ذاتَ عيدٍ… فْرَنْكَكْ رِبْع فْرَنْكينَكْ نِصْ

النقود الممنوحة من الأهل للأولاد بما فيها عيدية الأقارب من أجل الاستمتاع بمظاهر العيد فلم تكن في الغالب كفاية كل تلك المتع، كنا نضع استراتيجة توفق بين ما نرغب وما نملك.

166
الأيام السورية؛ نزار غالب فليحان

كان استيقاظي فجر يوم العيد مبعث سعادة كبيرة، وعلى الرغم من أن أياً من أفراد أسرتنا – بل في حينا – لم يكن يصلي وأن ارتياد المسجد لم يكن فعلاً مألوفاً لنا، كنت أنتظر صلاة العيد منقولة على التلفاز من المسجد الأموي لأتسمر أمامه وأمتع أذنيَّ بما كنت أراه إنشاداً متقناً بأصوات عذبة تطلقها جوقة رجال يرتدون ثياباً أنيقة تعلو فرحة العيد وجوههم، إلى أن يأتي دور المنشدَين الرَّاحلَيْن توفيق المنجد وحمزة شكور بصوتيهما الشجيين وطربوشيهما الدمشقيين لينشدا ويطربا:

“أتيناكَ بالفَقْرِ يا ذا الغِنى وأنتَ الذي لم تَزَلْ مُحْسِنا
الله الله الله الله الله الله لا إله إلا الله
وعَوَّدْتَنا كلَّ فَصْلٍ عَسى يعودُ الذي مِنْكَ عَوَّدْتَنا
الله الله الله الله الله الله لا إله إلا الله
إذا كنْتَ في كلِّ حالٍ مَعي فعَنْ حَمْلِ زادي أنا (أنا) في غِنى
الله الله الله الله الله الله لا إله إلا الله”

وكان ذلك يبعثُ في روحي نشوةً كنت أنتظرها عاماً بعد عام.

على عجل كنت أرتدي بنطالي الرمادي وقميصي الأبيض وأمسد غُرَّتي بالماء وأُدخل فرد الفلين داخل الحزام، ثم أنتعل حذائي الأسود الذي كان يلمع في عتبة الغرفة، أخرج لأرى أترابي وقد تجمعوا للذهاب إلى ساحة العيد.

كان لحَيِّنا أيام العيد ساحة ترابية واسعة تقاسم أركانها بائعو الفرح والسلوى والأطعمة والشراب.

عربة جُوِّفَ سطحها كفاية قدر كبير مليء بالفول، تدفع فرنكاً فتأخذ عشر حبات من الفول مع كأس من مرقه المُنَكَّهِ بالملح والكمون وقطرات من الليمون الصناعي الممدد أذكر أن اسمه “جونال” وكان يُهَرَّبُ من لبنان عن طريق “العريضة” في المنطقة الحدودية يومها، كان البائع ينادي “كلاوي يا فول – نابت ومملح يا فول” في إشارة إلى التشابه بين الكِلْيَةِ وحبة الفول شكلاً وطراوة وكذلك إلى نضج الفول ونكهته المالحة.

عربة شبيهة تماماً بعربة الفول امتلأ قِدْرُها بعرانيس الذرة المسلوقة يلف البائع الواحدَ منها بعد أن ينتشله بملقطه الحديدي بورقة دفتر مدرسي ويرش فوقه الملح مقابل فرنكين اثنين، كان ينادي “بَغْوِة الذرة” في دلالة على أن العرنوس طري لأنه قُطِفَ يافعاً حباته بيضاء غضة لم تقسُ بعد.

عربة وضع فوقها يمينَ البائع ألواحٌ من البوظ (الجليد)، وشمالَهُ ثلاثُ قطرميزات (أوعية زجاجية شفافة) مُلِئَ كلٌّ منها بشراب بطعم ولون مختلف، اتُّفِقَ أن يكون الأصفر بنكهة الليمون والأحمر بنكهة “لا ليس الفريز… لم نكن نعرفه” بنكهة الورد والبرتقالي بنكهة البرتقال، كان البائع يحمل بيده علبة من الألمنيوم مفتوحة مسننة في مقدمتها بحيث يحف بها البوظ فتفتته بحركة متكررة وتجمعه داخلها لتوضع في كأس ويسكب فوقها الشراب حسب الطلب بفرنكين اثنين، كان ينادي “تعا بورد يا طيب”.

