رؤية لتجاوز الأزمة المعرفية في الثقافة العربية”الحلقة الثالثة: التاريخ” – د. سماح هدايا

سنحاول في هذه الورقة إبراز أهميّة التاريخ في تشكيل معرفة تدعم مشروع النّهضة والحرية، والإشارة من خلالها إلى ما يمكن أن نتخطّى به شيئا خطيرا من الأزمة، متعلقا بالهوية وقراءة الوجدان التاريخي.
إنّ اللجوء إلى الاستحضار العاطفيّ الفوضويّ السّاذج للتّاريخ، في كثير من وجهات التّربية والتّعليم والإعلام، يسهم في تشويش الوعي التّاريخيّ الحضاريّ؛ ما يؤثّر سلباً وعميقاً في المعرفة؛ فنحن، على الرّغم من ظاهرة انتشار مشاريع القراءة الجديدة للتّاريخ، مازلنا عالقين، في فهم تاريخنا الذي يكوّن جزءاً كبيراً من هويتنا الحضاريّة، داخل شرنقة الخواء المعرفيّ التّاريخيّ، التي أنتجتها عصور ظلمة جاهلة طويلة؛ الأمر الذي خلّف فراغات حضاريّة هائلة يسكنها الجهل والتّزوير والتّشويه والتّحريف والتّعصب.
إنّ معرفتنا التّاريخيّة تبدو أمام المراقب هشّة، بسبب إيماننا المسّبق بالأفكار الرّاسخة القادمة من بعض الموروث الثّقافيّ الخرافيّ الدّاخليّ، أو من الدّخيل الاستشراقيّ الاستعماريّ، الأمر الذي يجعلها عرضةً، لكي تملأها بين الحين والحين وجباتٌ جاهزة من أفكارٍ غريبة خطيرة على العقل، ومن ثقافاتٍ أخرى مغرِضة، تلغي الخصوبة في تجربة الذّات العربيّة، وتحتقر وعي الأمّة الجمعيّ التّاريخيّ.
ليس التّاريخ سرداً للأحداث وأزمانها وأشخاصها. هو سجلّ لنشاط الإنسان المادّيّ والرّوحيّ، وهو العلم الموسوعيّ الشّموليّ الذي يتناول الإنسان، سيرورة وصيرورة، فعلاً وانفعالا، في الزّمان والمكان.(أحمد داوود، تاريخ سوريا الحضاريّ القديم، ص10.). وإن تجديد المعرفة في مشروع النّهضة العربيّة، يفرض علينا تجاوز الجمود والتّقليد في قراءة التّاريخ، ومن ثمّ نقد المرجعيّة التّاريخيّة بعين معاصرة وإعادة بنائها وكبح الاختراق الثّقافي الناتج من الدّخيل السّلبيّ، الذي يعوّق نموّ روح الأمّة؛ فالمشروع الحضاري النّهضويّ، يفرض إعادة استكشاف التّاريخ بعين أصيلة موضوعيّة، بعيدة عن التّبعيّة والتّزوير والتّعصّب، ورصد العناصر الفاعلة في تاريخ الأمّة، لكي ينمو من تراكم الماضي في ظلّ الظّروف والتّطوّرات الحاضرة للواقع.
إنّ أيّ إنجازٍ ثقافيّ هو محصّلة علاقة الإنسان بالواقع والتّاريخ. وأجيالنا، هذه، لا يقتصر جهلها بالتّاريخ على التّاريخ القديم لأمتها، بل يمتدّ إلى جهلها بتاريخها القريب والحديث، العام والقطريّ. ولأنّ معرفةَ التّاريخ عمليّةٌ مهمّة جدّاً في التّغلّب على كثيرٍ من إخفاقاتنا الحاضرة وخلافاتنا، يجب أن نفعّل عمليّة الوعي التّاريخيّ؛ فنعيد قراءة التّجربة التّاريخيّة، ونفهمها عميقاً، ونفهم أسباها ونستشف آثارها ونتائجها، ونعيد إليها ذكاء الفهم والتّحليل والحكم، معتمدين على المنهج العلميّ وقوّة الموضوعيّة؛ فنتجاوز التّعصب المذهبيّ والإقليميّ، ونخرج على الجهل والتّحيّز والتّفاخر الواهي، رافضين الاستسلام إلى حالة الهزيمة المهيمنة على روح الحاضر؛ فواقعنا الحاليّ” ليس إلا محصّلة لعمليّة من التّواصل التّاريخيّ الطّويل. وإن أي حدث تاريخيّ الآن لابدّ أن يؤّسّس على هذا الواقع، وينطلق منه ليمتدّ على المستقبل فعلاً وتأثيراً”.”(أحمد داوود، م.ن، ص13) .
