ربيعٌ آخرُ قاسٍ.. تأمّلات في الثّورة السّورية وأخواتها (3/5)

عوامل التدخل الخارجي

في بلدان “ثورات” الربيع العربي الخمسة، كانت التدخلات الإقليمية والدولية عامل حسم إما في الانزلاق إلى حروب ونزاعات داخلية مسلحة، أو إزاحة “الثورات” بعيدا عن غاياتها التي قامت من أجلها.

16
الأيام السورية؛ إعداد: سلام محمد

عوامل محلية وخارجية حرفت مسار “ثورات” الربيع العربي إلى حروب داخلية، وحروب بالوكالة، نجت منها تونس ومصر بينما غرقت فيها كل من سوريا واليمن وليبيا، وهي دول لا تزال تعاني من نزاعات داخلية مسلحة لا يبدو أنها ستخرج منها في المدى المنظور.

عوامل التدخل الخارجي

لقد خلقت الدول الخليجية واقعا جديدا في المنطقة عبّر عنه الانقسام بينها بين مؤيد وداعم للثورات وقوى الإسلام السياسي التي تصدرت مشهدها العام، مثل قطر، ومتخوف منها، مثل السعودية، ومناهض لها وداعم للقوى المعروفة باسم “الثورات المضادة”، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة. وتلعب التدخلات الخارجية دورًا كبيرا في قيادة الدول إلى الفوضى والانقسامات والنزاعات الداخلية التي أدت إلى انزلاق، ليبيا على سبيل المثال، إلى حرب أهلية داخلية بعد فشل الفرقاء في بناء عملية سياسية متوازنة في أعقاب إسقاط نظام القذافي، وتعدد الأطراف المحلية الطامحة إلى الاستحواذ على السلطة مع دعم خارجي لهذا الطرف ضد ذاك الطرف.

في بلدان “ثورات” الربيع العربي الخمسة، كانت التدخلات الإقليمية والدولية عامل حسم إما في الانزلاق إلى حروب ونزاعات داخلية مسلحة، أو إزاحة “الثورات” بعيدا عن غاياتها التي قامت من أجلها.

في تونس

لعب العامل الخارجي دورا في ما يمكن توصيفه بـ “شبه انقلاب” قاده النظام القديم مدعوما من الإمارات بالمقام الأول على نظام الإسلام السياسي الذي تقوده حركة النهضة، الفرع التونسي لجماعة الإخوان المسلمين، والتي شاب فترة حكمها حالة من عدم الاستقرار تمثل في اغتيال قيادات “علمانية” عارضت نظام الحكم القائم (شكري بلعيد ومحمد إبراهيمي)، وتراجع في المستوى المعيشي والفشل في المصادقة على الدستور بانتهاء ولاية البرلمان الأولى بعد الثورة.

قطر لعبت دوراً كبيراً ومريباً في ثورات الربيع العربي، وسخّرت أموالها وإعلامها لدعم ومساندة الموالين لها في دول الربيع العربي، خاصة تونس ومصر وليبيا وسوريا. وكانت قناة الجزيرة الفضائية منصة للإسلاميين يطلون منها ويروّجون لأنفسهم ولأدوارهم، كما أن تغطية الجزيرة الإخبارية والمستمرة، كانت تعبر عن الانحياز القطري لتيارات دون أخرى، ولم تكن متوازنة في تقديم الفرص والتغطية.

وأكد حمد بن جاسم في لقاءات تلفزيونية وصحفية، وفي محاضرات قيامه بهذا الدور، وزعمه بأن الدوحة تدخلت في ثورات الربيع العربي دعماً للشعوب، ورفضاً للدكتاتورية والظلم!

في ليبيا

أدت “الثورة” الليبية بعد ثماني سنوات مرت عليها إلى تحويل الدولة الليبية إلى دولة “فاشلة” وفق المعايير الدولية، مع حالة من الانقسامات الاجتماعية في مجتمع مبني على أساس التماسك “القبلي”. ودعمت مصر والإمارات قوات الكرامة بقيادة اللواء خليفة حفتر ضد قوات مجالس الشورى التي تمثل حركات الإسلام السياسي المدعوم من تركيا وقطر.

ولم تظهر التداعيات “المدمرة” للعامل الخارجي إلا بعد مرور سنوات من الحرب الأهلية التي تقترب فيها ليبيا اليوم من توصيف “الدولة الفاشلة”.

في سوريا

أما في سوريا حاولت الأطراف العربية تكرار الحالة الليبية في التدخل إلى جانب القوى المناهضة للنظام السوري كفرصة متاحة لتخليص سوريا من الهيمنة الإيرانية وإعادة التوازن الإقليمي لصالح العرب بعد سنوات من رجحان كفته لصالح إيران.

إلا أن الأطراف العربية أدركت أن تكرار الحالة الليبية في سوريا ليس بتلك السهولة بعد الفشل في انتزاع قرار من مجلس الأمن الدولي بالتدخل العسكري لإسقاط النظام، ما دفع نحو دعم القوى المناهضة للنظام وتسليحها لقتال قوات النظام وإسقاطه.

وأدت التدخلات الخارجية في سوريا إلى حرب متنوعة أسفرت عن مقتل مئات الآلاف ودمار واسع في معظم المدن السورية، إضافة إلى تحويل البلد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب وتعزيز النفوذ.

في مصر

نجت مصر إلى حد ما من النزاع الداخلي المسلح، أطاح الدعم الخارجي، السعودي والإماراتي بالدرجة الأولى والإسناد من بعض الدول الأوروبية، بنظام الرئيس السابق محمد مرسي الممثل للإسلام السياسي المدعوم من قطر.

في اليمن

أدت “الثورة” اليمنية لأسوأ أزمة إنسانية متفاقمة في المنطقة والعالم منذ عقود تاركة ما لا يقل عن 8 ملايين شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة لإخراجهم من دائرة الموت جوعا، بخاصة بعد ما سمي ب” عملية عاصفة الحزم”.

وتبدو الحالة اليمنية لا تسمح بتغيرات جذرية في مجمل النظام السياسي إلى حد الإطاحة الكاملة بالنظام القديم نظرا لخصوصيتها المختلفة عن حالات أخرى، سوريا وليبيا، كبلدان شهدت صراعات مسلحة جراء موجة “الربيع العربي”.

الدولة العميقة

قد ينظر إلى حالتي تونس ومصر على أنهما ردود أفعال على حركات الإسلام السياسي من القوى العلمانية في تونس، وهي قوى غالبة في الشارع التونسي، وقوى “الدولة العميقة” في مصر التي تمثلها قيادات الجيش التي لاقت دعما من “العلمانيين” لحركتهم “الانقلابية” وتجييش الشارع المصري بين 30 حزيران/ يونيو و3 تموز/ يوليو 2013.

ولا تزال مصر تعاني من تداعيات “الحركة الانقلابية” في 30 حزيران/ يونيو 2013 بمزيد من قمع الحريات والفشل السياسي وتراجع المستوى المعيشي ونحو ذلك من الحالات والظواهر الباعثة للاستياء الشعبي العام، مع استمرار الحرب على التنظيمات المتطرفة في شبه جزيرة سيناء التي يسود اعتقاد على نطاق واسع باستغلالها من قبل السلطات لتصفية الحسابات مع الخصوم.

مصدر المركز العربي للبحوث والدراسات اندبندنت، الجزيرة نت، تلفزيون سوريا موقع الجمهورية نت، القدس العربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.