رجل غريب في عبّارة أمينونو

“كنت أسأل نفسي دائماً، لسنوات: هل أنت قادر على أن تحب النّاس؟ أيّاً كانوا، من أيّ عرق، أو طبقة، أو جنس، أو ثقافة؟ اخرج إلى الشّارع وانظر حولك! ها هم النّاس. هل تستطيع أن تحبّهم؟”

بوكيت أوزونار

بوكيت أوزونار

الترجمة عن التركية: نور عبدالله

لسنوات، كنت أتخيّل حلماً قصيراً عندما أقترب من عبّارة قاضي كوي. عبّارة تلمع من النّظافة، صالة انتظار تفتح النفس مزيّنة بالأزهار الملوّنة. متجر كبير لبيع الكتب والجرائد، بجانبه “بوفيه” أنيق ونظيف. لا غبار ولا أتربة ولا أناس يتزاحمون. الجميع مصطفّ في طابور بانتظار العبّارة. البعض منهم يقرأ، والبعض يتجاذب أطراف الحديث مع من بجانبه.

في هذه الأثناء تصل العبّارة. يصعد الناس إليها متقدّمين رويداً رويداً. يحدث اصطدام بسيط فيستدير رجل ضخم أسمر ذو شارب، ويعتذر. لا أحد يحارب من أجل الفوز بمكان للجلوس. ربما بقي ستة أو سبعة أشخاص واقفين، هذا كل ما في الأمر. بعض المدخّنين، ممن يصطحبون غير المدخّنين، جلسوا في الصالة الأماميّة غير المخصّصة للتّدخين، وهم يتمازحون ويعاتبون من معهم. الكثير من صناديق القمامة موزّعة في جميع الأرجاء. المفروشات نظيفة.

عندما ذهبت إلى الحمّام، كان قد نظّف بعد آخر استخدام. أنظر إلى نفسي في مرآة الحمّام عديم الرّائحة، وأبتسم. أرى وأنا عائدةٌ إلى مكاني طفلة تشكي أختها لأمّها: “أمّي، انظري، لقد رمت سدف قشر البزر في البحر..” تغضب الأم، تدين سدف وتوبّخها. ينظر من حولها إلى سدف بقسوة.

أعود إلى مكاني، وأفتح كتابي. لم أتأخر عن العمل هذا الصّباح. عندما رفعت رأسي عن الكتاب، التقيت بنظرات رجل شاب يجلس قبالتي. أراني الكتاب الذي بيده. آآآ، كنّا نقرأ ذات الكتاب. كثر من يقرؤون في هذه الأيّام. ابتسمت بخفية. انحنى إلى الأمام وكأنّه سيقول سرّاً غايةً في الأهمّيّة. كرّرت حركته دون تفكير، تلاقى رأسانا في المنتصف. همس: “كنت أعتقد بأنّ على الكاتب أن يحبّ النّاس. وصدّقت هذا لسنوات” نظرت إلى وجهه. عندما نظرت إليه عن كثب، أدركت أنّه لم يكن شابّاً بالقدر الذي بدا عليه. تجاوز الثلاثين من العمر منذ سنين. عيناه صافيتان، ساكنتان، متلألئتان، مرتاحتان، وكأنهما رفعتا أطماعهما، وغيرتهما إلى السقيفة كالأشياء العتيقة.

هل تتلألأ العيون التي تخلّصت من أطماعها؟
“كنت أسأل نفسي دائماً، لسنوات: هل أنت قادر على أن تحب النّاس؟ أيّاً كانوا، من أيّ عرق، أو طبقة، أو جنس، أو ثقافة؟ اخرج إلى الشّارع وانظر حولك! ها هم النّاس. هل تستطيع أن تحبّهم؟” لماذا كان يحدّثني عن هذا؟ وأنا لا أعرفه. مع ذلك بدا ما تحدّث عنه مثيراً للاهتمام. يتساءل الإنسان عن أجوبة أسئلةٍ لم يسألها. نظرت إلى وجهه. كان جبينه عريضاً، وكانت شفتاه المتعبتان محاطتين بالخطوط. توحي إليّ تعابير وجهه بانطباع أنّه لا يضحك، ولا يغضب، وأنّه رجل بارد، وهادئ دائماً.

