ذاكرة أطباء سورية توثّق “القهر”.. شهودٌ على المجزرة وجزءٌ منها

الأيام السورية؛ أحمد عليان

“أكوام اللحم”، صوت بكاء الأطفال، رائحة الدماء، صراخ ذوي الضحايا، الموت الجماعي المُعلن، طبيبٌ يدفن شقيقه الطبيب، ومواقف أخرى كانت الكوادر الطبية في سورية شاهدةً عليها، وجزءاً منها.

“يالله!! ما كلّ هذا القهر!!!”

قبل أيّام قصفت قوات الأسد مدينة معرة النعمان في ريف إدلب، لتقتل بحسب مركز المعرّة الإعلامي 11 شخصاً، بينهم الطفل يوسف صطيف، ووالده الشاب مهند، وهما من نازحي مدينة حلب.

وتركّز القصف على الأحياء السكنية، وسوق “البزر” وسط المدينة وفق ما ذكر المركز، الذي وثّق إصابة 35 جريحاً ودماراً كبيراً في الأماكن المستهدفة.

الطبيب طرّاف الطرّاف، وثّق عبرَ منشورٍ على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” موت الأب وطفله بعيداً الأرقام والإحصائيات.

فمن لحظة وصول سيارات الإسعاف التي تلقي في المشفى “أكوام اللحم” و”الأشلاء” و”المصابين”، إلى لحظة انتقاء الكادر الطبي وهو منهم لإسعاف الحالة الأهم، أو التي لا يمكن أن تصمد إن تأخروا عليها، وصولاً إلى تمكّن الموت من المصاب، ويأس الأطباء.

كلّ هذا جرى والطرّاف لا يعرف أنّه كان يختار بين مصابين أحدهما أبٌ للأول!

وجاء في المنشور، أنّ مصابَين دخلا بصدمةٍ نزيفيةٍ، في حين لا توجد إلّا غرفة عملياتٍ واحدةٍ شاغرة كون الغرف الأخرى مشغولةٌ بجرحى آخرين.

عملية الاختيار كانت قاسية على الطراف الذي رأى ابنه في الطفل المصاب، فاختاره، لكنّ الطفل فارق الحياة بعد نصف ساعةٍ من محاولة إنقاذه.

المصاب الآخر، هو رجلٌ ثلاثيني، وفق الطراف، لكنّه توفي أيضاً بعد الطفل.

كلّ هذا جرى والطرّاف لا يعرف أنّه كان يختار بين مصابين أحدهما أبٌ للأول!

فختم منشوره بالقول: “يالله!! ما كلّ هذا القهر!!!”

وكان الطرّاف وثّق ما يعرف باسم “مجزرة الأقلام” التي ارتكبتها قوات الأسد وروسيا وفق المعارضة السورية، في بلدة حاس في جبل الزاوية الإدلبي عام 2016.

وتحدّث الطرّاف بمنشورٍ على صفحته عن مقتل حوالي 50 شخصاً وجرح أكثر من 250 آخرين، ووصف الطرّاف الصواريخ وعددها، والطائرات التي كانت تلقي على قريته الصغيرة ومدارسها الثلاث “حمماً”.

“إنّه توثيقٌ لتعلم الأجيال القادمة ما جرى”، هكذا يرى الطراف الذي وثّق صدمة والد الطفلة بيسان ذات الأحد عشر ربيعاً، تلك الطفلة التي جاءت إلى الحياة بعملية إخصاب (طفل أنبوب)، فكانت وحيدة أبويها. وكذلك الطفلة رنا التي بكت وأخبرته أنّها لن تعود إلى المدرسة بعد اليوم لأنّها المكان الذي أصيبت فيه.

يوسف شقيق الطرّاف أيضاً يعمل طبيباً، وكان واحداً من ضحايا المجزرة، إذ توفي بعد أيّامٍ من إصابته البليغة، وفق الطرّاف.

شاب يحمل جثّة فتاة ماتت في مجزرة حاس ـ المصدر: sy24

 

“أذكر وجوههم أكثر مما أذكر طفولتي”

الطبيب غياث الطه، كان يعمل في مشفىً أساسه مدجنةً قبل أن يتم تحويلها إلى مشفى في منطقة معصران، شمال شرقي معرة النعمان.

المشفى المدجنة كان وحيداً في المنطقة ذات القرى الكثيرة، والبعيدة لعشرات الكيلومترات. في فترةٍ من العام 2014، أي قبل أن تنتشر مراكز الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في عموم المناطق السورية المحرّرة من قوات الأسد، وفق الطه.