إنّ انتفاض هويّة المعرفة العربيّة على القصور الذي أصاب بعض مقولاتها في مشروع نهضتها الحضاريّّ، يجب أن يتوجّه، في بعض مواقعه، إلى أسلوب تعليم التّاريخ وتقديمه؛ لأنّ التّاريخ شريان الأمّة، وذلك من خلال:
1- صياغة قراءةٍ جديدة عميقة للتّاريخ. واستحضاره استحضاراً نقديّاً.
2- إعادة تأسيس ذاكرة الأمّة التّاريخيّة الحضاريّة تأسيساً موضوعيّاً؛ لكي تكون البنية التّحتيّة للمعرفة والثّقافة، بعيداً عن استهلاك الدّخيل والغريب والمسموم والسّاذج؛ إذ يستطيع واقعنا إنتاج والابتكار والتّجديد ومقاومة حالة الاستهلاك الرّتيب للتاريخ، بإعادة قراءة التّاريخ وتقليب صفحاته بالبصيرة والمنطق والبحث العلميّ التّاريخيّ، وبفهم الجينات الثّقافيّة المتوارثة، وتمييز الصّالح عن غير الصّالح، وفحصها تحت مجهر المنطق، بكل جوانبه العلميّة والاجتماعيّة واللغويّة والنفسيّة…، بعيداً عن قراءات سلبيّة مسّبقة، تشوّهه، وعن قراءات متصفحة تعبث بها لأهواء.
3- إعادة مراجعة التّاريخ، بعيداً عن القراءة الغيبيّة، التي تحنّطه في أصنام؛ فيكفينا الاستمرار بقبول المهازل، التي تستخف بعقولنا بسبب نقص الأسلحة المعرفيّة الفعالة الناجحة، وتستغلّ فراغنا المتآكل.
4- الانتباه إلى أنّ الهدف من تأكيد أهميّة التّاريخ في تجديد المعرفة، ليس عبادة الماضي وتقديسه والتّسليم المطلق بالمعجزات والخرافات، وليس إثارة الحقد على الآخرين من الشّعوب الأخرى. الهدف هو تعليم أبنائنا البحث والاستنتاج والتّفكير التّحليليّ والمقارنة والاستقصاء؛ لكي يكونوا أغنياء بالأدوات العلميّة الجادّة في عمليّة البحث عن الحقيقة التّاريخيّة وتفسيرها، ولكي لا يستخفّوا بإنجازاتنا، وينجحوا في ربط الحاضر الذي يحمل خلاصة تجربة الأمّة التّاريخيّة بحبل الماضي الحاضن طاقات إبداعها الحضاريّ، ويعيدوا بناء الواقع وبلورة معرفته من أجل تشكيل هويّة الأمّة التّاريخيّة.
ونرى أنّه من الضّروريّ، ختم موضوعة التّاريخ، هنا، بإثارة مجموعة أسئلة تدعو إلى شيءٍ من التّفكّر في إشكاليتنا المتعلّقة بقراءة التّاريخ : أما آن الأوان لنكفّ عن تصديق المقولات الكثيرة الشّائعة في التّاريخ المنقول كتابة وسماعاً، بأنّ العرب سقطوا سهواً وخطأً في متاهة التّاريخ؟ متى نثور على الثّوابت الراسخة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.