ربّات بيوت يائسات.. كتاب متلفز في علم نفس الاضطهاد المجتمعي

المسألة أبعد بكثير من سلطة بطريركية، إنها عدم فهم للمعنى السياسي والمؤسساتي وتأثيره على المجتمع، وبطريقة أخرى هي ذهنية خاصة في فهم المرأة لنفسها وقمعها لذاتها؛ إنه مزيج بين الدراما والكوميديا بشكل متزن ومتقن ويحترم الطرح الإنساني في مفاهيم الحياة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

دائماً ما كان الفن العظيم هو ذلك النوع الذي يخاطب المتناقضات البشرية، فما تشعر بالكره اتجاهه في لحظة، يصبح مألوفاً لديك ومحبباً جداً في لحظة أخرى، إنها قيمة أي فن يخاطب جزءً من وعينا ومشاعرنا، إنها عملية تماوج العاطفة في الإنسان إزاء مواقف بشرية طبيعية؛ هنا بالطبع لا نتحدث عن الرأي والرأي الآخر، بل أن نكون جزءً من الحدث الإنساني الذي قد يكون في كثير من الأحيان خاطئاً لكنه تعليمي من وراء التجربة.

في عام 2004 بدأ عرض المسلسل الأمريكي ربّات بيوت يائسات Desperate Housewives، وهو يستعرض حكايات يومية لحي ريفي بسيط في أمريكا يُدعى “ويستريا لين” لنساء لديهم مشكلات طبيعية مثل أي نساء في أي مجتمع، لتبدأ تدريجياً أحداث درامية وتكشف عن تفاصيل ذاتية ومشاكل نفسية ومواضيع عاطفية مخفيّة في شخوص العمل ككل، وتبدأ تتكشف مراحل الخوف البشري وتوضح مبادئ التفسخ الاجتماعي، ليس في أمريكا فحسب، بل في العالم؛ إنه صورة مصغّرة عن حياة البشر في هذا العالم.

يتناول العمل الكثير من المواضيع والأحداث، النزعات الجرائمية حتى لو لم تكن جرائم بالمعنى المتعارف عليه بشكل مباشر، النزعات الدينية المتزمتة والبحث عن المثاليات، الضياع بين السعي لحرية الذات والقوانين الليبرالية التي يتوضح كيفية خضوعها الكلي لقانون الدولة، الفساد الأخلاقي وعلاقته بالفساد المؤسساتي، الوعي السياسي والثقافي الموجّه للبشر البسطاء من خلال الإعلام المركّز، العائلة والأبناء والخوف والأخطاء المتراكمة، وكيف أنّ مفهوم ديمقراطية الدولة وسيادة الدستور وقانون المساواة إزاء المرأة لا يحقق أي غاية فعلية.. الخ.

يتناول العمل الكثير من المواضيع والأحداث، النزعات الدينية المتزمتة والبحث عن المثاليات، الضياع بين السعي لحرية الذات والقوانين الليبرالية التي يتوضح كيفية خضوعها الكلي لقانون الدولة، الفساد الأخلاقي وعلاقته بالفساد المؤسساتي، الوعي السياسي والثقافي.

كل ذلك يشكل بنية العمل، لكن في الجزء السردي الأكثر وضوحاً هو استعراض النموذج النسائي، ويتكشّف تدريجياً أنّ موضوع الاضطهاد الاجتماعي بشكل عام واضطهاد المرأة بشكل خاص أكبر بكثير من سلطة بطريركية، إنها صورة لاضطهاد الذات لعدم فهم دقيق لمواضيع السلطة بالمفهوم السياسي والاقتصادي، وأذرعها في العمق، إنها مسألة تفسخ وعي اجتماعي حتى لو كان الدستور هو الفاصل في مواضيع المساواة. ربات بيوت بائسات هو تطبيق لمقولة “كل دساتير العالم لا يمكنها تحقق عدالة حقيقية بوجود وعي متفسّخ”.

كل ذلك يأتي ضمن قالب كوميدي خفيف يجعل من الأجزاء الثمانية للمسلسل نمط مسلّي في متابعته لكن في نفس الوقت نستطيع أن نشاهد نساء العالم في النماذج المصغّرة المعروضة فيه.

