راهبات معلولا والمسيحية السمحاء -جميل عمّار(جواد أسود)

الاختطاف وحجز حرية الاشخاص جريمة….لكن هل الضرورات تبيح المحظورات ؟
قضية احتجاز راهبات معلولا فتحت الباب امام حوارات جعلت الرأي العام ينقسم على نفسه الى فريق مؤيد وفريق معارض طرف مخون وطرف محايد
ذكرتني قضية الراهبات بفيلم امريكي مشهور للممثل دنزل واشنطن أسمه John Q رجل زنجي يحتجز اطباء في مستشفى يعالج فيها ولده ويحتاج الى عملية زرع قلب ويقوم الاب وهو في حالة يأس باحتجاز الاطباء وطاقم المستشفى لإرغامهم على اجراء عملية نقل قلبه لولده تحت التهديد بالسلاح وإغلاق منافذ المستشفى وفي اللحظات الاخيرة يتوفر قلب لمتبرع وتنتهي عملية احتجاز طاقم المستشفى ويتم القبض على الاب ليسـاق الى المحكمة
خلال الفيلم تعاطف الاطباء وطاقم المستشفى مع الاب المنكوب بالرغم من أنه كان يشهر المسدس في وجههم مهددا ويرغمهم على القيام بعملية لا قانونيه وهي نقل قلبه لولده بعد أن ينتحر هو امامهم بمسدسه
الشرطة طوقت المستشفى ولكنها لم تطلق صواريخ على المستشفى او براميل وعندما خرج الاب ليسلم نفسه صفق له الجمهور الذي كان يتجمهر خارج المستشفى متابعا لعملية الاحتجاز
برر الجمهور للأب هذا العمل الاجرامي لأنه بدوافع انسانية لم يخونه أو يطالب بإعدامه صحيح أن القانون سيأخذ مجراه ولكن هنالك تبرير انساني فالقانون لابد أن يكون له روح ويأخذ بعين الاعتبار الدوافع والمبررات
لو وافق النظام على عملية التبادل بين اسرى الجبهة من ضباط النظام و المعتقلات في سجون النظام لما اضطرت الجبهة لاحتجاز الراهبات طيلة اربعة اشهر
زوجات وأطفال في سجون النظام ذنبهن أنهن اقارب عناصر الجبهة او ناشطات مسالمات خرجن متظاهرات ضد عملية القهر والاستبداد بينما الاسرى لدى الجبهة هم ضباط وجنود للنظام كانوا يقاتلون في صفوف الجيش وأيديهم جميعا ملطخة بدماء السوريين الابرياء ومع ذلك تجاهل النظام كل عروض وفرص التبادل
لم تنجح عمليات التبادل الا في بعض الحالات التي كان هنالك ضاغط اقليمي فيها على النظام وكان من اشهر تلك العمليات عملية التبادل مع الرهائن الايرانيين الاربعين في ريف دمشق والحجاج الشيعة اللبنانيين الذين ضلوا الطريق وعادوا عن طريق الحدود التركية السورية بالشمال وأكثر عمليات التبادل قهرا للنظام والتي تمت بسرية وتكتم عملية التبادل بين المختطف سليم دعبول وعدد كبير من المعتقلين السوريين
راهبات معلولا كانت ضربة موجعة للنظام فكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك تحظى برعاية الفاتيكان و الكاثوليك الروس ومعلولا كأقدم كنيسة تحافظ على لغة المسيح الارامية لها مكانة خاصة لدى مسيحي العالم فلقد حاول النظام التملص وتجاهل عمليه التبادل والتلاعب وكان ينوي الهجوم وتحرير الرهائن حتى ولو قتل ويتهم بعدها الجبهة بأنها هي من اجهزت على الراهبات ولكن تدخل بعض الاطراف المسيحية ومتابعتها لسير عمليه التفاوض حالت دون انجاز عملية المداهمة
استسلم النظام اخيرا للضغوط الدوليه وأنجز عملية التبادل كرها بواسطة قطريه ولبنانية وتم تسلم الراهبات من قبل الامن اللبناني والمعتقلات السوريات للوسيط القطري
