رسائل حب

“هل قرأت كتاب الأشبر لعبد الحق حميد؟ أخبرني عمّا أعجبك فيه لأقرأه أنا.”
كان التلميذ الشاب يتخبّط ويناضل لأيام مقلّباً كتب الجغرافيا وكتب الأدب ليجمع لحبيبته المعلومات التي طلبتها، لكي لا يصغر في نظرها.

رشاد نوري غونتاكين

رشاد نوري غونتاكين
الترجمة عن التركية نور عبد الله

ذات مساء عاد راسم من المدرسة فوجد ظرفاً قد جاء باسمه، في داخله ورقةٌ مزهّرة كتب عليها بالتّركية الحديثة: “سيد راسم، أنا فتاة تحبك من بعيد لبعيد، أستطيع القول إني جميلة جدّاً دون أن أخاف، أملي الوحيد في هذه الحياة هو أن أتحبّني وأن أكون زوجتك، لكننا ولصغر عمرينا يجب أن ننتظر عدّة سنوات أخرى، لن أفصح عن هويتي في الوقت الحالي، أبعث رسائلك بالبريد على العنوان……..، لدي أب متعصّبٌ جدّاً، نادراً ما يسمح لي بالخروج من البيت، أتمنّى أن نلتقي يوماً ما وجهاً لوجه، لا أعتبر لقياك عيباً لأنني أعتبر نفسي من الآن خطيبتك وحبيبتك، أشعر بالملل والوحدة في البيت، ستكون رسائلك عزاءً لي في وحدتي”.

ككل تلميذ في المدرسةٍ بلغ السادسة عشر من عمره، كان راسم لا يجد أهم من أن يُحبَّ ويُحَبّ. اشتعلت النّار في قلب راسم بمجرّد أن قرأ الرسالة، بدأ يحب هذه الفتاة التي لا يعرفها بجنون، كان سيذهب إلى السينما تلك الليلة، فلم يذهب، انسحب إلى غرفته باكراً وكتب رسالة مطوّلة إلى هذه الفتاة التي تحبّه، وبمجرد أن رمى الرسالة في صندوق البريد أحسّ بفخر وكأنه نضج عشر سنوات.

الفتاة التي أخبرته بأن اسمها بديعة كانت ترد بانتظام على رسائل راسم، وتقيم القيامة إن تأخر يومين في الإجابة على رسائلها.

“هل من المعقول أن تترك عينا الفتاة التي تحبك والتي ليس لها عزاء في البيت الذي حُبست فيه سوى رسائلك، معلقة في الطريق تنتظر رسائلك؟! هذا وإنك تختصر رسائلك كثيراً، أًوَ تشعر بالضّجر من الحديث معي؟! لديَّ رجاء آخر، هلّا كتبت رسائلك بخطٍّ واضحٍ أكثر!!”.

كان التّلميذ الشاب ينسحب إلى غرفته باكراً يكتب رسائل طويلةً لساعاتٍ، لينال إعجاب حبيبته، مقلّباً صفحات الكتب، وممزّقاً المسوّدات.

كانت بديعة فضوليّةً أيضاً، وقد كانت تسأل في بعض الأحيان أسئلةً مثل:

“هل نقضي شهر العسل بعد أن نتزوج في إيطاليا أم في سويسرا؟ كيف هما يا ترى هذان البلدان، كيف يعيش أهله، ماذا يعملون؟ كيف يمكن الوصول إلى هناك يا ترى؟ ما هي البحار والبلدان التي سنجتازها؟”
أو أسئلةً مثل:

“هل قرأت كتاب الأشبر لعبد الحق حميد؟ أخبرني عمّا أعجبك فيه لأقرأه أنا”.

كان التلميذ الشاب يتخبّط ويناضل لأيام مقلّباً كتب الجغرافيا وكتب الأدب ليجمع لحبيبته المعلومات التي طلبتها، لكي لا يصغر في نظرها.

عبّرت بديعة في رسالة لها عن استيائها:

“كنت قد قررت مقابلتك أخيراً، انتظرت البارحة عودتك من مكتب البريد، لكنك، كنت ترتدي ملابس سيئة، ناسياً أنك حبيب فتاةٍ شابّة، كانت ملابسك وأحذيتك موحلةً، هل تعاركت مع أصدقاءك كالأطفال؟! عندما رأيتك هكذا لم أشأ أن أُحرجك، ولذلك لم أقترب منك”.

شعر راسم بالحزن والإحراج، ومن يومها وهو يظهر اهتماماً كبيراً بمظهره ولباسه.

اشتكت بديعة مرّةً من أنه لا يعود إلى البيت فور خروجه من المدرسة، وأنه يجوب الشوارع إلى أن يحلَّ الليل، هل يا ترى كان يلهث خلف فتيات أخرياتٍ بينما هي تذرف الدّموع في البيت لأجله؟

أقسم راسم على أنّه لن يحب فتاةً غير بديعة، ولم يعد يجرؤ على أن يجوب الشوارع أو أن ينظر بطرف عينه على الفتيات اللواتي يصادفهن.

ذات مساء، استقبلت نديمة أمُّ راسم زوجها أحمد بوجهٍ مكفهر، خاطبته وهي على وشك أن تيكي:

-آه.. هي مصيبة وقد حلّت علينا، هناك فتاةٌ اسمها بديعة، تسلّطت على ابننا راسم، اليوم وبينما كنت أوضّب غرفته، وجدرت رسائلها، ابننا يذهب من بين أيدينا، جد لنا حلّاً، لكن أتوسلك، لا تقلق، أعرف أنك رجلٌ عصبيّ.
لا يبدو على السيد أحمد أيُّ علامة قلق، على العكس كان يبتسم، قال بصوتٍ خفيض:

-لا تقلقي، الفتاة التي تكتب لابنك رسائل الحب هو أنا، ابنك كان قد بدأ يخرج عن السيطرة، لم يستطع أساتذته في المدرسة ولا حتى أنا تعليمه الكتابة بشكل جيّد، بعد تفكير طويل خلصتُ إلى هذا الحل، بفضل الرسائل التي يرسلها راسم إلى الفتاة أنا متأكد بأنه سوف يتعلّم الكتابة الجديدة، وينجح في صفه هذه السنة، لو أرَدْتِ الحقيقة أنا أيضاً كنت قد تعلّمت الكتابة القديمة وقتها، بفضل الرسائل التي كنت أكتبها إليكِ.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.