ربيعٌ آخرُ قاسٍ.. تأمّلات في الثّورة السّورية وأخواتها (2/5)

أدوار مختلفة للجيوش في بلدان الربيع العربي

عمل حزب البعث على الدمج بين الجيش ومؤسسة الحكم، وذلك من خلال أيدلوجيا تقوم على مبدأ الجيش العقائدي. وبعد وصول حافظ الأسد للسلطة تم الاعتماد على معايير الثقة والولاء بدلا من معايير الكفاءة لتولي المناصب الهامة وانتشار الفساد بشكل كبير في الجيش السوري.

16
الأيام السورية؛ إعداد: سلام محمد

تعاملت الجيوش في البلدان التي قامت فيها الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، بطرق مختلفة تراوحت بين مواقف الحياد وعدم التعرض للجماهير، وبين إعلان حرب بالأسلحة الفتاكة.

في تونس

بداية في تونس، حيث رفض الجيش إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين ما دفع بن علي لإعفاء قائد الجيش، رشيد بن عمار، قبل وقت قصير من هروبه وتشير معلومات غير رسمية إلى أن الجيش ساهم بشكل كبير في تنحية بن علي. ووقعَ حياد الجيش التونسي وقعَ المفاجأة على بعض المراقبين. فهذا الجيش سبق أن قمع قمعاً شديداً انتفاضات 1978 و1984، وهي عُرفت بـ “ثورة الخبز” إثر رفع أسعار المواد الغذائية الحيوية مثل الطحين والسكر والخبز. ولكن ثلاثة عقود مرّت بين هذا القمع وبين هذا الحياد المستجد.

الجيش التونسي اختار حماية الشعب (النواة)

في مصر

اختار جيشها الوقوف إلى جانب الشعب إبان ثورة يناير، ولم تحدث صدامات تذكر بين القوات المسلحة والمحتجين المطالبين بإسقاط نظام مبارك، فالجيش المصري لم يتدخل في المشهد السياسي سوى يوم الثامن والعشرين من يناير عندما اتجهت دبابات الجيش المصري في منظر هادئ وغير عصبي بهدف حماية منشاّت البلاد.

كما لم يتدخل الجيش لقمع التظاهرات، وعندما أدركت قيادة الجيش أن الوضع الأمني والسياسي والاجتماعي بدأ يخرج بالفعل عن نطاق السيطرة، اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة لأول مرة دون رئيسه، وأصدر البيان رقم واحد، وعليه فالجيش قام بتسهيل مهمة جماهير المتظاهرين في تنحية الرئيس مبارك، حيث مكنهم من الاستمرار في الضغط حتى سقط رأس النظام.

وسلّم الرئيس حسني مبارك السلطة للجيش ضاربا الحائط بالدستور والقوانين. كما أن القوات المسلحة قادت المرحلة الانتقالية في مصر بعد رحيل مبارك.

المصريون يحيون الجيش أثناء مظاهرات ميدان التحرير 2011 (اندنبندت)

في ليبيا

وقفت القوات المسلحة في ذلك البلد بداية الثورة إلى جانب نظام معمر القذافي لكن انقساما حدث بعدها، إثر انشقاق عدد من الضباط وتكوينهم مجموعات مسلحة ساهمت في إسقاط القذافي.

في اليمن

التزم الجيش في بداية الثورة بحماية حكم علي عبدالله صالح، لكن بعد تنحي صالح حدث انقسام في صفوف الجيش، إذ تبعه عدد من ألوية الحرس الجمهوري بعد تحالفه مع الحوثيين في حين بقي قسم آخر من القوات المسلحة تحت إمرة الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي.

الجيش السوري

أمّا في سوريا، فقد وقف الجيش السوري إلى جانب نظام بشار الأسد، وكان الضامن الرئيس لبقاء الأسد بالحكم بمساعدة إيران وروسيا والقوات الرديفة.

استخدم الجيش السوري وسائل عدة في التصدي للمحتجين في البداية ثم فصائل المعارضة المسلحة لاحقا، ومنها القصف الجوي والمدفعي ما خلف مئات آلاف القتلى بين مدنيين ومسلحين في الحرب السورية.

ففي سوريا بدا أن المنتفضين أغفلوا الفروق بين جيشهم ومجتمعهم من جهة وبين جيوش الأنظمة الأخرى في المنطقة، من جهة أخرى، وأغفلوا كذلك السياقات الإقليمية والدولية.

