رحالة بتنا في غوطتنا

محطات من التغريبة الشامية ١٦

أصبحنا بلا مأوى، لاجئين في بلدنا، لا نملك حتى حائطا نستند عليه، لا أريد تصديق ذلك، لقد كان مُرّاً عليَّ أن أتجاوز هدم منزل أهلي وحريقه سابقا، فكيف أتجاوز بيت أحلامي الذي لم تكتمل فرحتي به بعد.

الأيام السورية؛ نور الشامي

أرواحنا المعلقة بين السماء والأرض أضحت غير مبالية بأي شيء، نريد الخلاص فقط، فلا نحن براحة الأموات ولا نعيش بشكل طبيعي كبقية العالم، إنما محكومون بالموت، بانتظار التنفيذ، لا نعلم بأي طريقة ستكون النهاية.

نازحون على مفارق الطرقات

النازحون من (المليحة وزبدين) منتشرون على مفارق الطرقات والحارات على امتداد باقي الغوطة يثيرون من النفس البؤس والحزن، وكأن الموت لم يجد أشجع من شبابنا، ولا أكثر براءة من أطفالنا، ولا أقل حظاً من نسائنا، ليقطفهم في ريعان زهورهم، ليكونوا على لائحة الموت يوميا.

الدخان المتصاعد من الحي الذي أقطن فيه أراه من منزل أهلي، يناديني لأذهب واستكشف حجم الكارثة التي حدثت، إلا أن أمي تمنعني؛ فأصوات القصف لا تهدأ، ولا يهدأ معه ضجيج الأبواب والنوافذ مع كل قذيفة تسقط على حيّنا، فيما وضعي الصحي لا يسمح بالعودة سيراً مرة أخرى. انتظر… وتمضي الساعات كسنين أترقب قدوم زوجي أو والدي، الصمت والوجل يعتريني ووساوس الشيطان تملأ رأسي، سيحل المساء وتبدأ تهدأ بحلوله الأصوات والضجيج.

دمار البيت

طرقات على الباب.. أعرف جيداً صاحبها، فقد ألفت طريقته، إنه زوجي، أسرعت وفتحت الباب لأجده مكللاً بالغبار، لا يظهر عليه أي لون بتاتاً فقد غطا التراب والغبار شعره ورموشه وثيابه، لكنه لم يغطي نظرة الحزن والقهر في عينيه، حمدت الله على سلامته، كان سكوته ينذر لمصاب كبير وقع، سألته عن الوضع ومكان القصف في البلدة، فأجاب أنها مجزرة لا توصف، فقد حطت الطائرة الحربية أحمالها، ورمت خبثها وحقدها على الحي بغارتين متتاليتين بالتزامن مع وجود الناس والنازحين في الشارع، ليقع أعداداً كبيرةً جداً منهم بين شهيد ومصاب، لدرجة أن مشفى البلدة لم يعد يستوعب الأعداد بسبب كثرتها من جهة؛ ولقلة الكادر الطبي والدواء من جهة اخرى، مما اضطر لنقل المصابين إلى المشافي الأخرى.

استطرد قائلاً: “حارتنا راحت” لم أكتفِ بهذه الكلمة أريد شرحاً مفصلاً، سألته بفضول ليخبرني أن القصف طال بناءنا من الزاوية إلا أن وجود القنابل والأسلحة في الشقة التي سبب القصف الحربي بانفجارها أدت لزيادة حجم الدمار والضرر.

لاجئون في بلدنا

أصبحنا بلا مأوى، لاجئين في بلدنا، لا نملك حتى حائطا نستند عليه، لا أريد تصديق ذلك، لقد كان مُرّاً عليَّ أن أتجاوز هدم منزل أهلي وحريقه سابقا، فكيف أتجاوز بيت أحلامي الذي لم تكتمل فرحتي به بعد، طلبت منه الذهاب لعلي أجد شيئا استفيد منه في خيبتي وبؤسي ورحلة الترحال التي تنتظرني، فكلُّ ما أملكه رغم قلته يعني لي الكثير.

أجهش زوجي بالبكاء فجأة بعد أن كان يقاوم دموعه كي لا تنهمر امامنا، لا أستطيع زيادة الاسئلة عليه، رغم أن مصابنا لا يقارن بمن فقد أحداً من أهله، أو أحد أطرافه، إلا أنه بالنهاية طامة كبرى، حاولت مواساته قليلاً بأننا سالمين وكل ما دون ذلك يعوض، ليفجعني بخبر وفاة أحد أعز أصدقائه، حين كان في وقت الغارة الحربية واقفا على سطح المنزل يجري مكالمة هاتفية مع والدته المقيمة في العاصمة، وجدوا رأس الشاب منفصلاً عن جسده من شدة ضغط الصواريخ، يخبرني ويبكي بحرقة، يبكي شهيده الممزق وبيته المهدم وآلام بقية الجيران الآخرين.

لقد حملت ذاكراتنا ونفوسنا فوق طاقتها، خبأت في تلافيفها أسوء ذكريات ومناظر وصور ستسبب لنا عُقداً قد لانشفى منها.

المزيد للكاتبة

مشاعر متضاربة

يطرق الباب بسرعة مخيفة وضربات قوية، تفتح أمي لتجد أخي متجهم الوجه مجمر العينين يجمل في جعبته أيضا أخباراً سيئةً لا مجال لكتمانها، يتحدث دونما سؤال مختصرا حيرتنا بجملة “سقطت المليحة وزبدين بس قدرنا نطالع الشباب الباقيين”.

تضارب مشاعرنا لا يوصف، هل نفرح لسلامة الشباب المحاصرين؟! أم نرثي خسارتنا لتلك البلدات التي كانت أمل لنا في فك الحصار إذا فتحت الطرقات إلى العاصمة.

كان يوماً أسوداً ترى الوجوه فيه غاشية كالحة، فقد كان لهذه البلدات أيام عزٍ ونصرٍ حين تم تحرير كتيبة الدفاع الجوي الموجودة فيها، ويوم تفجير مبنى (تاميكو) الذي جمع عدداً كبيراً من قوات نظام أسد فيه ليقعوا بعدها بين قتيل ومصاب، فقدنا على تلك العتبات خيرة الثوار والمقاتلين الشباب في سبيل تحريرها ها نحن اليوم ندفع أضعافهم منعاً لسقوطها.

بيت الضيق يتسع

كل الغوطة متعبة، تطلب أمي منا الذهاب لغرفتي القديمة لأبقى فيها مع زوجي إلى حين إيجاد حل مناسب، وأختي تبقى معها في غرفتها، هكذا باتت البيوت تتسع لعدة عائلات، أخبرتني أمي أن الحارة المجاورة أربعة أخوة مع عوائلهم في بيت واحد صغير جاعلين قسم نوم للرجال والآخر للأطفال والنساء متعاونين على محاولة تأمين الطعام وبعض الفراش ليتسنى لتلك الاجساد المنهكة أن ترتاح قليلاً.

أصغيت لكلامها بألم شديد، وذهبنا للغرفة أجرُّ شجني وحزني على حال الغوطة وكلُّ ما أفكر فيه أنني أريد رؤية بيتي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.