رؤية في السلم الأهلي – عن تجمع نساء الثورة السورية (د. سماح هدايا)

وهل بعد الظلام إلا الفجر، وبعد الثورة إلا الحرية…؟ إنها ثورة على الهزيمة والعبودية. ثورة الحرية والكرامة السورية ضد نظام مستبد عنصري إرهابي فاسد.
ثورة بدأت سلمية أهليّة ثم تحولّت تدريجيا إلى عسكرة وسلاح للدفاع عن نفسها في مواجهة إرهاب عصاباتي فظيع مارسته قوى النظام الإجراميّة. ثورة شاء ظرفها أن يوازيها مؤامرة دولية كبرى تواطأت على دماء الشعب السوري، وعلى مستقبل دولته الحرة الديمقراطيّة ذات السيادة الوطنيّة، وقامت بتحريك القتتنة لتنفيذ تفتيتٍ ممنهج للمجتمع السوري. وقد رافق ذلك ردة فعل قويّة رافضىة في أوساط الشعب السوري المقهورة تمثّلت في صعود ديني متشدّد ، بدا للكثيرين أنه سيتناقض بشدّة مع أهداف الثورة ومبادئها في الحرية والعدالة والكرامة في حال تحوّلّه إلى حالة قدسيّة سياسيّة شرعية متسلّطة. وفي ظل هذا يصبح من اللازم، مراجعة أدبيات الثورة وممارساتها بشكل مستمر؛ لكي يظل منطلق السلوك والفعل والكلام هو من معين الثورة كقضية حرية.. وكرامة… وعدالة… قضيّة واحدة لا تجزيء لها. وإسقاط النظام الاستبدادي القمعي هو أساسها ومنطلقها. والهدف إقامة دولة الحرية والكرامة والعدالة. دولة مدنية تعدّديّة ديمقراطيّة، لا تمييز بين أفرادها وجماعاتها. رسالتها احترام حرية الفرد المسؤول وتطبيق مفهوم المواطنة الواحدة المتساوية في حقوق السوريين كلّهم.
قطبان اثنان: النّظام في داخل سوريا من خلال القتل الممنهج. والنظام العالمي السياسي بالعجز والتقصير والتجاهل أو بالتواطؤ، أسهما ويستمران في ممارسة القمع والإرهاب واستهداف السلم الأهلي والوطني، على أمل إضعاف قدرات الشعب السوري وعزيمته، وإحباط مشروعه الثوري. لكنّ الشعب السورّي سار في الطريق، ولامجال أمامه للتراجع والتقاعس مهما كان الانسداد مثيرا للقلق والخوف. وبتضحيات.
تجمّع نساء الثورة السورية،يرى أنه حتى تنتصر الثورة السورية بمبادئها لابد أن يكون مسعى السلم الأهلي هدفا يواكب مسير الثورة في كل خطواتها الحاضرة والمستقبلية. وتصر عليه حماية للوطن وشعبه. وبناء على ذلك يؤّكد على مايلي:
1- منع تشكيل مسببات تمديد الصراع التفتيتي أو منهجته. لا سيما في أجواء النّزاع الطائفي التي إثارتها أو إيجادها نظام الاستبداد ومن يدعمه من قوى داخلية وعالميّة عنصريّة يهمّها إضعاف البنية الاجتماعية والوطنيّة لسوريا لصالح نفوذها
2- محاربة التطرف العنصري: الطائفي والعرقي والحزبي، مهما كانت شرعيته؛ من أجل ترسيخ السلم، وخصوصا، في ظل صعود الجهادي الذي كان ردا على التطرّق الطائفي العنصري الإجرامي لنظام الأسد الذي احتمى بالطّائفة العلويّة وطبقة المأجورين من الأقليات وغير الأقليات. ولا يتحقق ذلك إلا باحترام القانون كمرجعيّة لنيل الحقوق وتنفيذ القصاص العادل وسيادة القانون الذي يضمن العدالة للجميع.
3- التّركيز على التربية والثقافة لترسيخ مباديء المواطنة والحرية والعدالة والكرامة واحترام الآخر وتفكيك ثقافة العنف والانغلاق والتعصّب.
4- عدم الانغماس في مفاهيم عنصريّة سياسية تحرف ثورتنا عن مطالبها الإنسانيّة والسياسيّة والاجتماعيّة المتأسّسة على قيم الحرية والعدالة والكرامة؛ فنحن لسنا في صراع سنة وشيعة. نحن في صراع التحرر من الذل والعبودية والإرهاب والفساد والعنصرية والعصبويّة والجهل.
