رحيل الباجي قايد السبسي أول رئيس منتخب في تاريخ الدولة التونسية

الأيام السورية؛ قسم الأخبار

محمد الباجي قايد السبسي، سياسي تونسي مخضرم، اشتغل بالسياسة منذ شبابه، من مراحل ما قبل الاستقلال، ليشغل بعد الاستقلال مناصب سياسية وتنفيذية مختلفة بعهديْ الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ثم تولى بعد الإطاحة بالأخير عام 2011 رئاسة الحكومة الانتقالية، وفاز بأول انتخابات رئاسية برئاسة الجمهورية نهاية عام 2014.

الولادة والنشأة

ولد السبسي في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1926. في سيدي بوسعيد إحدى ضواحي تونس العاصمة.

درس المحاماة، وتخرج في كلية باريس للحقوق عام 1950.

نشأ السبسي في كنف عائلة قريبة من البايات الحسينيين (“الباي” لقب كان يطلق على حكام تونس في العهد العثماني)، وانضم إلى الحزب الحر الدستوري الجديد منذ شبابه.

المهام والمناصب

كلّفه الرئيس الحبيب بورقيبة بمهام في ديوان الوزير الأول في أول حكومة تشكلت بعد الاستقلال سنة 1956.

عُين عام 1963 على رأس إدارة الأمن الوطني بعد إقالة إدريس قيقة على خلفية المحاولة الانقلابية التي كُشف عنها في ديسمبر/كانون الأول 1962، ثم أصبح عام 1965 وزيرا للداخلية بعد وفاة الطيب المهيري.

تدرّج في مسؤوليات عدة، وتولى 3 وزارات سيادية هي الداخلية (1965-1969) والدفاع (1969-1970) والخارجية (1981-1986).

السبسي في جولة أثناء توليه منصب وزير الدفاع التونسي (ويكيبيديا)

أدّى دورا مهما -في أثناء توليه حقيبة الخارجية- في صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يدين الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط بإحدى ضواحي تونس العاصمة.

السبسي ونظيره وزير الخارجية الفرنسي رونالد دوماس في عام 1985(ويكيبيديا)

انتخب عضوا في مجلس النواب عام 1989 بعد الإطاحة بالرئيس بورقيبة يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، وتولى رئاسة المجلس خلال 1990-1991. وكان عضواً في اللجنة المركزية للحزب الحاكم “التجمع الدستوري الديمقراطي” حتى عام 2003.

السبسي يلقي كلمة في مجلس الأمن عام 1985 أثناء توليه منصب وزير خارجية تونس(وكالة الأننباء التونسية)

اشتغل بمهنة المحاماة بعد انتهاء مأموريته في البرلمان عام 1994، وظل فيها إلى أن أصبح رئيسا للوزراء في الحكومة الانتقالية التي شـُكلت بعد سقوط نظام بن علي بثورة 14 يناير 2011.

الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في لقاء باراك أوباما(عربي21)

بعد 2011

بعد تعيينه رئيسا للحكومة خلفا لمحمد الغنوشي المستقيل. وبقي في هذا المنصب حتى نهاية ديسمبر 2011 تاريخ تسلم حركة “النهضة” الحكم إثر فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي أجريت يوم 23 أكتوبر 2011.

الخبرة السياسية الواسعة التي يمتلكها الباجي قائد السبسي مكنته في الفترة الحساسة التي كانت تمر بها البلاد بعد الثورة، وتمكّن من الوصول بها إلى انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي فازت بها “حركة النهضة” الإسلامية.

حزب “نداء تونس”

أسس الباجي حزب “نداء تونس” في 2012 ودخل به الانتخابات على قاعدة مناهضة الإسلاميين وتمكن من الفوز بغالبية مقاعد البرلمان آنذاك وبرئاسة الجمهورية معلنا وفي وقت لاحق دخوله في تحالف وتوافق سياسي مع النهضة على الحكم.

ويضم هذا الحزب يساريين ونقابيين وأيضا منتمين سابقين لحزب “التجمع” الحاكم في عهد الرئيس المخلوع بن علي، والذي تمّ حلّه بقرار قضائي بعد الثورة.

تصدّر حزبه “نداء تونس” نتائج أول انتخابات تشريعية تفضي إلى برلمان دائم بالبلاد بعد سقوط نظام بن علي، والتي جرت يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول 2014- بحصوله على 86 مقعدا من مقاعد البرلمان البالغ عددها 217 مقعدا، وتلاه حزب حركة النهضة بـ69 مقعدا، بينما لم يحصل حزب رئيس البلاد المؤقت منصف المرزوقي “المؤتمر من أجل الجمهورية” إلا على أربعة مقاعد.