بائع النمورة بصدريته البيضاء ذات الجيبين اللذين خصص أحدهما للمصاري أما الثاني فكان لقِطَعِ الورق المربعة المخصصة لِصَرِّ النمورة، كان يحمل بيده منشة ذباب “لا ليست قَتَّالة ذباب كانت الغاية إبعاد الذباب فقط”، كانت عصىً اسطوانية ثُبِّتَ في مقدمتها قصاصات من النايلون كثيفة ومتساوية الطول، صينيته نحاسية واسعة تستقر فوق طاولة من أربعة أرجل خشبية متقابلة مثنى مثنى يجمعها في منتصفها محور حديدي على شكل مسمار كبير ثُبِّتَتْ نهايته بصامولة تسمح بمباعدة الأرجل التي شُدَّتْ ذروتها بقطعة قماش لتصير طاولة لصدر النمورة، كان ينادي “طيبة وطرية النمورة”.

بائع فستق العبيد الذي جهز أقماعه المخروطية الورقية طيلة ليلة العيد وأدخلها بعضها داخل بعض على يمين طاولته، كان ينادي “فستق عبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد” كان يمد الياء قدر قوة نَفَسِهِ.

ساحة العيد وألعاب الأطفال (أولاد البلد)

وسط الساحة كان يُخَصَّصُ دائماً لـ “الشقليبة”، كانت العلامة الفارقة في العيد، كنا آخر النهار يسأل بعضنا بعضاً “هل ركبت الشقليبة؟” “هل لامسك ذلك الشعور الجميل لحظة الهبوط؟” صناديق خشبية يتسع الواحد منها لثلاثة أو أربعة أجساد نحيلة، ثُبِّتَتْ إلى قوائم خشبية تتقاطع في محور واحد لتصنع دائرة في الهواء تدور كلما دفع الرُّبَّانُ صناديقها، فتعلو الصيحات مع كل ارتفاع وهبوط على وقع أغنية العيد الشهيرة:

-يا ولاد محارب
-يويو
-شدوا القوالب
-يويو
-قوالب صيني
-يويو
-طقش الفليني
-يويو
-يا بنت عمي
-يويو
-شافك عبد الله
-يويو
-كسرتِ الجرة
-يويو
وقد يزيد عليها أغنية تناشد الأطفال بالنزول لأن الدورات المخصصة للفرنكين قد نفدت:

-قوموا انزلوا
-ما مننزل
-منطعميكن
-ما مننزل
-منشربكن
-ما مننزل
-منكبكن بالعاصي
-إي مننزل “

… ونضحك”، فيصيح الرُّبَّان “مولاااااااااااااا” في إيماءة إلى أن اللعبة انتهت.

أما المرجيحة فشأن آخر، كانت في الغالب عبارة عن صندوقين خشبيين مستطيلين كبيرين متقابلين على قاعدة خشبية واحدة يتسع الواحد منهما لستة أو سبعة أجساد متراصة شُدَّا إلى قواعد خشبية ثخينة مثبتة إلى الأرض وعارضة حديدية واحدة تجمعها في الأعلى لتصير على شكل خيمة، ينوس الصندوقان تحتها على أصوات الأطفال والرُبَّان بذات أغاني الشقليبة، وقد يضيفون إليها أغنية ثانية:

-يا حج محمد
-يويو
-عيرني حصانك
-يويو
-لشد وأركب
-يويو
-والحق اسكندر
-يويو
-واسكندر مات
-يويو
-خلف بنات
-يويو
-بناتو سود
-يويو
-متل القورد
-يويو
ثم “مولااااااااااا” من الرُّبَّان.

