ربيعٌ آخرُ قاسٍ.. تأمّلات في الثّورة السّورية وأخواتها (1/5)

في الأسباب وعوامل الانتشار وسيادة مفهوم نظرية المؤامرة

كانت الثورات حراكا شعبيا صاخبا لإسقاط الدكتاتوريات التي تسلّمت زمام الأمور في البلاد بقوة السلاح، وتسلّط العسكر، وتحويل هذه البلاد إلى دول عميقة وأنظمة شمولية، ترى في رئيس البلاد حاكماً أبدياً، وفي بعض الأحيان حكماً وراثياً، كما حصل في سوريا.

17
الأيام السورية؛ إعداد: سلام محمد

شهد الوطن العربي انطلاق “الربيع العربي “من ثورة تونس في 17 ديسمبر/‏‏‏كانون الأول 2010، وانتهت بسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، وقادت ثورة 25 يناير/‏‏‏كانون الثاني المصرية إلى تنحي الرئيس محمد حسني مبارك، وفي ليبيا اندلعت الاحتجاجات في 17 فبراير/‏‏‏شباط، وبتدخل من حلف شمال الأطلسي، سقطت أركان الحكم، وقتل العقيد معمر القذافي بعد ثمانية شهور، واندلعت ثورة الشباب اليمنية في 11 فبراير، واستمرت سلمية إلى أن تنحى الرئيس السابق علي عبدالله صالح لنائبه، بموجب المبادرة الخليجية في 23 يناير 2012.

أما الثورة السورية التي اندلعت في 15 مارس/‏‏‏آذار فقد بدأت سلمية إلا أن القمع الوحشي الذي اتبعه النظام أدى إلى انشقاق في الجيش السوري، واتساع رقعة الحرب لتشمل كل الأراضي السورية.

تمهيد بنظرية المؤامرة

الحديث عن مؤامرة خارجية، أو كونّية، في بعض الأحيان، ومن ثم عن أيادٍ خفية، في إشعال الربيع العربي، يعني تجريد الشعوب من شرف تفجير الاحتجاجات أو الثورات ونسبته إلى جهات أخرى غير وطنية، أو من خارج المنطقة، ولكن ما صار بالفعل، أن دولا كثيرة ألقت بأثقالها في بلدانه إثر اشتعاله.

ويرى كثيرون أن دور دول عديدة في المنطقة مشارك في مخطط أكبر منها، وهي تنفذ فقط الدور المطلوب منها، وما شهده الوطن العربي بعد «الربيع العربي» من تنامي العنف، وتأجيج الصراعات الدموية، والحروب القائمة على أساس الطائفية والدين والمذهب والإثنيات، يؤكد، برأي الكثيرين، صحة ما كشف النقاب عنه من مخططات دبرت في الخفاء، لاستهداف العرب، وكانت «إسرائيل» تعول بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، ومؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو، على أن تكون جزءاً من المنطقة منزوعة الصفة العربية، مفضلة مصطلح الشرق الأوسط لتكون قوة اقتصادية وعسكرية في المنطقة.

بدايات الثورة التونسية (نون بوست)

وعقب فشل المشروع الذي طرحه رئيس الوزراء الأسبق حينها شيمون بيريز، تولت المشروع مراكز بحثية في جامعات أمريكية، أخرجته بصيغة جديدة ورعته اللوبيات «الإسرائيلية» النافذة في الولايات المتحدة، ويقوم على تقسيم الدول العربية بحدودها الحالية، بحيث تتفتت هذه الدول إلى دويلات صغيرة، تقوم على أسس طائفية دينية ومذهبية وإثنية، وهو الوضع الذي يسمح ل«إسرائيل» بأن تكون دولة في المنطقة شرعيّة الوجود والحضور، إلى جانب امتلاكها القوة والمال والنفوذ والديمقراطية المزعومة، لتقود المنطقة وتلحقها بعجلتها.

وقد كشف النقاب منذ مطلع الألفية الثالثة عن مخطط لإعادة ترتيب الشرق الأوسط الكبير، الممتد من أفغانستان إلى سواحل الأطلسي في شمال إفريقيا. وتحدث نائب الرئيس الأمريكي الأسبق ديك تشيني، عن إعادة خلق المنطقة العربية، وتحدثت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية، ومستشارة الأمن القومي السابقة في البيت الأبيض، على عهد الرئيس جورج دبليو بوش عن «الفوضى الخلاقة»، لإعادة رسم خرائط المنطقة وإعادة تشكيل الشعوب على الأسس الطائفية الدينية والمذهبية والإثنية، وعلى قواعد مدروسة ودقيقة تضمن بقاء «إسرائيل» وتفوقها النوعي اقتصادياً وعسكرياً.