منصف المرزوقي والباجي قايد السبسي(إذاعة الجوهرة)

الرئيس الخامس للبلاد

هو الرئيس الخامس الذي عرفته تونس منذ الاستقلال. سبقه في المنصب الرئيس الحبيب بورقيبة المُعين من قبل البرلمان في 25 يوليو/تموز 1957 حتى تمّ انتخابه كرئيس شرعي للبلاد. بعد سن الدستور في 1 يونيو من عام 1959؛ يتم الإطاحة به في انقلاب السابع من نوفمبر 1987 على يد رئيس وزرائه زين العابدين بن علي، الذي تولى الحكم بعده كثاني رئيس للدولة التونسية بعد الاستقلال. واستمر بالحكم حتى إسقاطه في 14 يناير 2011 وذلك من خلال الثورة التونسية، وكان الرئيس الثالث، هو الرئيس المؤقت فؤاد المبزع الذي عُيّن في البداية من قبل المجلس الدستوري في 15 كانون الثاني/يناير 2011. بموجب المادة 57 من الدستور التونسي فأصبح بذلك ثالث رئيس للجمهورية حتى انتخاب رئيس جديد.

السبسي مع الرئيس الحبيب بورقيبه (ويكيبيديا)

الرئيس  الرابع كان منصف المرزوقي الذي انتُخب للرئاسة التونسية من قِبل المجلس الوطني التأسيسي في 12 ديسمبر 2011، ثم عُين كرئيس للبلاد، وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 2014؛ استطاع محمد الباجي قايد السبسي الفوز بالانتخابات الرئاسية بحصوله على 55.68 بالمائة من الأصوات، مقابل 44.32 لمنافسه المنصف المرزوقي. ليصبح الرئيس الخامس للبلاد، كما يُعتبر أول رئيس منتخب عن طريق الاقتراع العام من الشعب في تاريخ الدولة التونسية بعد الاستقلال. تسلم مهامه كرئيس بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر 2014.

تعهد السبسي، في خطاب ألقاه بعد فوزه بأن يكون “رئيسا لكل التونسيين”، وأشاد بالناخبين والساسة الذين وضعوا ثقتهم فيه ليكون رئيسا لتونس، وأضاف: “أتوجه بالشكر إلى السيد الرئيس السابق منصف المرزوقي الذي هاتفني منذ حين وهنأني على ثقة الشعب. أشكره وأقول له: إن الشعب التونسي لا يزال في حاجة إليه، وأنا شخصيا بحاجة إلى نصائحه”.

وعد الرئيس بأن: “رئيس الحكومة المقبل لن يكون وزيرا من نظام حكم (الرئيس المخلوع) زين العابدين بن علي”، مؤكدا أنه “لا يتوق إلى تكوين حكومة حزبية خاصة، ونداء تونس لن يحكم البلاد بمفرده”.

الدفاع عن حقوق المرأة

ألغى الباجي الذي يرفع راية الدفاع عن حقوق المرأة، ويتبنى أفكار الحبيب بورقيبة في ذلك، مرسوما يمنع زواج التونسية المسلمة من غير المسلم.

كما أعلن في آب/أغسطس 2018 دعمه لمشروع قانون غير مسبوق في العالم العربي يضمن المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، الأمر الذي يثير جدلاً كبيراً في البلاد.

والقانون المطبّق حالياً المستمدّ من الشريعة الإسلامية، يقضي بأن يرث الرجل ضعف ميراث المرأة في حال كانا على المستوى نفسه من القرابة.

وقال الرئيس التونسي في خطاب متلفز ألقاه آنذاك بمناسبة يوم المرأة التونسية “أقترح أن تصبح المساواة في الإرث قانوناً” ولم يطرح مشروع القانون للمناقشة والمصادقة عليه منذ أن تم تقديمه للبرلمان في تشرين الأول/أكتوبر 2018.

صراعات حزبية

منذ 2015 دخل حزب الباجي في صراعات داخلية على القيادة، وبدأت مشاكل الحزب والاتهامات الموجهة لنجل الرئيس حافظ قائد السبسي في السيطرة على القيادة تؤثر على صورته، واستقال من كتلته البرلمانية العديد من النواب ليصل عددهم حاليا إلى 37 بعد أن كانت تضم 86 نائبا.

واصل الباجي العمل على قاعدة التوافق السياسي مع حزب النهضة إلى حدود خريف 2018 ليعلن وفي موقف هز المشهد السياسي “نهاية التوافق” بعد أن رفض الحزب الإسلامي تغيير رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، وتشبث في المحافظة عليه على عكس رغبة الباجي.

وجهت للرجل في السنوات الأخيرة من عهدته الانتخابية انتقادات حول محاولته “توريث” السلطة لنجله حافظ قايد السبسي، ولكنه كثيرا ما كان ينفي ذلك.

أعلن السبسي مؤخرا أنه لن يخوض الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر، قائلا: إنه سيترك الفرصة لشخص أصغر سنا لقيادة البلاد.

ولقايد السبسي كتاب يسرد من خلاله تجربته مع الحبيب بورقيبة، عنوانه: “الحبيب بورقيبة.. البذرة الصالحة والزؤام” نشر عام 2009.

يعتبر قايد السبسي (92 عاما) أكبر رئيس دولة يتولى مهامه بعد ملكة بريطانيا اليزابيت الثانية.

السبسي لدى خروجه من المستشفى بعد تعرضه لوعكة صحية في يونيو 2019(فيسبوك)
مصدر الجزيرة نت الحرة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.