وطبعا لم يرق للنظام أن تتكلم الراهبات عن حسن معاملة جبهة النصرة لهن والتي كانت واضحة من خلال مقاطع فيديو عديدة لعرضت لهن وهن بصحة جيدة ويتحدثن للاعلام
لم يجد الاعلام المغرض سوى وسيلة واحدة ليصوب بها الاتهام على جبهة النصرة وهي قضية الصلبان التي لم تظهر على صدور الراهبات ومع ذلك نفت الراهبات أنهن اجبرن على خلع الصلبان بل رفعن الصلبان بإرادتهن ولم يجبرن على ذلك بدعوى أن المكان والظرف لايسمحان بحمل الصلبان
الاخت بلاجيا سياف المتحدثة باسم الراهبات تظهر في احد المقاطع تشكر عناصر من الجبهة وتحملهم سلامها الى ابو مالك احد امراء الجبهة وزاد الطين بلة أنهن شكرن قطر ولبنان
الراهبات كن على مدى اربعة شهور مختطفات وجها لوجه امام خاطفيهم وشهدوا بأن المعاملة كانت جيدة ولنفرض أنهن سجينات مكرهات الا تنشأ مودة بين السجين والسجان على مدى اربعة اشهر ؟؟ كيف لا والمعاملة كانت جيدة
الراهبات عرفن بعد ايام أنهن طوق نجاة لإنقاذ وفك اسر عدد من المعتقلات سيدات سوريات في سجون النظام الاسدي لأشهر ومنهن لسنوات وبحكم ما عرف عن انسانية الراهبات وسماحتهن وفقا لتعاليم السيد المسيح فلقد استكانوا لخاطفيهم بعد أن انتفى الخطر على حياتهن ليكونوا فدية او سبيلا لإطلاق سراح المعتقلات
هذا التضامن الذي ظهر من النظام في الايام الاولى من خطفهن تحول الى ثورة غضب بعد الافراج عنهن وتحولت الراهبات الى عاهرات وارهبيات وذهب الاعلام الى اتهامهن بأنهن قدموا سطح الكنيسة ملجأ لجبهة النصرة اثناء المواجهة مع جيش النظام
موضوع الراهبات فتح المجال لخيال الاعلام السوري لنسج روايات عن مؤامرات تحاك ضد النظام فالراهبات كن على حد زعم اعلام النظام على تواصل مع سمير جعجع ومن جهة اخرى مع الكنيسة الروسية التي يتبعن لها ومع الفاتيكان وهؤلاء جميعا اضلاع في مثلت المؤامرة بطولات الجيش الاسدي هي السبب وراء الافراج
الافراج عن الراهبات ولد حالة غضب واستنكار لدى مؤيدي النظام وانقسموا بين ساخطين عليه لأنه افرج عن حليفات الارهاب وفريق اخرى ناقمين عليه لأنه اهتم بالراهبات وأهمل قضية اسرى الضباط العلويين لدى الجيش الحر والذي مضى على اسرهم شهور عديدة
حتى أن بعضهم تسأل عن مصير عوائل من ريف اللاذقية خطفتهم الجبهة من أشهر على حد زعمهم والنظام لا يكترث بهم واعتبروا أن النظام يكيل بمكيالين فلقد اهتم بالإيرانيين وشيعة حزب الله والراهبات وسليم دعبول وتجاهل ضباط جيشه والعوائل العلوية المختطفة ولكن غاب عن الجميع أن النظام لم ينفذ عملية التبادل برضى بل بضغط اقليمي لا يقوى على مواجهته وتجاهله حتى المسيحيين أنفسهم أختلفوا فيما بينهم فهنالك من رحب بإطلاق سراح الراهبات واخرون استنكروا اطلاق سراحهن ضمن تلك الصفقة المهينة
بعضهم اعتبر التبادل صفقة ناجحة للنظام لأنه اظهر للعالم حرصه على الاقليات وحامي حماها ، لكن دون ان يجيبوا عن سؤال واحد مهم وهو اذا كان النظام حريصا على حماية الاقليات فلماذا طالت فترة التبادل اربعة اشهر ؟؟؟
نجاح النظام لم يكن من خلال تنفيذ صفقة التبادل ,,, لا .. أنما نجح بدك اسفين من الانشقاق داخل المجتمع المسيحي فريق معا وفريق ضد وخلق نوع من العداء تجاه الطائفة المسيحية … هذا هو فقط ما نجح به النظام الاسدي

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.