سردية المسلسل تعتمد على الرواي (ماري أليس يانغ)، وهي إحدى ساكنات “ويستريا لين” الذي يتم افتتاح المسلسل بانتحارها الغريب وهي بالنسبة للقاطنين تعيش حياة سعيدة وهانئة، ليكون انتحارها بداية لتشريح ذلك التفسخ الاجتماعي الذي يحاول الجميع إخفاءه؛ وتسرد بصوتها الحكايات التفصيلية لصديقاتها في الحي نفسه؛ إنها ميتة لكنها تخبرنا بالرعب المختزن في أسرار كل عائلة. النماذج الخمسة الأساسية للنساء في العمل، يمكن اعتبارها الشريحة الأوسع لنساء العالم.

من أجواء المسلسل (تويتر)

النموذج الأول بشخصية (سوزان ماير) هي المرأة اللطيفة (الكيوت جداً) والمحبوبة والمترددة بشكل دائم، والتي تحمل روح الطفلة التي لا تعرف بالضبط ماذا تريد، وتعتمد بشكل كلي على ابنتها المراهقة في كل شيء، وتبحث عن رجل يحتوي ضعفها وشعورها الدرامي دائماً.

النموذج الثاني بشخصية (بري فان دي كامب) وهي المرأة الملتزمة اجتماعياً وأخلاقياً ودينياً وجنسياً، المثالية في نظافة منزلها وتربية أولادها بطريقة سوية من وجهة نظرها والتي تُفجع تدريجياً بما أنشأته في تلك المثالية الزائفة، ولا يحق لأحد أن يتفوق عليها في مسألة الطبخ.

المرأة الثالثة بشحصية (لينيت سكافو) وهي الأكثر تحرراً في حياتها وأحلامها، لكنها تخلّت عن حلمها العملي ورضخت لمنطق الزوج الذي أراد أطفالاً فأصبحت أماً لخمسة أولاد، وتحوّرت الحياة لديها إلى درجة صراعات لا تنتهي وغرق مزداد في عالم صغير يسعى للنجاة.

أما الرابعة بشخصية (غابرييل سوليس) فهي عارضة أزياء من أصول مكسيكية، ما يشغلها الحفاظ على جمالها وثرائها. تبحث دائماً عن المال والتبضّع الاستهلاكي، الملابس، العطورات، السيارات الفارهة، وتعارض رغبة زوجها في الإنجاب كي لا تفقد جمالها. تنتقل خلال السردية من الثراء إلى مراحل الفقر التدريجي والتي تختلف بطريقة وعيها وفهمها للحياة.

شخصيات كثيرة ضمن العمل تمر وتختفي وتنتهي ولهم حكاياتهم مع حكايات الشخصيات الأساسية. الميزة الرئيسية لهذا العمل هو استعراض وتوضيح الأسباب الكامنة وراء تلك الشخوص المحطمة بشكل فعلي ولو أنها تحاول الظهور بشكل مختلف.

والخامسة بشخصية (ايديت بريت) وهي تلك المرأة التي تحاول دائما الظهور بمظهر القوة والاستقلالية، ومحاولة إغراء الرجال في البحث عن الحب، واصطيادهم أينما كانوا، لكنها دائماً لا تحظى سوى بما تبق من رجال منفصلين عن زوجاتهم أو عشيقاتهم. إنها النموذج الذي يحاول استغلال أي شيء لكن بطريقة ساذجة وطيبة قلب غير معقولة.

طبعاً بالإضافة لشخصيات ذكورية مرتبطين مع النساء ولهم عوالمهم وأسرارهم وأزماتهم النفسية وتخبطاتهم، يُضاف إلى ذلك شخصيات كثيرة ضمن العمل تمر وتختفي وتنتهي ولهم حكاياتهم مع حكايات الشخصيات الأساسية. الميزة الرئيسية لهذا العمل هو استعراض وتوضيح الأسباب الكامنة وراء تلك الشخوص المحطمة بشكل فعلي ولو أنها تحاول الظهور بشكل مختلف.

“ربات بيوت يائسات” مسلسل يجسّد الجريمة الروحية في الإنسان وأحلامه التي لن تتحقق، بل تغرق أكثر وأكثر في مشاريع لإثبات الوجود الذاتي بطريقة سلبية وانتقامية، وفي الجزء الأكبر منه، تجسيد حقيقي لمعضلة المرأة في العالم، أنّ المسألة أبعد بكثير من سلطة بطريركية، إنها عدم فهم للمعنى السياسي والمؤسساتي وتأثيره على المجتمع، وبطريقة أخرى هي ذهنية خاصة في فهم المرأة لنفسها وقمعها لذاتها؛ إنه مزيج بين الدراما والكوميديا بشكل متزن ومتقن ويحترم الطرح الإنساني في مفاهيم الحياة.

من المسلسل الأمريكي ربّات بيوت يائسات (هوليود بالعربي)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.