راحلون عن الأعين وباقون في القلب على أمل العودة

فارغة هي الأماكن، تبكي مغادريها، حزينة استعمرها الأمل والألم ونخر تفاصيلها القهر، فيبكيهم أحبابهم  في كل وقت ويستصرخون الصمت، ويهمسون لهم  في كلّ لحظة” أن اشتقناكم بحجم الوطن”.

سلام زيدان - جريدة الأيام

كثر أولئك المغيّبون قسراً وأكثر منهم أحبابهم الذين لم يملوا من البحث عنهم يوماً.

أم أحمد واحدة من هؤلاء الباحثين عن أحبابهم المغيبين بسبب أو بدون سبب؛ الذين أخذتهم يد الغدر وهم في طريق  سفرهم لأجل البحث عن لقمة العيش في أغلب الأحيان.

اعتقل أبو أحمد على أحد حواجز مدينة حماة، بتاريخ 24أيار من عام 2013م وهو في طريق ذهابه إلى لبنان؛ بقصد العمل وكسب العيش في ظلّ ظروف صعبةٍ؛ آلت إليها قرى وبلدات ريف إدلب من ازدياد وتيرة القصف من قبل النظام السوري وعدم توافر فرص العمل آنذاك.

قسوة الحياة، وألم الفراق، والتخوف المستمر على مصير الزوج المعتقل والمعيل الوحيد لعائلته؛ جعل أم أحمد تعيش لحظات غاية في الصعوبة؛ مع العلم أّنّ زوجها لم  يكن على صلةٍ  بأيّ عملٍ ثوري أو أية  شخصيات ضد نظام السوري.

“بدأت رحلة البحث التي لم تنته بعد، تلي قرابة الخمسة أشهر من اعتقاله، في بداية الأمر كانت الرحلة غامضة جداً ولم يعترف

النظام به أبداً وبعد سنة من الانتظار المرّ وصلتني أخبار تفي أنّه على قيد الحياة، وأنّه موجود داخل سجون النظام وذلك عن طريق أحد المعتقلين المفرج عنهم وهو من قلعة المضيق”.

هذا ما قالته أم أحمد في لقائنا معها، وأعقبت أنّ الأمل بداخلها لن يموت وأنها ستستمر بالبحث عن زوجها ووالد أطفالها السبعة،

وبعد محاولاتٍ عدة باءت بالفشل، ودفع مبالغ مالية ليست بقليلة، وإجراء اتصالات كثيرة لمعرفة الحقيقة، قررت أم أحمد أن تتوجّه إلى مقرّ الشرطة العسكرية في العاصمة دمشق، وهناك أخبروها أنّ زوجها متورّط بتأمين الأسلحة للمعارضة، وهي تعلم أنها تهمة باطلة وأنّ زوجها لا همّ له سوى تأمين لقمة العيش ولو أنّ كلامهم صحيح ما كان ليعبّر بتلك الطرق التي تحوّلت لمواقع عسكرية مهمتها الغدر والقتل والنهب بدوافع الحقد والطائفية لا أكثر.

لاتزال أم أحمد إلى هذه اللحظة ضحية الذكريات، بكاؤها وقهرها الذي لم يتوقف منذ ثلاث سنوات حتى اليوم لايزال أبلغ من كل اللغات، ومثل أم أحمد كثيرات في سوريا ومثلها أكثر لا يزلن على قيد الأمل بعودة معتقليهم  من غياهب السجون.

وسط حالة من الشرود التي ارتسمت على وجه أم أحمد وقبل أن يجتاح سيل من الدموع عينيها تتابع حديثها لنا:  

“في ذلك اليوم المشؤوم 13/6/2016م علمت من أحد المعتقلين المفرج عنهم من سجن صيدنايا فاجعة وفاة زوجي وأنّه رآه عندما فارق الحياة بعد معاناةٍ قاسيةٍ مع المرض؛ بسبب انتشار  المرض في كامل جسده”.

