ربيعٌ آخرُ قاسٍ.. تأمّلات في الثّورة السّورية وأخواتها (4/5)

مآلات ونتائج وبدايات الثورة المضادة

دول “الثورات الخمس” بشكل خاص، التي تعاني من أزمات عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الأمنية وغياب أو تغييب الآليات الديموقراطية الحقيقية في انتقال السلطات بفعل عامل التدخلات الخارجية أكثر منه بفعل العوامل الداخلية أو المحلية.

17
الأيام السورية؛ إعداد: سلام محمد

لم تسفر “الثورات” عن ديمقراطيات جديدة ناجحة وفقا للمعايير المتعارف عليها، إنما يمكن القول، نجحت في تونس إلى حد ما، بينما التف عليها “انقلاب” شبه عسكري في مصر، وانزلقت كل من ليبيا واليمن وسوريا إلى دائرة النزاع الداخلي المسلح الذي لا يخلو من حروب “الإنابة” عن أطراف إقليمية ودولية في الدول الثلاث…

إن حصيلة سنوات من “ثورات” الربيع العربي، أظهرت أن عموم منطقة الشرق الأوسط، تعاني من حالة تقترب في عدد من دوله بالدول “الفاشلة”، دول “الثورات الخمس” بشكل خاص، التي تعاني من أزمات عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الأمنية وغياب أو تغييب الآليات الديموقراطية الحقيقية في انتقال السلطات بفعل عامل التدخلات الخارجية أكثر منه بفعل العوامل الداخلية أو المحلية.

الثورة المضادة

كتب الدم فصولا مأساوية، ثأرا من الربيع العربي الذي انطلق عام 2011 من تحت ركام كثير من المظالم السياسية والاجتماعية والإحباطات التي تراكمت على الشباب العربي في أكثر بلدانه.

فأخذت الثورة المضادة الزمام وعادت الأنظمة المطاح بها من جديد إلى الواجهة، واستطاعت أنظمة أخرى تحصين ذاتها بأسوار أكثر عنفا وقساوة من الواقع الذي أنبت ربيع العرب.

استطاعت الثورات المضادة تدمير زهر الربيع العربي وتحويله إلى شقائق نعمان دامية في سوريا واليمن وليبيا ومصر، وتم القضاء عليه باكرا في بلدان أخرى، وبقيت سوريا تواجه الأمرين بين نيران متعددة المصادر متعارضة الاتجاهات.

ففي “سوريا الأسد” تجمعت ضباع الأزمات على جسد الأرض السورية، وسعت الثورة المضادة وظهيرها الإقليمي والدولي لتحويل سوريا إلى مقبرة لحُلم الحرية والتحرر، وحدثت أبرز التحولات في مسار الثورة بعد التدخل العسكري الروسي ميدانيا مطلع العام 2016، بالتزامن مع تراجع الدعم الإقليمي لقوى الثورة.

وفي اليمن مزقت نيران الثورة المضادة مهد العرب مرتين؛ حين انقلبت على نتائج الثورة على يد الحوثيين وبتشجيع ودعم من السعودية والإمارات كما أكدت ذلك مصادر إعلامية متعددة، ومرة أخرى حين حولت عاصفة الحزم وأخواتها اليمن السعيد إلى أكثر بلد مجاعة وشقاء في العالم، وفق بيانات الأمم المتحدة.

وفي مصر أكلت الثورة أبناءها أكثر من مرة، وتفكك الحلف الذي تجمع من أجل الإطاحة بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي، بل تحوّل بعض عناصره إلى سجناء ينتظرون عدالة السيسي.

وفي ليبيا أيضا وصل مشروع الثورة المضادة إلى أفق مظلم، ولم يستطع حفتر المدعوم مصريا وإماراتيا وسعوديا أن يحقق ما كان يصبو إليه، رغم الإمكانات السياسية الهائلة التي منحتها له أنظمة الثورة المضادة.

أما اليمن، فقد تعرض كشأن بقية دول الربيع العربي إلى ثورة مضادة كانت نتاج تحالف المخلوع علي صالح المدعوم إماراتيا وسعوديا ومليشيا الحوثي المدعومة إيرانيا في مفارقة عجيبة، وكما هو معروف فإن دول الثورات المضادة للربيع هي المتضررة من التغيير الشامل الذي بشر به الربيع واندلعت من أجله ثوراته.

الربيع العربي دخل مرحلة الغسَق

كل المحلِّلين، في الشرق والغرب، يجمعون الآن على أن الربيع العربي (ما عدا في تونس حتى الآن)، دخل مرحلة الغسَق أو حتى الشتاء، لكن هذه في الحقيقة تطوُّرات “طبيعية”، إذا ما وضعناها في سياقاتها التاريخية، إذ أن معظم (أو حتى كل) الثورات في التاريخ، شهدت ثورات مضادّة، سواء نجحت أو فشلت هذه الأخيرة في تصفية هذه الثورات. وثورات الربيع العربي لن تكون استثناء هنا.

كل ثورة يكون لها في الغالب ثورة مضادّة، وهذا من طبائع الأمور، لأن من البديهي أن تقوم أطراف الأمر الواقع في أي نظام بالدفاع عن سلطتها ومصالحها بكل الوسائل الممكنة.

