رمزية القبر الوحشيّة.. لماذا نخشى القبر مقارنة بالجحيم؟

البشر يدركون عدم الفعل في القبر، التوحش المفرد للذات المنتظرة النهاية. الألم المحيط بك في مكان صامت مؤقت غير معلوم، ولا تستطيع قول شيء أو تواصل حي مع الآخرين، هو عذاب مضاعف بمليارات المرات من فكرة احتراقك الجسدي داخل القبر.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إنّ مرحلة القبر في الديانة الإسلامية، هي البرزخ الذي يعيش فيه الإنسان نصف خلود بحسب أعماله، فإن كان جيداً أحس أنه يحيا في روضة من رياض الجنة، وإن كان سيئاً أحس بالاحتراق في مضجعه.

ورغم أن القرآن لم يقل بشكل صريح أو لفظ واضح عن القبر وعذابه، سوى ما جاء بشكل مرمّز وتأويلي للقرآن كالآيات “نوح 25، الحجر 74، غافر 46، البروج 10، التوبة 101، الأنفال 50، الأنعام 93، الخ” إلا أن دعاء الرسول بعد الصلاة كأخذ عن سنته “اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر” قد حددت للناس وجود هذا المعنى بعد الموت.

وتحدث الأئمة والفقهاء عن ذلك العذاب بمعناه الروحي والفيزيائي، بمعنى أن الإنسان يخضع لتجربة التعذيب الجسدي والنفسي، والجميع يؤكد على ذلك الهدف، لكن دون وقوفهم على طروحات فلسفية حول الأمر، أو مناقشة الأمثلة المجردة.

لو أتينا بشخص ميت وتركناه ممدداً على طاولة، إلى أن تقوم البكتيريا الداخلية في الأمعاء بتحليله وتلاشيه التدريجي ومن ثم وضعنا هيكله العظمي في صالة المنزل، فأين يكون المعنى بالعذاب الجسدي!.

قد يخرج بعض المتفقهين للقول بأن عذاب القبر هو حاصل حتى لو لم يُدفن الجسد، ويأتون بأمثلة من قبيل الموت غرقاً أو حرقاً أو أكلته السباع، فإن الله يخلق له قبراً ليُحاسب ويتعذب، وهو كلام منطقي قطعاً، هي إعادة إيجاد وترميم الشخص المفقود ووضعه في مكان يليق به حتى لو كان كافراً.

أما الجحيم بالنسبة للناس رغم قسوته لكنه يمثل حالة أكثر تواصلاً وإدراكاً بأنك لست وحيداً. ضجيج الأصوات حولك، وعيك بأن أمثالك يُعذّبون معك، واحتمالية رؤيتك للآخرين وهم يذوبون ويتألمون مثلك، يعطيك انطباعاً أكثر راحة في الجحيم.

لكننا نقول بأن هناك شخصاً نراقبه وهو يتحلل، إنه أمام أعيننا، فهل الله سيخلق له قبراً وينشئ له جسداً جديداً ليتعذب فيزيائياً!، باعتبار أن عذاب القبر حُدّد كمعنى نفسي وجسدي مادي في الدين؛ إن كان ذلك هو الهدف، فنستطيع الجزم بأن أحد الجسدين هو وهمي، إما أن الجسد المخلوق من الله ووضعه في القبر هو وهم، وإما الجسد الممدد على الطاولة هو وهم، أحدهما قطعاً نسخة مزيفة. لا يمكن أن يكونا جسدين في مكانين. إن قول “إكرام الميت دفنه” هو قطعاً كي لا يخرج أحد ليطرح تساؤلاً كالسابق.

ما نحاول قوله ليس إنكار، في البعد الميثولوجي، لعذاب القبر، بل التأكيد على رمزية القول وليس واقعيته. بمعنى إن مفهوم عذاب القبر من حرق كما أنشأها الفقهاء لاحقاً، وكما وردت في آيات القرآن المُصِّر على فعل الحرق المباشر بعد الموت، ليس معناه الفعل الموصوف واقعياً، بل هو الإدراك الذاتي بالحصار والشعور العميق بالوحدة؛ وهذا هو الشعور لدى جميع المؤمنين في الحياة، فمشكلتهم مع القبر تتجلى بشكل جوهري أكثر من مشكلتهم في الخلود الجحيمي.

إن البشر بطبائعهم ساعون للعلاقات الإنسانية وتواصلهم، فإذا ما جردنا كلا الحالتين “القبر والجحيم” ينتج لدينا شكلان مهمان، وهما أن القبر يمثل صراعاً ذاتياً نفسياً واعياً ومدركاً (ميثيولوجياً كخلود حي بعد الحياة) مع الفراغ واللاأحد، الشعور بالوحدة واللاتواصل الذي يُنتِج إحساساً بتدمير المعنى الإنساني المفقود. العذاب هنا هو شكل من أبدية الخواء إلى لحظة القيامة.

إن العذاب الجسدي يجعلك على تواصل مادي مع المؤثر الخارجي مما يعطيك قيمة ومعنى وإدراك للذات. لذا يشعر البشر بالخشية من القبر مقارنة بالجحيم، لأن الجحيم تقوم فكرته الأساسية على ذلك المؤثر التكراري والأبدي الذي يجعلك مدركاً بأنك لست الوحيد.

أما الجحيم بالنسبة للناس رغم قسوته لكنه يمثل حالة أكثر تواصلاً وإدراكاً بأنك لست وحيداً. ضجيج الأصوات حولك، وعيك بأن أمثالك يُعذّبون معك، واحتمالية رؤيتك للآخرين وهم يذوبون ويتألمون مثلك، يعطيك انطباعاً أكثر راحة في الجحيم.

إن الناس في الحياة تخشى فعلياً عذاب القبر أكثر من الجحيم، رغم أن الجحيم يمثل أبدية لا نهائية، والقبر يمثل مرحلة مؤقتة، لكن هذا المؤقت، الذي قد يستمر مليارات من السنين قبل القيامة، يشكّل بالنسبة للوعي الحي مشكلة انعزال قاتل وإحساس بالضيق واللافعل (إن كان فعلاً نحن نقوم به، أو فعلاً يُمارس علينا كما الجحيم).

البشر يدركون عدم الفعل في القبر، التوحش المفرد للذات المنتظرة النهاية. الألم المحيط بك في مكان صامت مؤقت غير معلوم، ولا تستطيع قول شيء أو تواصل حي مع الآخرين، هو عذاب مضاعف بمليارات المرات من فكرة احتراقك الجسدي داخل القبر، إنه احتراق روحي داخلي لفقدانك القيمة البشرية الوحيدة في جعلك إنساناً وهي إثبات ذاتك مع الآخرين؛ إن العذاب الجسدي يجعلك على تواصل مادي مع المؤثر الخارجي مما يعطيك قيمة ومعنى وإدراك للذات. لذا يشعر البشر بالخشية من القبر مقارنة بالجحيم، لأن الجحيم تقوم فكرته الأساسية على ذلك المؤثر التكراري والأبدي الذي يجعلك مدركاً بأنك لست الوحيد.

عذاب القبر تنبع مأساته من تلك الرمزية في خلق وحدة شبه مطلقة ومدركة للذات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.