أما “خرجية العيد” أي النقود الممنوحة من الأهل للأولاد بما فيها عيدية الأقارب من أجل الاستمتاع بمظاهر العيد فلم تكن في الغالب كفاية كل تلك المتع، كنا نضع استراتيجة توفق بين ما نرغب وما نملك، كثيراً ما كنا نتذاكى “نكذب” على رُبَّان الشقليبة أو المرجيحة وندَّعي أننا دفعنا فرنكات الركوب، لم تكن ثمة بطاقات ولا حجوزات، عرفنا عندما كبرنا أن الكبار كانوا يتغاضون عن جرائم الصغار كرمى للعيد ولأنهم يعلمون أن الحال ضيقة والبساط قصير.

لم تخل ساحة العيد من المظاهر التي كان الأهل ينظرون إليها على أنها موبقات “لا ليس كأن نتشاجر” بل كأن ندخن سيجارة “ناعورة” أو “الفرات”، أو أن نرتاد بسطات المقامرين الذين كانوا ينتقون الزوايا الميتة التي لا يأتيها إلا من يخبرها. كان الأهل حين يعلمون يُلقون باللائمة على رفيق السوء، وكان الآخر دائماً بنظر الأهل هو رفيق السوء، فصرنا جميعنا البريء والآخر معاً.

في زاوية الساحة شاب مفتول العضلات أملس الشعر عريض الشاربين يجلس فوق كرسي قش وأمامه قطرميز مليء بالماء وضع في قعره فنجان، كان علينا أن نرمي الفرنك من فوهة القطرميز فإذا استقر في الفنجان أخذنا خمسة أضعافه أي ربع ليرة ليتضاعف المبلغ إلى نصف ليرة إذا أدخلنا قطعة الفرنكين في الفنجان، غالباً كان قعر القطرميز مفروشاً بالفرنكات والفرنيكنات ومرات كنا نرى ربع ليرة كاملة، كان صاحب القطرميز ينادي ” فْرَنْكَكْ رِبْع فْرَنْكينَكْ نِصْ”.

في الزاوية المقابلة شاب بذات المواصفات أمامه سحارة خشبية (صندوق خشبي مفتوح كان يخصص لنقل الخضار والفواكه) جعل فتحتها إلى أسفل بحيث تصير طاولة ثبت في مقدمة سطحها وبواسطة مسامير ملونة (مسامير طبعة) ست أوراق من أوراق الشدة (كروت اللعب) متسلسلة من الأص إلى الستة، وكان يغطي نرداً واحداً بفنجان أبيض، كنا نضع فرنكاً أو فرنكين على رقم نراهن أنه سيظهر على وجه النرد عندما يتوقف المقامر عن تحريكه رافعاً عنه الفنجان، فإذا أصبنا كسبنا الرهان وربع ليرة إذا غامرنا بفرنك أو نصف ليرة إذا غامرنا بفرنكين، كان صاحب السحارة ينادي “فْرَنْكَكْ رِبْع فْرَنْكينَكْ نِصْ”.

لم أعد أذكر تماماً ما الذي كان يدفعنا إلى المقامرة بكل خرجية العيد، نربح أحياناً ونخسر غالباً، ربما متعة المغامرة والترقب والإثارة، وربما كان الطمع حافزاً كافياً لزيادة غلتنا والذهاب بعيداً في ارتكاب الموبقات والارتقاء من تدخين سيجارة “ناعورة” و”الفرات” إلى سيجارة “غرناطة”، أو حتى ارتياد سينما “الفردوس” أو “الحرية” لمشاهدة فيلمين مرة واحدة، كان البَوَّابُ ينادي قارعاً جَرَسه الذي يُذَكِّر بجرس المدرسة “هَلَّقْ بَلَّشْ – فيلمين بفيلم”، لكن ما أنا على يقين تام منه هو أن أصداء أصوات رموز العيد مازالت تسكن سمعي لا تلبث تحضر دون سابق إنذار وعلى غير اتفاق “كلاوي يا… ” “بَغْوِة…” “طيبة وطر…” “تعا بو…” “فستق عـ…” “يا ولاد محا…” “قوموا انز…” “فيلمين بفـ…” و”فْرَنْكَكْ رِبْع فْرَنْكينَكْ نِصْ”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.