب

نجح الرئيس رجب طيب أردوغان في الرقص على الحبال المشدودة بين واشنطن وموسكو والأطراف الأوروبية، لكن مع الحكم الجديد في واشنطن والتناغم الأميركي – الأوروبي سيضيق هامش المناورة الأردوغانية. فهل ينجح في صدارة المشهد السياسي التركي في العام 2023؟
نقرأ معاً..

يندفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سباق مع الزمن قبل موعد مئوية تأسيس الجمهورية التركية في 2023 والذي يتزامن مع الانتخابات الرئاسية. يراهن أردوغان الموجود بشكل أو بآخر في صدارة المشهد السياسي التركي منذ 2002، على أن يكون استحقاق 2023 مصيريا لجهة تحقيق طموحاته في تحويل تركيا كي تحاكي طموحاته السلطانية. ولهذا يتنقل الرئيس التركي في نشاطاته وتدخلاته ومغامراته من المشرق المجاور إلى القوقاز ومن البحر الأبيض المتوسط إلى القرن الأفريقي، ويستمر في ممارسة القبضة الحديدية لإخضاع معارضيه مراهنا على تغيير وجه تركيا وضرب إرث أتاتورك.

لكن أردوغان اعترف أخيرا بأن أهداف المئوية التركية 2023 (التي كان قد حددها حزب العدالة والتنمية في 2011) لن تتحقق في هذا الموعد، لأنه في 2011 كان الاقتصاد التركي يشهد ازدهارا، واليوم انقلب الوضع تماما ويستحيل حصول قفزة نوعية في ظل أزمة اقتصادية ونقدية حادة. إنه كعب أخيل أردوغان في الداخل التركي المنقسم بعمق، ولذلك تخشى المعارضات التركية من حالة انقلاب دائم يقودها السلطان الجديد من دون الالتفات إلى الثمن.

حسب الأهداف الموضوعة كان يرتجى رفع الناتج الإجمالي المحلي إلى تريليوني دولار، ورفع متوسط دخل الفرد إلى 25 ألف دولار سنويا، علاوة على رفع حجم الصادرات بنحو 500 مليار دولار، وتقليص نسبة البطالة إلى حد 5 في المئة. لكن المؤشرات الحالية للاقتصاد التركي تبين أن المسافة شاسعة بين التصور والواقع إذ إنه في العام الأخير وصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 784 مليار دولار، وبقي متوسط الدخل الفردي أقل من 10 آلاف دولار. وتجاور البطالة حاليا معدل 30 في المئة. ومن هنا أتت محاولات متأخرة في تغيير النهج وطريقة إدارة النقد لكنها بقيت من دون نتائج ملموسة مع استمرار تدهور سعر صرف العملة الوطنية.

والغريب أن أردوغان يبدو مصرّا على طموحات يصفها البعض بالهوائية لكنها على الأقل حافلة بالمبالغة مثل تبشيره بأول تواصل مع الفضاء في 2023 وبإنزال رواد فضاء أتراك على سطح القمر في غضون عشر سنوات، مع العلم أن ميزانية وكالة الفضاء التركية تبلغ أقل من 800 ألف دولار سنويا. وهذا لا ينتقص من قدرات الأتراك وحيويتهم، لكن الترويج في هذا التوقيت هو مثار التساؤل إذ إن الإمكانات المحدودة تطرح بقوة مسألة التوقيت، ومن غير المستبعد ربط ذلك بحدث حصل قبل أيام قليلة وهو وصول المسبار الإماراتي إلى المريخ.

ومن هنا عندما يعلن أردوغان عن مشاريع كبرى (طابعها همايوني سلطاني) يسعى للعودة إلى الإرث الإمبراطوري ولكنه يودّ التأكيد على حضور تركيا السياسي والعلمي في سياق صراعات النفوذ بمنطقة الشرق الأوسط وشرقي المتوسط. والبديهي أيضا أن هكذا إعلانا كما غيره يهدف إلى عدم التركيز على المشاكل الاقتصادية وإثارة الحس القومي والوطني.