“النّاس ليسوا جيّدين وسيّئين بالولادة، وإلّا كان بإمكاننا أن نحبّ كل شخص. هكذا اعتقدت، أجبرت نفسي على ذلك. ضغطت على نفسي لكي أحبّ النّاس” سكت، وبدأ يحدّق في الأرض. قال: “لم أعد أفكر بذات الطريقة” وعندما أعاد النظر في وجهي، لم يكن حزيناً. عيناه بنفس الهدوء والصفاء…

لا أفهمه. بالإضافة إلى أن جلوسي منحنيةً، ومدّ رقبتي إلى الأمام هكذا، لم يكن مريحاً أبداً. سأل: “هل نخرج؟”. أخذت حقيبتي وكتابي، وخرجنا. كانت برودة الصّباح في تمّوز طازجة ومنعشةً أكثر. مدّ لي سيجارةً، لم آخذها. انزوينا، أشعل سيجارته، ورمى الكبريت في الحاوية.

قال وهو يسحب نفسه الأوّل من السيجارة: “لا أحب النّاس” لم يكن في صوته شيء من الغضب، أو الألم. وكأنّه يقول (أنا لا أحبّ الطعام الحار). “هناك بعض النّاس الذين أحبّهم، لكنّهم قليلون جدّاً… أحبّهم بسبب ال(tame). كما في ال(Little Prince)” هل قالها هكذا تحذلقاً يا ترى، ولم يقل (الأمير الصغير)؟ لا، حتى أنه لم يدرك ذلك. سألت باستحياء “ما هو ال (tame) فقد قرأت هذا الكتاب باللغة التركيّة.” لمع وميض غريب في عينيه، كما تلمع عينا شخص تذكّر حبيبته. “الأمير الصّغير أيضاً سأل الثّعلب مثلك: ما هو tame “؟

قال دون أن يرفع بصره عن البحر: “أنتِ بوضعك الحالي مجرّد امرأة شابّة بالنسبة إلي، وهناك ملايين النساء الشابّات مثلك في هذا العالم. في حالتك هذه لا أهتم لأمرك ـ أنزعج لقوله هذا ـ وأنتِ كذلك لا تهتمّين لأمري، أنا كذلك واحد من آلاف الرجال. في حين أنّه لو نشأ رابط بيننا، ربما عرفنا وأحببنا بعضنا. حينها سنهتمّ لأمر بعضنا البعض. ستصبحين شخصاً مميزاً بالنسبة إليّ، امرأة مختلفةً عن باقي النّساء الشابّات. وأنا سأصبح شخصاً مميزاً بالنّسبة لكِ. لا، هذا ليس عشقاً، إنّه الtame! “.

ابتسمت، وقلت: “نعم، لقد فهمت، إنّه لشيء جميل هذا الtame” في حين أنّه لم يكن يراني، صحيح، ألم أكن واحدةً من ملايين النّساء..

المزيد للمترجمة

“لكن لا يمكنك أن تطلبي مني أن أعمّم الأمر، وأحبّ كل البشر” لا، لا يمكنني. ابتسمت مجدّداً. هل كان ذلك tame؟
لم أكن قد طلبت منه شيئاً…
أخرج سيجارة أخرى، لم يضيّفني هذه المرّة.
“ليس بالضرورة أن أعرف النّاس الذين أحبّهم. المسألة برمّتها هي tame!” دهشت، “هل تعني أنّه يمكن أن ينشأ رابط بينك وبين شخص لا تعرفه؟”.

نظر إليّ باشمئزاز من ينظر إلى شخص أحمق، وقال: “بالطّبع، لم لا؟” ثم استدار باتجاه البحر ثانيةً. أكمل وكأنّه يحدّث نفسه: “أحب الأناس العاقلين، الذين يدركون حدودهم، يعرفون طعم الجمال، يملكون الإحساس به، ويحترمونه. ينشأ بيننا رابط، ويحدث تواصل، قد يكون عبر رسالةٍ أو عبر لحن”.

قلت: “تعني الtame” بصوت فخور بأنّني فهمت كل شيء.