والجديربالذكر إنّ: انتشار الأمراض والأوبئة هي أحد أهم أسباب الوفاة في المعتقلات السورية؛ نتيجة التزاحم داخل السجن الواحد وعدم وجود رعاية صحية تحافظ على الأقل على آدمية المسجون؛ الذي قد يكون متورطاً أو غير متورط بأعمال  ضد النظام، إضافة إلى السبب الرئيسي ألا وهو:  عمليات التعذيب المختلفة التي يتعرض لها المعتقلون داخل السجون .

والاختفاء القسري كما عرّفته الجمعية العامة للأمم المتحدة: هو الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية؛ يتمّ على أيدي موظفي الدولة أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو بدعم من الدولة أو بموافقتها ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده؛ مما يحرمه من حماية القانون.

“أبو خالد النابو” هو أحد الناجين من سجن صيدنايا اعتقل عام 2013م بتهمة محاولة انشقاقه عن الجيش النظامي، وبعد عامين من الاعتقال والتعذيب ودفع ملايين الليرات السورية من قبل عائلته؛ ليتمّ محاكمته على أقلّ تقديرٍ تمّت إعادته إلى مكان خدمته العسكريّة إلّا أنّه أصّر على الانشقاق وخاصة بعد الظلم والقهر الذي عاشه في سجون النظام .

لم يقتصر الاعتقال على الرجال فقط؛ وإنّما طال الكثير من النساء السوريات  اللواتي عانين ما عاناه الرجال وأكثر، فالشابة “أمل الصالح” 35عاما اعتقلت في بداية ال2012 م وآخر ما عرفه أهلها عنها أنّها أصيبت بشلل كامل في سجن صيدنايا إثر التعذيب المستمر بواسطة الكهرباء وغيرها من اتباع الأساليب الوحشية.

ويُذكر إنّ: سجن صيدنايا من أكبر السجون السوريّة، ويقع على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً شمال دمشق، وعُرف منذ تشييده عام 1987بأنّه: سجن عسكري يضمّ آلاف الجنود والضباط المتهمين بمخالفة القوانين العسكرية، وبعد الثورة تحوّل السجن لمقر لاحتجاز آلاف المدنيين المتهمين بدعم المعارضة أو “الإرهاب” بحسب ادعاءات النظام.

بحسب إحصاءات مركز توثيق الانتهاكات في  سوريا أنّه يقدر عدد المعتقلين في عموم سوريا منذ بدء الثورة بأكثر من مئتي ألف مواطن سوري، في حين تمكّن المركز ذاته من توثيق أكثر من 55950 معتقلا بالاسم الكامل، واستطاع المركز حصر أكثر من 6050 حالة وفاة للمعتقلين نتيجة المرض أو الجوع أو التعذيب في الأفرع الأمنية .

وتحظى قلة قليلة من ذوي المعتقلين بأخبار صحيحة عن حال معتقليهم، وتتوالى الأيام ويمضي عداد الزمن مسرعاً دونما توقف، وينقل المعتقلون بشكل شبه يومي إلى جهنم الأرض “صيدنايا” ضمن تعتيم شبه كامل على مصيرهم، كما يمنع الأهالي من زيارة أبنائهم في هذا السجن إلاّ في حالات نادرة.

ويبقى هؤلاء القابعون على تخوم الذكرى؛ والّلذين أبعدهم القدر، تصطفق ضلوع ذويهم حنيناً إليهم ويفتقدوهم في كل لحظة.

فهل يا ترى ستنتهي حالات الاعتقال التعسفي وبدون سبب في يوما ما؟؟

هل سيبقى الكثير منهم قيد الاختفاء القسري،

أم أن المنظمات الحقوقية ستتحرك يوما ما لتنقذ أولئك المنسّيون على الأرض وقابعون في عمق الذاكرة ؟؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.