على أبواب مئوية الجمهورية، لا يكلّ أردوغان ولا يملّ في المناورة الدستورية من جهة أو الاستدراج وتقسيم المعسكر المعارض من جهة أخرى، خاصة أن الخصوم السياسيين له لا يجارونه في الدهاء والتصميم مثل كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، الذي يرفض صعود أكرم إمام أوغلو عمدة إسطنبول الأكثر أهلية لمقارعة أردوغان، وينطبق ذلك على الإخوة – الأعداء مثل الدكتور أحمد داوود أوغلو أو علي باباجان.

أما الطرف الكردي المعارض الأساسي العامل بتعليمات عبدالله أوجلان فيقدم لأردوغان هدية ثمينة بأسلوب عمله خاصة عدم ترك الحرية والهامش الواسع لشخصية مثل صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي ليلعب دورا في تجميع القوى المعارضة وطرح بديل مقبول في مواجهة النهج السلطاني.

وتبعا لذلك يناور رجب طيب أردوغان مثل طرح إعداد دستور جديد لكي يؤكد على الحكم الرئاسي ويكمل تدمير الحكم البرلماني في موازاة حملة قمع لا سابق لها منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016. وكل ذلك أتاح له الإمساك بكل مفاصل السلطة. وإضافة إلى ذلك يريد أردوغان استكمال الهيمنة الداخلية من خلال إطلاق مشاريع ضخمة مثل قناة إسطنبول ومطار إسطنبول الجديد والجسور المعلقة استعدادا لمعركة الرئاسة عام 2023. ويترافق ذلك مع إبراز النفوذ الإقليمي والعالمي عبر المغامرات والعمليات الخارجية وآخرها عمليّة جبال قارا في شمال العراق (عمليّة مخلب النسر 2 التي كان حصادها مؤلما للجانبين) بالإضافة إلى تدخلات عسكرية واسعة في ليبيا وسوريا وجنوب القوقاز.

ولفت أنظار المراقبين قيام قناة “تي.أر.تي1” الحكومية التركية في 12 فبراير الحالي بعرض خارطة لمناطق النفوذ التركي المتوقعة بحلول عام 2050، حسب أحد المحللين السياسيين الأميركيين. وتشمل الخارطة سوريا والعراق والأردن (من الملاحظ استبعاد إسرائيل) ومصر وليبيا وشبه الجزيرة العربية بأسرها واليونان، إضافة إلى منطقة ما وراء القوقاز وبعض الأقاليم في جنوب روسيا والقرم وشرق أوكرانيا وأجزاء من كازاخستان وتركمانستان تطلّ على بحر قزوين.

بالطبع، تبدو هذه الخارطة مجرّد سيناريو لأحد البحاثة، لكن من المستغرب ترويجها عبر الإعلام الرسمي التركي. ويذكرنا ذلك بمخطط “الوطن الأزرق” والذي كان الغطاء للأعمال العسكرية في بحر إيجه وشرق المتوسط وليبيا. هكذا تحت عنوان “العثمانية الجديدة” سيصعب الانسحاب من ليبيا بالرغم من القرارات الأخيرة، وسيكون هناك أكثر من محك لممارسات أردوغان خاصة مع تمركز إدارة جو بايدن وقد برز أول خلاف بين واشنطن وأنقرة خلال العمليات التركية الأخيرة في العراق.

نجح الرئيس رجب طيب أردوغان في الرقص على الحبال المشدودة بين واشنطن وموسكو والأطراف الأوروبية، لكن مع الحكم الجديد في واشنطن والتناغم الأميركي – الأوروبي سيضيق هامش المناورة الأردوغانية.

يحاول الرئيس التركي تضخيم الخطر الكردي ويكاد يجعله نوعا من العقدة الكأداء لكنه في الحقيقة ذريعة مثالية لشدّ العصب القومي، وممّا لا شك فيه أن الفشل الاقتصادي من جهة والمغامرات الخارجية المكلفة سيمثلان نقاط ضعف أردوغان في نجاح رهاناته كاملة من الآن إلى 2023، حيث سيتوقف الأمر كثيرا على مستقبل صراعات الإقليم وموقف واشنطن من رجب طيب أردوغان بالذات.


د. خطار أبودياب، أستاذ العلوم السياسية في المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

مصدر المادة منشورة في صحيفة العرب بتاريخ 22 شباط/ فبراير، 2021
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.