5- إنّ الخوض في الاقتتال الأهلي العرقي أو المذهبي وفي طلب الثأر والانتقام، هو استكمال للتدمير الفظيع الذي مارسه النظام المجرم. بينما العمل على تحقيق التآلف والتوافق بين الأفراد والجماعات بالإضافة إلى الدعم النفسي لكل المتضررين ضرورة في تحقيق السلم الأهلي
6- الحركات الجهادية هي موقف حربي مؤقت وضرورة فرضتها ظروف القهر العنصري الممنهج؛ لكننا لا نريدها أن تتسع وتستمر؛ لأنها ستترك عجلة الصراع دائرة بقوة وتزيد في إنهاك الشعب السوري، ضمن اقتتال تحت مسميات دينية ويترك الحرب مفتوحة ..ويجعل للعالم ذرائعه التي لا تنتهي للتدخل في سوريا بحجة محاربة الإرهاب والفكر الظلامي.
7- دعم وتشجيع الحركات الرشيدة والمدنية والتنويريّة والنهضويّة التي تركز على قيم بناء دولة المواطنة والمدنيّة، وعلى تشر ثقافة حضارية تنتج معرفة عاقلة وشفافة
8- الانفتاح على الشباب من الإناث والذكور وبناء برامج تدعم قدرات الشباب وتشاركهم وتحركهم في برامج واضحة حكومية وخاصة، وإشراكهم في المراكز القيادية وفي اتخاذ القرار والتخطيط
9- التأكيد على الشراكة الحقيقية مع المرأة وكسر الحاجز بين المرأة والمراكز القيادية السياسية والاقتصادية والفكرية ومراكز اتخاذ القرار.
10- إشراك القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والمنابر الدينية وقطاعات الحكومة في عملية بناء السلم الأهلي
11- الانسان هو الغاية والحفاظ على كرامة الإنسان وصون حريته وحقوقه هو الأساس. والناس مختلفون متنوّعون. وجوهر احترام الإنسان هو احترام الاختلاف والتنوّع.
12- العمل الطوعي الإنمائي في خدمة المجتمع وبالذات في تمكين المرأة والأسرة والشباب من خلال مشاريع إنتاجية تمكينية . للعوز والحاجة وللوضع الاقتصاي الدور الكبير في إثارة النزاعات والحروب.
أخيرا فإن تجمع نساء الثورة السورية الذي يؤكّد أن السلم الأهلي يظل ناقصا مالم تحصل المراة على حقوقها كاملة بالتساوي مع الرجل، يؤكّد أيضا أن حقوق المرأة لاتنفصل عن حقوق الإنسان المواطن، وبالتالي فإنّ عملية نضال المرأة من أجل حقوقها يتكامل مع نضالها من أجل حقوق مجتمعها ضمن قيم الحرية والعدالة والكرامة والمواطنة المتساوية، ويصنعان تناغما في صياغة السلم الأهلي. كما يؤّكد أن الحديث عن السلم الأهلي يتنافى مع الترحيب الذي تبديه بعض أطراف المعارضة أو أفراد في إقامة المؤتمرات والمجالس والتجمعات التي تتم على أساس طائفي أو عرقي؛ مثل مؤتمر العلويين، مؤتمرات المسيحيين. المجلس الوطني الكردي ومن ثم التركماني ..أو مقترحات مؤتمرات للدروز. فكيف نتكلم عن سلم أهلي نتكلم وكل منّا يعتصم و يتمترس بطائفته وعرقه؟ .
وفي هذا الصدد أيضا، لا يمكن تجاهل ما حصل ويحصل في المناطق المختلطة طائفيا. وإننا نصر على أن الحل على مستوى المناطق هو محاسبة المجرمين من الشبيحة من كل القرى الموالية للنظام، والذين شاركوا في ارتكاب مجازر وانتهاكات؛ وإلا فإن الناس ستذهب لأخذ حقها بيدها..
نريد لثورتنا أن تحقق العدل والسلم الأهلي ..لا أن ينجرف مظلموها إلى الثأر والانتقام.. والمسؤولية، أوليّا، وبشكل أساسي على العدالة الانتقالية والمساعي المدنية لنسج السلم الأهلي..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.