رسالة إلى صديقي العلويّ

كتبها د. محمد عادل شوك ( برغبة من صاحبها قبل أربع سنوات )

في مرحلة من مراحل العمر في أثناء الدراسة الجامعية، جمعتني صداقة بشاب من الطائفة العلوية، و أستطيع القول: إنها كانت صداقة حميمية؛ لما كان فيه من خصال حميدة، و أخلاق دمثة، و جِدَّة و اجتهاد.

ثمَّ فرقت بيننا الأيام، و مضى كلٌّ منَّا إلى حال سبيله، فهو قد عاد إلى منطقته، و عدْتُ أنا بدوري إلى منطقتي، و في يوم من الأيام تشاء الأقدار أن نلتقي في مبنى جامعة حلب، حيث أصبح صاحبي ( أستاذًا ) فيها بعد عودته من رحلة الحصول على الشهادة العالمية في بلد اشتراكي، و تجاذبنا أطراف الحديث مطوَّلاً، و تذكرنا ما كان بيننا من صداقة في أيام طلب العلم الأولى، و سألني عن أحوالي، و سألته، و ما ينوي كلٌّ منا فعله بعد أن حطَّت به الرحال في سورية، و ألقى ( عصا السفر) عن عاتقه، فعلم مكان عملي في مدينة حلب، و أخذ يتواصل معي بين الحين و الآخر.

و لمَّا اشتداد زخم المظاهرات، و اتسعت رقعتها الجغرافية، و وصولت بشكل لافت للنظر إلى مدينة حلب، اتصلَ بي، و ألحَّ على مقابلتي بشدة، و لما كان اللقاء فوجئتُ بأنه وداعٌ، و فراقٌ؛ فسألته عن سبب هذا القرار المفاجئ في ترك مدينة (حلب: سكنًا، و وظيفةً )؛ فكان الجواب أنه لم يَعُدْ يأمن على نفسه، و عياله ممَّا يحصل، و ممَّا تخبئه الأيام، و أسرَّ لي بشيء ما كنت أتوقع أن يجول في نفسه: قال يا أخي لقد أزفت الآزفة، و اقتربت الأمور من نهايتها، و إن بيت ( الأسد ) قد جَنَوْا علينا ـ نحن العلويين ـ فأصبحنا نؤخذ بجريرتهم، و نحاسب على سوء فعالهم، و كأننا نحن من يتصرف في مقدرات البلد ( بطولها، و عرضها ).

و الله إن الأمور على خلاف ما يبدو للناس، إنَّ من يتحكَّم في مقدَّرات البلد هم ثُلَةٌ من العوائل العلوية، إلى جانب شراذم من المستفيدين من الطوائف الأخرى؛ فلماذا يُلقى على عاتقنا وزرُ ما يحصل من إساءات هؤلاء.

و أخذ يذكرني بما أعلمه من طيب معشره، و يعيد إلى الذاكرة شريط الزيارات التي كانت بيننا، و كنت أهزُّ رأسي موافقًا على كل ما يقوله.

و بعد طول مُكثٍ قلت له: أنت الآن ذاهبٌ إلى منفاك داخل سورية، و أنا بدوري سأذهب إلى منفاي الذي لا أعرفه بعد: هل هو في إحدى مخيمات النزوح على الشريط الحدودي مع إحدى دول الجوار، أو في الداخل مع جملة المهجَّرين قسرًا عن بيوتهم من أجل أن ينفذ آل الأسد حلمهم المزعوم في الدويلة، أو هل أكون مع جملة المعتقلين بسبب كلمة ( بدنا حرية )، أو مع من تُقرأ عليهم الفاتحة كلما مرَّ الناس بديار الحق.

و لكن شاءت الأقدار أن يقع لي الخيار الأول ( نازح في مخيم حدودي )، فتذكرت صاحبي العلوي، و رغبت في أن أكتب له هذه الرسالة؛ لأقول له: يا أخي إن سورية لنا جميعًا، و إن نظام الأسد زائل، و علينا أن نشبّك الأيدي لنعمّرها من جديد، و نصنع عالمنا الجديد الذي يعيد لنا المحبة و الأمان بعيدًا عن نظام الأسد، و من فسد معه.

تعال لنصنع المستقبل لأطفالنا بعيدًا عمَّا كان من جنايات هذا النظام علينا و عليهم، تعال نفكر ساعة بأن بيت الأسد في طريقهم إلى الزوال و ستبقى سورية: أرضًا، و شعبًا، جغرافية، و تاريخًا؛ فماذا نحن فاعلون لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.