أما احتمال نجاح أو فشل الثورات المضادّة، فيعتمد بالدرجة الأولى على عاملين إثنين: مدى قدرة أصحاب الثورة على الدفاع عن ثورتهم من خلال تحصينها بالدّعم الشعبي الكامل لها (وهذا ما فعلته الثورات الفرنسية والأمريكية والصينية والفيتنامية)، وتوافر أو لا الظروف الخارجية الملائمة لنجاح الثورة (كما حدث لثورات 1848 التي لم تحز على ظرف خارجي مُلائم، على عكس الثورتيْن، الأمريكية والفرنسية).

سِلسلة معارِك متّصلة

الطموح لنيْل الحرية والديمقراطية، ليست حرباً واحدة تُربَح أو تُخسَر مرة واحدة، بل هي سِلسلة معارِك متّصلة، يتراكم فيها الوعي المؤدّي إلى الديمقراطية بمشقّة وعبْر التجربة والخطأ.

بعد شهر واحد من ثورة يناير، حين رفضت الأحزاب الليبرالية المصرية مبدأ الانتخابات الديمقراطية، لأنها خشِيت انتصاراً كاسِحاً للإخوان المسلمين. آنذاك، دعا الليبراليون الجيش إلى أن يكون “حامِي الأمّة والشعب”.

ثم جاءت تجربة الإخوان المسلمين في السلطة، لتكشف النِّقاب هي الأخرى عن عجْزهم عن فهْم العلاقة العُضوية المكينة بين الليبرالية (التي تتلخّص في نهاية المطاف بفلسفة حريات التعبير والانتماء والعقيدة والصحافة والمساواة بين كل الأطياف) وبين الديمقراطية، وهذا ما أثار ليْس فزْع الليبراليين وحسب، فهُم كانوا “فزعين” أصلاً منذ 26 فبراير كما ألمحنا، بل أيضاً جُلّ الطبقة الوسطى الكبيرة وكل الأقليات والتيارات الإسلامية المعتدِلة.

الليبراليون العرب، وهُم النَّغمة السائدة في أنشُودة تلك الحِقبة، لم يهتمّوا كثيرا بالبحْث في الفلسفة الليبرالية أو بأصولها، بل فهموها كما يريدون أن يفهموها: نداء للحرية المُطلقة، كما كانت في أوروبا في القرن الثامن عشر، ولم يلتفِتوا الى ما طرأ عليها من تطوّرات لاحقا بفعل الثورة الفرنسية مع شعارها المشهور “لا حرية لأعداء الحرية”.

استثمار داعش لوأد الثورة السورية(الميادين)

غياب ثقافة الليبرالية

إذا ما كانت ثقافة الليبرالية غائبة إلى هذا الحدّ، فبماذا نفسِّر ظاهرة ثورات الربيع العربي، التي وصف فرانسيس فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ، إحداها (مصر) بأنها “انتفاضة شبّان يافِعين وغاضبين من الطّبقة الوسطى، استخدموا فايسبوك وتويتر لتنظيم احتجاجاتهم، ولكشْف فظائع النظام وحشْد الدّعم لمصر ديمقراطية”؟

في محاولة الإجابة على هذا السؤال، يكمُن التفاؤل الكبير في مستقبل الحركة الديمقراطية في المنطقة. فثورة الشّباب (الذين هُم الأغلبية في المجتمعات العربية)، كشفت عن نبْض جديد يعكِس التحوّلات الضمنية الكبرى التي جرت في المنطقة، قِوامه الرئيسي وِلادة ما أسماه عن حقّ بريجنسكي “ثورة الشارع السياسي” العربي.

صحيح أن شبّان الثورة افتقدوا إلى كلٍّ من التأطير النظري والتنظيم السياسي والقيادة التنظيمية، فبدوا كجِسم ضخْم بلا رأس، إلا أنهم مع ذلك كانوا تعبيراً مُباشراً عن تطوّر تاريخي، استعادت من خلاله الشعوب العربية المبادرة التي تمّ تسلميها للعسكر وقبلهم للحركات القومية والإسلامية الكِليانية، طيلة زهاء قرن كامل.

أن النكسات الرّاهنة التي تعيشها الحالة الديمقراطية والليبرالية في المنطقة (عدا تونس)، ليست خاتِمة المطاف أو نهاية الطريق.

القصة لم تصل إلى خواتيمها بعدُ

بَـيْد أن قصّة الثورات والثورات المضادّة في الربيع العربي، لم تصل إلى خواتيمها بعدُ. لماذا؟ بفعل عوامل عدّة، أهمّها أنه لا يزال يتعيّن على أنظمة الثورات المضادّة أن تُثبِت قدرتها، ليس فقط على البقاء، بل أولاً وأساساً أن في وُسعها تحقيق المطالِب الشعبية التي تسبَّبت أصلاً في اندلاع الثورات. هذا إضافة إلى أن الفسحة الزمنية المتوافِرة لهذه الأنظمة، ليست كبيرة لتحقيق هذه المطالب.

بكلمات أوضح: التاريخ لم ينته بعدُ بالنسبة إلى فصل الربيع العربي، كما يظُن الآن العديد من المحلِّلين في الشرق والغرب، الذين يتحدثون عن الانتقال إلى الشتاء.

مصدر المركز العربي للبحوث والدراسات اندبندنت، الجزيرة نت، تلفزيون سوريا موقع الجمهورية نت، القدس العربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.