رأسمال البلاطة.. من فيليب\ كابوت، إلى فراس\درويش

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في عام 2006، استطاع فيليب سيمور هوفمان، انتزاع جائزة الأوسكار من بين نخبة من أمهر الممثلين الأمريكيين (تيرنس هاورد، هيث ليدجر، خواكيم فينيكس، دافيد ستراثام) عن دوره العبقري في فيلم كابوت، الذي مثّل فيه شخصية الكاتب الأمريكي ترومان كابوت، والفترة التي بدأ فيها بكتابة نصّه المعنون “بدم بارد”. بعد ذلك الإنجاز والمتعة المرافقة له لمشاهدي العالم السينمائيين بأربع سنوات، انتشر خبر ضرب أصقاع الوطن العربي عن مسلسل سوري سيجسّد فيه فراس إبراهيم دور الشاعر العظيم محمود درويش.

بالطبع من يتذكّر تلك الفترة، سيذكر جيداً الحملة التي هوجم فيها الممثل والمخرج والكاتب بإحساس مسبق عن تشويه صورة أحد الشعراء الذين له حالة خاصة في قلوب محبيه. ورغم كل الحملات ضده إلا أنّ المسلسل رأى النور أخيراً، وكما كان متوقعاً، فشل فشلاً ذريعاً.

بعد ثماني سنوات لن يجدي أي حديث حول ما جرى، وبطبيعة الحال وبالمقارنة غير المنطقية، استطاع هوفمان أن يرسّخ صورة كاتب، لم يكن معروفاً سوى بأمريكا، بأن أصبح معروفاً في العالم، وبالمقابل؛ استطاع فراس أن يقدم أسوأ صورة لشاعر كان له حظوة عالمية، بأن اضمحلت صورته وتلاشت تدريجياً بعد المسلسل.

بالطبع لا يمكن المقارنة بين مسلسل وفيلم، ولا حتى بين هوفمان وفراس، وإنّ مجرد التفكير ومحاولة المقاربة تصيبني شخصياً بالغثيان. لكن من حقنا الطبيعي أن نسأل كيف نفهم الفنّ في بلادنا؟!ولماذا عندما نريد الانتشار نُصاب بالاضمحلال؟!.

برغم عدم منطقية المقارنة السابقة، لكن دعونا نتغاضى عن بلاهتها ونسرد فيها قليلاً..

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ أسباب الفشل والنجاح ترتبط أساساً بالشخصية الرئيسية التي تقوم بالدور، مقدار مهارتها وعملها على تفاصيل تلك الشخصية (خاصة أنها بيوغرافي)، ولهذا الجانب حيّزٌ كبيرٌ من الصدق، لكن المسألة بتصوري تمتدّ إلى أكثر من ذلك. إنها ترتبط بالضبط بمنطق الإنتاج الرأسمالي.

لا أحد في أرجاء الأرض يختلف على شراسة الرأسمالية وقدرتها على الاستغلال، لكن في جوهر ذلك الاستغلال تكمن مفاهيم عميقة ومتطورة، منها أنّ رأسمالية الغرب وعت نتيجة تاريخها الطويل من الصراعات، أنّ إنتاج شيء ما (وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمعلومة وبيعها كمتعة) فإنّه يحتاج إلى تجذير متقن للتاريخ، تاريخ الأمة وشخوصها وأحداثها، فلا ثراء خارج نطاق التاريخ. إنها رفع كل شيء بسوية واحدة. في فلم كابوت، حُقق الدخل المطلوب، وتمت شهرة الممثلين، وتمّ ترسيخ الكاتب في أذهان الجميع، حتى الموسيقا التصويرية كان لها حيّزها.. بمعنى آخر، تم تجذير جانب إنساني من التاريخ الأمريكي المعاصر. تلك الصورة التي تعمل كقبعة إخفاء ضمني عن سياسيات أخرى. إنْ وافقنا على هذه الآلية أم لا، لكنها آلية ذكية قطعاً للرأسمال.

كلنا يذكر الحملة التي هوجم فيها الممثل والمخرج والكاتب بإحساس مسبق عن تشويه صورة أحد الشعراء الذين له حالة خاصة في قلوب محبيه. وكما كان متوقعاً، فشل فشلاً ذريعاً.

لكن في رأسمال الإنتاج الفني لدينا، دائماً ما يعمل بمنطق رأسمال البلاطة، الاكتفاء بالربح الشخصي وراء ستار النهضة الثقافية. ففي مسلسل درويش (في حضرة الغياب) لم يكتف فراس بتمثيل دور محمود بل قام بالإنتاج كله.

انتهى المسلسل، وتلاشى بعد أشهر من ذاكرة الجميع، ولم يكتف بذلك، بل ما جرى كارثة أكبر، فالناس التي نشأت على التاريخ الشعري لدرويش منذ زمن المقاومة إلى زمن الوجدانيّة الشعرية وانتهاء بإحساسه الشخصي اتجاه الوجود، بقي حبيس تلك الفئة التاريخيّة، والافتراض أنّ دور الفن يجب أن يقوم بتقديم الجانب المخفي من التجربة الشخصية، فعل الدور العكسي اتجاه الجيل الجديد. ما فعله فراس وإنتاجه ببساطة كان كسر تجربة درويش النهضوية بطريقة أو بأخرى.

