رأي _ عن شعار الحرية عند الإسلاميين

 بدر الإبراهيم
يتردد شعار الحرية كثيراً في خطاب قطاعاتٍ من الإسلاميين، غالباً تنتمي لتيار الإخوان المسلمين، أو تدور في فلكه، ويبدو الأمر جذاباً، عندما يصيغ هؤلاء جُمَلاً شاعرية عن الحرية في مواقع التواصل الاجتماعي، أو يوصي أحدهم الجميع بالحرية والتحرر، قبل خلوده إلى النوم. ويأخذ الأمر أبعاداً أكثر جدية، حين يُنصّب هؤلاء أنفسهم حراساً على الحرية والثورة والديمقراطية، ويزايدون على الآخرين في الإيمان بهذه القيم، ويحدّدون من المؤمن بها ومن غير المؤمن، تبعاً لاقتراب مواقفه السياسية منهم، أو تباعدها. يؤكد هذا الأمر أهمية فحص مدلولات الشعار المرفوع منهم، وما الذي تعنيه الحرية في خطابهم، وفي رؤيتهم لأحوال المنطقة العربية، والصراعات فيها.
يتعاطى كثيرون من هؤلاء مع الحرية والديمقراطية بوصفهما كلمتين مترادفتين، مع أن الحرية مفهوم أوسع من الديمقراطية، لكن التركيز في هذا الخطاب هو على التحرر من الاستبداد السياسي، وجَعْل الديمقراطية قيمةً عُليَا فوق بقية القيم، وحلاً سحرياً لكل المشكلات، وإعطاء الحديث عنها بعداً رسالياً. وعلى الرغم من الحاجة إلى الديمقراطية في مجتمعاتنا، وإنهاء الاستبداد والانفراد بالسلطة، إلا أن هناك قيماً أخرى، لا يمكن تغافلها أو تناسيها، وهي بأهمية الحديث عن الديمقراطية، مثل العدالة الاجتماعية التي تعتبرها شرائح اجتماعية واسعة أولوية على الديمقراطية، ولا تكفي الديمقراطية لتحقيقها، إذ إن دولاً ديمقراطية، مثل أميركا، تغيب فيها العدالة الاجتماعية، وتنهش فيها الرأسمالية الأخضر واليابس. كذلك، ليست قيمة الاستقلال، والتحرر الوطني من الهيمنة الاستعمارية، أقل أهمية من تحقيق الديمقراطية، ولا تقود الديمقراطية إلى تحرير الأرض المحتلة، أو الخروج من الهيمنة السياسية والاقتصادية الغربية، بل يحتاج ذلك إلى مشروع سياسي واقتصادي تحرري.
من هنا، يمكن رصد حدود شعار الحرية في طرح هؤلاء، إذ إنه لا يشمل التحرر من الهيمنة الكبرى في العالم، ونعني هنا الهيمنة الامبريالية الغربية، وأي حديث حول الحرية السياسية في الوطن العربي، لا بد أن يراعي تحرراً من الاستبداد والهيمنة الغربية أيضاً، خصوصاً في الحالات التي تكون فيها مصالحهما متشابكة، لكن هؤلاء الإسلاميين يحصرون مفهوم الحرية

بإنهاء حالة الاستبداد، وإقامة الديمقراطية، وهم، في السنوات الأخيرة، يدعون القوى الاستعمارية إلى إنقاذهم من الاستبداد، بمباركة تدخلات حلف الناتو، وتوسّل المزيد منها، بل واعتبارها واجباً إنسانياً وأخلاقياً. لا مشكلة عند هؤلاء بتقلُّص حريتهم بفعل الوصاية الغربية، فالمهم أن تتحقق “الحرية”، عبر زوال المستبد، وإقامة الديمقراطية.

لكن التدقيق في مفهوم هؤلاء للديمقراطية يشي بتقلُّصٍ أكبر لمفهوم الحرية، إذ يحيل فحص خطاب هؤلاء حول الديمقراطية إلى فهم محدود بحرية الانتخاب والاختيار. يجادل الإسلاميون المؤمنون بالديمقراطية بقية الإسلاميين، بأن أفضل وسيلة لتطبيق الشريعة صناديق الاقتراع، لكن هؤلاء لا يرون أهميةً لتبني الحريات الأساسية في الديمقراطية، مثل حرية التعبير والاعتقاد، وحرية العمل السياسي والمدني، ويمكن أن يغضوا الطرف عن إقصاء أطراف معينة، ما دام إقصاءً قادماً من شرعية صندوق الاقتراع، وهذا تحديداً ما يمكن تسميته “ديكتاتورية الأغلبية”.
هذه الحرية المحدودة في فهمهم للديمقراطية تصبح عديمة المصداقية، عندما يُشَاهَدُون وهم ينخرطون في حفلات الشحن الطائفي، ويؤيدون جبهة النصرة في سورية التي تعلن صراحةً رفضها الديمقراطية، ويبررون لتنظيم داعش في العراق، تحت شعارات المظلومية الطائفية. وهنا، يظهر أن شعار الحرية ليس إلا غطاءً لحالة غرائزية وانتقامية، ضمن صراعات الهوية، لا تهتم بالمشروع البديل للاستبداد، بل إن اهتمامها منصب على الانتقام من المستبد، والجماعة الأهلية المؤيدة له، أياً يكن الثمن البشري والمادي. وهنا، يتحول شعار الحرية من شعارٍ يُرَدَّد لمصلحة الجماعة الوطنية، إلى حرية خاصة بالجماعة المذهبية، ومفصلة على مقاسات حزبية ضيقة.
يمكن القول إن هذه القطاعات من الإسلاميين حاولت، قبل الثورات العربية، إقناع بقية الإسلاميين بالمسار السلمي، لينتهوا إلى إقناع الجهاديين لهم بمسار العنف، وبعض هؤلاء “الديمقراطيين” يقدمون دروساً للحالة الجهادية، و”يبصّرونها” بأفضل الطرق لتطبيق “الجهاد الشرعي”. تختفي فروقات كثيرة بين هؤلاء والجهاديين، خصوصاً عندما يتبنى هؤلاء السردية الطائفية للصراعات، إذ هذه الصراعات بالنسبة لهم غير محكومة بثنائية (حرية/استبداد)، التي كانوا يرددونها، وإنما متعلقة بصراع جماعات أهلية ومذهبية، ولو ردد بعضهم شعارات الحرية فيها، فلن يغير من طبيعة تصوره للصراع التي تجعله في خندق واحد مع الحالة الجهادية.
هذا الفهم المعطوب للحرية، الذي يتكشف عواره يوماً بعد يوم، في الجوانب النظرية والتطبيقية، يجعل الجُمَل الشاعرية، والمزايدات المتكررة، وادعاء حراسة قيم الحرية والثورة والديمقراطية، بلا معنى. وأكثر من ذلك، فإن المزايدات الأخلاقية باسم الحرية، واعتبار هؤلاء مواقفهم السياسية معياراً أخلاقياً، والإصرار على رؤية المواقف والاجتهادات السياسية، من منظار الحق والباطل، يفتح الباب على مساءلة إيمان هؤلاء الفعلي بقيم الحرية والتعددية، ومدى تجذّر هذه القيم في خطابهم ورؤيتهم. لا بد من القول إن التباهي والاستعراض بشعارات الحرية، وترديدها باستمرار، لا يصنع حالة تحرّرية، ولا يحوِّل وهم الوصاية على هذه القيم إلى حقيقة، خصوصاً عندما يتم فحص الخطاب الثاوي خلف الشعارات، وتوضيح مدى هشاشته.
العربي الجديد
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.