د. كمال اللبواني: تهافت السياسة السعودية في الملف السوري

 

ذات مرة ، دخل مريضان متقدمان بالعمر إلى عيادتي في الزبداني للعلاج معا … أحدهما أعرج ضعيف البنية يتوكأ على آخر شحيح البصر … كلاهما كان يحمل عكازته ولا يستعملها نظرا لحالة الشراكة التعويضية بينهما.

فنوع الشراكات لا يحددها التشابه في الأداة، بل غالبا نوع المرض ونوعية الاحتياجات …. وكما أن أعرجا لا يسند أعرجا ، وضرير لا ينفع ضريرا … كذلك استقدام دب لطرد ذئب من الكرم … فهما سيتعايشان ويتعاونان ، والكرم سيصبح وفقا لهذه السياسة غابة للوحوش ، ونخسر العنب والكرم والناطور معا …

لقد سبق ودعمت دول الخليج مجموعات اسلامية متشددة لمقارعة النظام بديلا عن المجموعات الوطنية الديمقراطية، أملا في تجنب خطر عدوى الربيع العربي لبلدانها، فكانت النتيجة أن توسعت هذه المجموعات على حساب الجيش الحر ، وتحولت لمجموعات خطرة حتى على الدول الداعمة ذاتها، واليوم تندفع السعودية ومعها دول الخليج العربي وراء الدب الروسي بترحيب من الديناصور الأمريكي، وهي تأمل في الخلاص من التطرف الذي صنّعته، ومن النظام وايران معا، وغدا وفقا لهذه السياسة، ستصبح بحاجة لوحش آخر لطرد الوحوش السابقة التي تعايشت وتقاسمت المناطق والنفوذ فيما كان اسمه (الجمهورية العربية السورية قلب العروبة النابض …)

إنها سياسة الأعرج العاجز والأعمى الضرير، التي تتوهم أن روسيا ستقلص النفوذ الإيراني عندما ستحتل جزء ًمن سوريا وتصبح هي وليست ايران حامية للنظام الطائفي فيها. وأن ذلك سيكون نصرا سياسيا لا يكلف السعودية ودول الخليج سوى التضحية بقضية الشعب السوري ووحدة سوريا واستقلالها فقط.

فالسعودية التي سجلت عجزا وفشلا ذريعا في الملف اللبناني والعراقي ، وعجزا أكبر منه في الملف السوري طيلة خمس سنوات. والتي انحصر دورها ونفوذها بالدولارات التي قدمتها سرا لشلة من الفاسدين الانتهازيين الذين أساؤوا اليها ولسوريا وثورتها والعروبة معا، وأول انجازاتهم كانت خلع صفة العروبة عن اسمها … و لم تستطع كسر الفيتو الأمريكي على تسليح المعارضة … لأن المعارضة الموالية لها تحمل أيديولوجيا العداء لأمريكا ذاتها، وتعتبر أن النظام السوري صنيعة للعدو الصليبي الذي يجسده الأمريكي والروسي معا ، والذين توحدا أخيرا ضد هذه الأيديولوجيا وقررا مساعدة النظام وحتى ايران للتخلص منها. ترسم السعودية بكل آسف سياستها بغض النظر عن كل هذه الحقائق وتستمر في ارتكاب الأخطاء ومراكمتها…

هذه السياسة قفزت من دعم التشدد الاسلامي لدعم التدخل الروسي تعويضا عن التدخل الأمريكي، و قررت فجأة العودة للملف السوري الذي أهملته طويلا، ليس عبر التواصل مع القوى الثورية الحقيقية للشعب، ولا الدول المتضررة فعلا ، بل عبر تجميعها لشخصيات سورية كرتونية لملمتها من دول العالم البعيدة ،لا قيمة ولا وزن لها، لتتوهم أنها تمسك بالملف، وذلك بمجرد حضور هؤلاء الأشخاص، الذين سوف تقدمهم للروسي طائعين تحت مسمى المعارضة السورية الموحدة ، لكي يشرعنوا احتلال الروس للدولة المفيدة بعد تغيير بنيتها الديموغرافية، وترك بقية أقسام سوريا للقوى الأخرى لتتقاسمها ، وها هو الأمريكي قد بدأ بالفعل في بناء قواعده العسكرية في كردستان الغربية التي رفضت حتى الحضور للرياض .