هذا الشرخ بين شكلي الرأسمال، يجعلنا نقف قليلاً لنفهم ونطلب بأحقية ثقافية، أن رأسمالي بلادنا يجب أن يستوعبوا أن بيع المعلومة له خصوصيته وشكله المتقن، ليس فقط حالة تكدين المال تحت البلاطة. عندما نريد الارتقاء والبحث عن الثراء، فبالتأكيد إتقان الشيء سيزيد من ربح الرأسمال، وسيزيد من تعميق تجربتنا الإنسانية ونقلها بشكل حريص ومتقن إلى العالم، وتجذير هويتنا الثقافية بعمق.

وحديثنا عن درويش وكابوت هو مثال صغير عن إنتاج فني أضخم لدينا. فمثلاً إن إنتاج الدراما التاريخية يخضع لتقديم همّ البلاط والأمراء وطريقة تفكيرهم، مع أخذ جانب إشكالي لتجربة التاريخ نفسه وصراعاته السياسية، لكنه فعلياً يخضع لرقابة شديدة خوفاً من الفتنة أو إعمال التساؤل لدى الناس الذين قد يؤدي بهم ذلك إلى ظهور أسئلة، واقعنا السياسي والسلطوي بغنى عنها، كمسلسل ملوك الطوائف الذي ناقش تاريخ الصراع السياسي في البلاطات دون تشريح تاريخيته الطبقية أو صراعاته الاجتماعية للأديان الأخرى. أو مسلسل هارون الرشيد الذي اكتفى بتقديم الشخص على حساب التاريخ.

هذه الطبيعة الإنتاجية توضح عدم رغبة الرأسمال بدخول ومناقشة التاريخ الثقافي؛ كي لا يتصادم مع السلطة الآنية، وبالتالي يبقى الإنتاج محصوراً بالكسب المالي تحت ستار النهضة لكنّه فعلياً لا يقدّم جديداً. وتكثر الأمثلة حول هذا الإنتاج.

إنّ الرأسمالية عندما تجذر تاريخها القومي وثقافتها الممتزجة بسعيها المطلق للربح، لا تخدم نفسها فقط، بل تخدم مجتمعها وقوته وتطوره، بعيداً عن مواقفنا الإيديولوجية منها.

قد يبدو للبعض أنّ ربط الفن بشكل الرأسمال المعاصر (كإنتاج معلومة) هو ضرب من المغالاة بإخراج الفن من جوهره الإنساني، لكن واقع الأمر، أنّ الشكل المعاصر للإنتاج هو كذلك، شئنا أم أبينا، وعليه يجب أن نمارسه ضمن ما هو فيه، أو بمعنى أدق، ممارسة الرأسمال كحالة إنتاج اقتصادي ثقافي أو اقتصادي سياسي. وليس إنتاج اقتصادي مجرد يؤدي لإدخال الوعي في دوامة من الابتذال المجتمعي والجهل تحت ستار نهضة الوعي.

ما نحتاجه فعلياً هو إخراج مفهوم الرأسمال من منطق البخلاء والتكدين (البلاطة)، أو الاكتفاء بالثراء القليل، والعمل على البحث بحرفية عالية عندما يتم بيع المعلومة من كتابة إلى إخراج إلى أداء، إن كان سينمائياً أو تلفزيونياً أو أي نوع من أنواع الفنون.

إنّ الرأسمالية عندما تجذر تاريخها القومي وثقافتها ممتزجة بسعيها المطلق للربح، لا تخدم نفسها فقط، بل تخدم مجتمعها وقوته وتطوره، بعيداً عن مواقفنا الإيديولوجية منها. إنها تعمل كآلة لتثبيت الوعي الإنساني وصراعه في التقدم وثقافته وهويته.

ببساطة؛ إن كان رأسمال الغرب يسعى لتحقيق نوع من العدالة بمنطق الرأسمال الذاتي بإيجاد الثراء المطلق وإباحة الحرية المجتمعية والتفكير، والمعدمين فيهم يمتلكون نسبياً وضعاً اجتماعياً وحقوقياً جيداً، فإن رأسمال بلادنا، خارج نطاق التدخل بمفهوم العدالة المجتمعية، ويبني ثراءه على حساب الجهلة، ويسعى لتعميق الهوة بين الواقع والثقافة، لإحلال القمع متناوباً مع السلطة السياسيّة، وترسيخ إلغاء الهوية التاريخيّة لنا، وحتى المعدمين هم من لا يمتلكون سوى الطعام.

بين فيليب كابوت وفراس درويش تتأرجح حيواتنا وتلتغي مفاهيمنا حول من نحن؟! وكيف سنستمر؟!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.