بدء الثورة المصرية في ميدان التحرير (إضاءات)

وقد أقر الكونجرس الأمريكي في 1983 ما بات يعرف بـ «وثيقة برنار هنري لويس»، وقد نشرت الوثيقة أول مرة بمجلة وزارة الدفاع الأمريكية، مرفقة بمجموعة من الخرائط التي توضح تقسيم كل دولة عربية إلى 4 دويلات، وقُسمت دول أخرى إلى أكثر من 4 دويلات. والهدف النهائي هو تحويل المنطقة العربية إلى فتات مذهبي وطائفي وعرقي متنافر، واستبدال القيم والعقائد والأهداف الجمعية الراهنة، بما يقود إلى إخضاع المنطقة نهائياً لإسرائيل.

وأعادت صحف ومجلات أمريكية واسعة الانتشار مثل فاينانشال تايمز، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ومجلة تايم، نشر الخرائط في خطة برنار لويس، ويعتقد برنار لويس، أن الطبيعة والتركيبة القبلية والعشائرية للدول العربية على مر السنين، تجعل من المستحيل على العرب بزعمه تكوين دولة بالمعنى الحديث، وذلك لأنهم مؤسسون على مجتمع محكوم بالنظام الطائفي.

ويرى أن على أمريكا استثمار هذه التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية، لتصب في مصالحها الاستراتيجية بالمنطقة.

من مشاهد الثورة اليمنية (الوقت التحليلي)

في الأسباب وعوامل الانتشار

ملايين العرب في خمس دول خرجوا إلى الشوارع نهايات عام 2010 وبدايات عام 2011 بدءا من تونس مرورا بمصر ثم ليبيا واليمن وسوريا مطالبين بإسقاط الأنظمة “الاستبدادية” والدخول في مسار ديمقراطي لتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع في ما اعتُبر إيذانًا بنهاية النظام الشرق أوسطي ورسم معالم شرق أوسط جديد ترسمه هذه المرة الشعوب وليس الدول العظمى، ولم تأت “ثورات” الربيع العربي من العدم، إنما كانت نتاجا طبيعيا لتغيرات شهدها العالم في جوانب الركود الاقتصادي وتراجع المستوى المعيشي، و انعدام الحريات السياسية وإفراط آلة القمع للأنظمة الاستبدادية ضد شعوبها. كما بات الفضاء السياسي العربي عموما أشبه بحالة موحدة بعد الانفتاح المعرفي وسهولة التواصل عبر وسائط التواصل الاجتماعي وإمكانات الحشد الشعبي في دوائر واسعة بأوقات قياسية، سمحت بانتشار الحركات الاحتجاجية من تونس إلى مصر ودول أخرى.

كانت الثورات حراكا شعبيا صاخبا لإسقاط الدكتاتوريات التي تسلّمت زمام الأمور في البلاد بقوة السلاح، وتسلّط العسكر، وتحويل هذه البلاد إلى دول عميقة وأنظمة شمولية، ترى في رئيس البلاد حاكماً أبدياً، وفي بعض الأحيان حكماً وراثياً، كما حصل في سوريا، على الرغم من أن نظام الحكم ـ وبحسب الدستور ـ هو نظام جمهوري برلماني، يتمّ بموجبه انتخاب الرئيس، أو الاستفتاء على شخصه بالاقتراع المباشر؛ ما شجّع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك على تهيئة ابنه جمال كوريث للبلد، كما لم يخرج معمر القذافي عن السياق العام بتتويج ولده سيف الإسلام ولياً للعهد من بعده، في إشارة إلى تحول هذه البلدان إلى جمهوريات ملكية، بمباركة شعبية مزعومة، تفرض على الشعب بقوة الأجهزة الأمنية التي تعتقل كل من يحتجّ على رغيف الخبز، وقد يذوب في غياهب المعتقل إلى أن يموت، أو يقتل تحت التعذيب، أو يعدم بقرار محكمة صورية يقودها أحد أزلام النظام.

بدايات الثورة الليبية(البوابة)
مصدر المركز العربي للبحوث والدراسات اندبندنت، الجزيرة نت، تلفزيون سوريا موقع الجمهورية نت، القدس العربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.