بحث بعينيه عن شيء في وجهي. قال “انظري، أنا أحبّك”. ارتبكت، ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ احمرّت وجنتاي، وارتبكت، أضاف بسرعة: “لكن أكثر من أحب هو نفسي”.
نده بائع الشاي عندما مرّ وبيده “الصينيّة”، وأخذ منه كأسين من الشاي. كان الشاي رديئاً.
“الخير والشّر قوى داخليّة موجودة داخل كل إنسان. يتصرف الإنسان تصرفات جيّدة أو سيّئة بحسب تناقضاتها ونتائجها. هل توافقين هذا الرّأي؟” ولأنني لم أكن أعرف رأي من كان هذا قلت باستحياء: “لم يبدُ لي خاطئاً”. قال: “جيد” وتابع شرب الشّاي.

حدّقت فيه هذه المرّة بعيني مشترٍ، لا يمكن القول إنّه وسيم، رجل ذو عينين عسليّتين، بشعر قصير كستنائي. كان يلبس بنطالاً أبيض، وقميصاً مخطّطاً. شخص مرتّب. يعني؛ لم يكن يختلف عن ملايين الشّباب. حاولت إيجاد ميزةٍ تذكرني به لاحقاً، عينيه، يديه، نبرة صوته، جسده، شفتيه… لا، لم يكن لديه ما يميّزه. في الحقيقة انزعجت لهذا الأمر. مع هذا، كان رجلاً لطيفاً.

أم أنّ هذا هو tame… قال دون أن يدير رأسه: “أنا من التعساء المحظوظين الذين يعيشون مدركين للتناقضات، ماذا عنكِ؟” يا إلهي، من أين لي أن أعرف! أحمرّ وجهي مثل طالبٍ ضُبط دون استعداد. ابتسم ابتسامةً متعبة. “حسناً، فهمت”. ما الذي قد فهمه؟ لا أعرف. حديثه كان معقّداً جدّاً، كان عليّ أن أفكّر كي أجد إجابةً. أنا لا أجلس وأفكّر طوال اليوم مثله. لدي أشغال تشغلني. من يعتقد نفسه هذا الرّجل؟
كانت العبّارة قد اقتربت من أمينونو، أشار بيده إلى جموع البشر القريبة: “الإنسان، هو اجتماع التناقضات” أضفت: “وأنت لا تحبهم”. قال برقّة: “نعم”.

فجأةً، شعرت بحزن لأنني سأفارقه. كم هذا غريب، أم أنّ هذه هي التّناقضات… كان عليّ أن أقول شيئاً: “لا تكن متشائماً إلى هذا الحدّ” ما إن قلتها حتّى تردّد صوتي بالجملة التي قلتها على مسمعي جافّاً وبلا معنى.

“أنا؟” وضحك مندهشاً. على الأقل كان يضحك، وعندما يضحك يبدو لطيفاً. “أخطأتِ فهمي” أضاف: “لست شخصاً أرهقه التشاؤم، وانعدام الخيارات” سكت برهةً “تعرفين مسمّيات أولئك…”
العبّارة كانت تقترب من رصيف الميناء. قلت: “من؟”. “أنت تعرفين يا عزيزتي…”

وقف، نحن على وشك النّزول من العبّارة. مشينا جنباً إلى جنب إلى باب الخروج. “في داخلي عواصف، براكين، سيول. صحيح، أنا رجل قلق، غير منسجم، ومتعب. لو لم أكن أحب نفسي بهذا القدر، لكنت انتحرت من زمان.” جحظت عيناي من الخوف. أضاف مؤكّداً: “لو لم أكن أحب نفسي بشدّة” وابتسم كلانا.

مدّ لي يده في العبّارة، تصافحنا. “لا تجبري نفسك بعد الآن على محبّة رجل في الشارع” قالها واستدار ورحل بسرعة. بقيت أنظر بدهشة. سمعت صوتي فوراً أصرخ من خلفه: “هل أنت كاتب؟” كان في صوتي عدائيّة شديدة، كاد صوتي أن يخدش أذني.

استدار، رفع الكتاب الذي بيده، أراني إيّاه. واختفى مجدّداً في الزّحام. جمدت للحظات. كان النّاس يصطدمون بي يمنةً ويسرة.

أفرغت طفلة صغيرة حفنة من قشور البزر مرّة واحدة في البحر، أمسكت أمّها من يدها، وتابعتا المسير. هرعت كي لا أتأخر عن عملي واختفيت أنا أيضاً، بين الجموع…


نور عبدالله، صحفية سورية، ومترجمة عن التركية، تقيم في إسطنبول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.