وكانت أولى التظاهرات السلمية في سوريا تحتفي بالجيش. فعلى سبيل المثل، قدّم غياث مطر الورود والمياه للجنود، في مشهد أعاد إلى أذهان اللبنانيين تقديم المتظاهرين في 2005 الورود للجيش وتراجعه وتشريعه الساحات أمامهم. ولكن غياث مطر عاد جثة إلى أهله.

عناصر من الجيش السوري يسرقون أثاث منازل النازحين (عنب بلدي)

سلوك الجيش تجاه المجتمع

وفيما يتعلق بسلوك الجيش تجاه المجتمع في السابق، في الحالة المصرية، نجد أن الجيش المصري، قبل ثورة 25 يناير، ليس له سجل واضح فيما يتعلق بانتهاكات حقوق إنسان أو أعمال قتل أو تعذيب، كما أن الثورة لم تكن موجهة ضده بل ضد تجاوزات جهاز الشرطة مع المواطنين. ولكن على النقيض في سورية اضطلع الجيش بعمليات قمع للمواطنين أبرزها أحداث حماة 1982.

ما سبب الفارق بين الجيشين السوري والمصري؟

في كل من مصر وسورية يستند الجيش إلى التجنيد الإلزامي، وفي بعض الحالات تكون طريقة تجنيد الجيوش ليست عامل حاسم في حسابات الجيوش، عند اتخاذ قراراتها إبان الثورات والانتفاضات الشعبية، خاصة مع وجود وحدات نخبوية موالية للنظام السياسي يغلب عليها طابع إثني / ديني معين، وكذلك في حالة وجود دعم عسكري خارجي يمكن الاستناد إليه عوضاً عن القوات المجندة تجنيد إلزامي، وقد توفر الاستثناءان في الحالة السورية.

وفيما يتعلق بدرجة مأسسة الجيش في كل من البلدين نجد أن الجيش المصري تمتع بدرجة جيدة من المأسسة من حيث المعايير المهنية لتجنيد أعضائه التي لا ترتبط بديانة أو طائفة أو طبقة بعينها، ورسوخ معايير الأقدمية والانضباط العسكري، وعقيدة الجيش العسكرية التي تتنافى مع ثقافة الانقلابات العسكرية، كما أنها دائما تتسق مع إرادة الجماهير وذلك حتى وقت اندلاع ثورة 25 يناير 2011، هذا بالإضافة إلى القوانين الحاكمة التي تمنع أعضاء الجيش من ممارسة أي نشاط سياسي.

الجيش السوري يعتقل المدنيين(الجزيرة)

في الحالة السورية.. الجيش عقائدي

بينما في الحالة السورية، فمنذ استقلال الدولة السورية عام 1946 أصبح الجيش ينطبق عليه مؤشرات الجيش العقائدي، فلم يكتف بمهمته وهي حماية البلاد، ولكن لعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية، ودائما ما كان يهدف للتدخل في السياسة بشكل أعاق تطور المؤسسات المدنية، كما حدث مع الانقلابات العسكرية المتتالية خلال الفترة (1949– 1970).

كما عمل حزب البعث على الدمج بين الجيش ومؤسسة الحكم، وذلك من خلال أيدلوجيا تقوم على مبدأ الجيش العقائدي. وبعد وصول الرئيس حافظ الأسد للسلطة سيطر الضباط العلويون على كافة المناصب الحساسة في الجيش السوري تقريباً، فضلاً عن الاعتماد على معايير الثقة والولاء بدلا من معايير الكفاءة لتولي المناصب الهامة وانتشار الفساد بشكل كبير في الجيش السوري.

وإمعانا في تنفيذ ذلك تم استحداث الوحدات العسكرية الخاصة لتصبح أداة في يد النظام السوري لتثبيت حكمه، وهو ما يعتبر استمراراً لنهج الانتداب الفرنسي، الأمر الذي جعل الجيش السوري بعيدا عن المجتمع السوري، وشديد الارتباط بالنظام الحاكم. ليقتصر تطبيق الاحترافية على عملية تحديث المعدات والتقنيات العسكرية دونما وجود أي معايير مهنية تتعلق بالمصلحة القومية للوطن ككل.

مصدر المركز العربي للبحوث والدراسات اندبندنت، الجزيرة، تلفزيون سوريا موقع الجمهورية نت، القدس العربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.