هي لم تشعر بشيء، كانت كما يقال خارج العالم أجمع، رغم أنّ شظيةً مزّقت بطنها

“أذكر وجوه المصّابين الذين أسعفتهم أكثر ممّا أذكر طفولتي.. ذاكرتي ممتلئة بهم، بأنينهم، برائحة دمائهم”، يقول الطه، الذي أيقظ ما كتبه الطرّاف مشاهداً قال إنّها “مأساوية” مرّت معه خلال عمله طبيباً مسعفاً في مشفى معصران.

وذكر الطه قصّةً وقعت عام 2014، فبعد سماعه والكادر الطبي في المشفى تعميماً عبر القبضات اللاسلكية عن قصفٍ لطائرات الأسد استهدف قرية “الجفرة” التي تبعد عنهم حوالي 35 كم، سارع الجميع لتحضير غرفة الإسعاف، “هكذا جرت العادة” يقول الطه.

وصلت سياراتٌ مدنيةٌ محمّلةٌ بجرحى بعضهم فارق الحياة أثناء عملية الإسعاف، لأنّ هذه السيارات في معظمها من نوع “بيك أب”.

أب وأم وطفلة لا تتجاوز الرابعة من عمرها، كانوا من بين المصابين، يروي الطه للأيام المشهد قائلاً: كانت الأم لا تزيح بصرها عن طفلتها التي أصيبت قدمها بشظية أدّت إلى بترها وانفصالها تماماً عن ساقها، ودخلت الطفلة بصدمة نزيفية شديدة وأوشكت على الوفاة.

كانت أمها تلمسها “بين اللمسة والأخرى” لتتأكد فيما إن كانت ابنتها لا تزال على قيد الحياة.

أمّا الأب فكان مصاباً بشظايا في البطن والصدر، لم نستطع السيطرة على النزيف الحاد، ففارق الحياة.

قبل وفاة الأب، كانت الأم في غرفة الطوارئ تراقب طفلتها، لم تبكِ غيرَ أنّ لون وجهها كان في غاية الاصفرار، ولا يصدر عنها أي صوت، أتذكر جيداً يدها التي ترتجف عندما تلمس ابنتها.

يضيف الطه: قلت للأم هل أنت بخير؟ وطلبت منها التمدّد لأفحصها، “كانت أمعاؤها خارج بطنها”، يؤكّد الطه، الذي أسعفها على الفور إلى غرفة العمليات.

عندما تقتل طبيباً فإنك تقتل مئات الناس

“هي لم تشعر بشيء، كانت كما يقال خارج العالم أجمع، رغم أنّ شظيةً مزّقت بطنها”.

لم تصمد الأم سوى بضع ساعات، لقد ماتت وزوجها، يقول الطه، أمّا الطفلة فبقيت على قيد الحياة، لكن أيّ حياة وهي بلا أم ولا أب ولا قدم!

أجّل حزنه على شقيقه!

الطبيب بكري المعاز، أجّل حزنه على شقيقه الطبيب أيضاً، وعاد إلى غرفة العمليات بعد ساعةٍ من دفن الأخير.

وكان الطبيب وسيم المعاز شقيق بكري، طبيب الأطفال الوحيد في حي السكري في مدينة حلب، لكنّه توفي مع عشرات المرضى والممرضين بعد استهداف قوات الأسد لمشفى القدس في أبريل/ نيسان من العام 2016، وفق منظمة أطباء بلا حدود.

وكثيراً ما استهدفت طائرات الأسد المراكز الطبية، إذ نوّه موقع حملة أطباء في خطر إلى أنّه منذ عام 2011، بدأ تدهور الحالة الصحية في سورية إلى أن وصلت ذروتها مع تدمير 70% من البنية التحتية الطبية، ففي عام 2016 استهدفت 1000 غارة جوية مباشرة أو غير مباشرة المستشفيات. تم ضرب بعض المستشفيات تصل إلى 25 مرة. المتوسط ​​هو ثلاث هجمات للمستشفى. وكان ثلاثة أرباع المستشفيات في مبان لم تكن مخصصة لإيواء المرافق الطبية وكانت في الواقع مستشفيات مؤقتة ، غير مجهزة بشكل جيد لتوفير الرعاية الطبية اللازمة.

بكري أوضح لتلفزيون الجزيرة وقتذاك أنّه أجّل حزنه على شقيقه لأنّه لو استسلم للحزن فكم من المرضى والمصابين سيفقدون الحياة؟

مستشهداً بعبارة تقول: عندما تقتل طبيباً فإنك تقتل مئات الناس.

 

#الجزيرة_سوريا دفن شقيقه طبيب الأطفال الوحيد في مدينة حلب الذي قتل في مشفى القدس .. وأجل أحزانه ليكمل عمله في مداواة أبناء مدينته في ظروفهم الصعبة .. قصة الطبيب بكري معاذ #حلب_تحترق

Posted by ‎الجزيرة – سوريا‎ on Wednesday, May 4, 2016

صورة من مشفى ميداني -مصدر الصورة: الجزيرة نت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.