السعودية والمعارضة المجتمعه عندها تقوم بواجب وحيد هو إضفاء شرعية سورية وعربية على كل ذلك ، لتضاف للشرعية الدولية التي أعطيت في اجتماعات فيينا، التي رسمت خريطة تقاسم النفوذ في سوريا التي ماتت ، ضمن خطة دولية ، رسمها كيري لافروف ، لتجديد نظام الأسد في ما يعرف بسوريا المفيدة ، تحت العناية والوصاية الروسية المشددة وبالتعاون بين الجميع ، وعلى حساب شعب سوريا بل الوجود العربي السني تحديدا الذي يفترض أن المملكة شقيقته وسنده . ولا مانع من ترك مساحة جغرافية تضمها تركيا في الشمال كأمر واقع ، مقابل قيام دولة كردية تحت الوصاية الأمريكية تهدد وحدة تركيا ذاتها في الغد القريب، أما بقية الصحراء فتبقى الوطن التاريخي للعرب السنة الذين تمثلهم داعش التي ستجد امتدادها الطبيعي نحو نجد والربع الخالي وصولا لحضرموت . حيث سيكون استخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل ايران وروسيا هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على الارهاب العالمي فيها، بينما يكتفي الغرب السعيد بالسماح لمنظمات حقوق الانسان بإدانة هذا العمل المخالف للقوانين الدولية .

فعلى ماذا تبني وتراهن المملكة في سياستها هذه ؟… هل فعلا روسيا ستكون صادقة معها بعد أن تحتل سوريا ؟ وهل هي فعلا ستخرج ايران أم ستخرج تركيا من الملعب السوري ؟ وتساعد ايران على بناء الهلال الشيعي ثم السيطرة على كامل الخليج العربي؟ وهل سيكون العرب السنة بخير في ظل الحكم القيصري الجديد المتحالف مع الأقليات ، أم سيكونوا تحت اضطهاد أقلوي مزمن ومستمر يعرفه جيدا مسلمي أوروبا الشرقية و جنوب روسيا … ويجعلهم ينضمون لداعش .

روسيا وفقا لتصريحاتها العلنية تعتبر الاسلام عدوها اللدود ، وهي تعرف نفسها كدولة صليبية حديثة ، وتعتبر حربها في سوريا حربا صليبية مقدسة من قبل الكنسية الأرذوكسية ، بعد أن كانت تعرف نفسها كدولة ملحدة تعتبر الدين أفيونا للشعوب أيام الشيوعية ، وتتدخل عسكريا في سوريا لمنع الأسد من السقوط و لمنع السنة من الوصول للسلطة بحسب تصريحات لافروف ذاته، ولتقويض النفوذ التركي أساسا بحسب تهديدات بوتين شخصيا لتركيا وللسعودية أيضا، ولتكريس نفسها سيدة في المنطقة بعد تقلص وتراجع النفوذ الأمريكي المتعمد والمخادع، وتعلن صراحة وبكل وضوح أنها حليف داعم لإيران، وتساعد جوا وبرا نظام الأسد الطائفي المرتمي بأحضان ايران والذي يحاول افراغ سوريا المفيدة من العرب والسنة ، وتساعده أيضا في سياسة التطهير الطائفي التي يتبعها عبر تفعيل غاراتها ضد المدنيين . فكيف ترى فيها السعودية شريكا وحليفا ؟؟؟

( قد يكون عقلنا قاصرا عن فهم هذه السياسة ، أو قد يكون فرط التذاكي هو الغباء السافر ذاته ) … نحن نعتقد أن كل من يمتدح هذه السياسة السعودية الساذجة طمعا في دعمها، هو ذاته من يحفر قبرها ويخونها.

اسرائيل لم تر غضاضة في التدخل الروسي الذي ضمن لها حرية الأجواء السورية وأتاح لها قصف الأهداف التي تريد … وهي لا تثق بنظام بوتن لكنها تمتلك من الأوراق الداخلية في روسيا ذاتها ما يجعله يفكر ألف مرة قبل خيانتها … وثمن عدم تهييج الغرب ضد التدخل الروسي قبضه الاسرائيلي بوعد روسي بتقليص خطر حزب الله ، وهو ما يجري فعلا على الأرض وآخره تخليصه مطار الشعيرات في حمص ، والذي سيتبعه اخراجه من القصير التي أفرغها من سكانها ليحولها لمربع استراتيجي لانتاج وتخزين أسلحة متطورة ودمار شامل ، مستفيدا من قربها للحدود اللبنانية ومن مغاور جبالها ، أسلحة فتاكة يعتقد أنها ستستخدم لتهديد وابتزاز اسرائيل والغرب من قبل ايران التي خدعت الغرب ونقلت القسم العسكري من برنامجها لخارج حدودها ، بينما سيسمح للحزب وبقية الميليشيات الشيعية بالقتال على جبهة حلب وحماه ودمشق ضد النصرة ، تحت حماية الطيران الروسي لأنه بذلك لا يهدد أمن اسرائيل … التي تعاملت مع التدخل الروسي بطريقة رابحة ومعلنة ومحددة وواضحة الأهداف.

أما الغرب المشغول بأزمته الاقتصادية البنيوية ، فيفهم أنه قد خسر سوريا لصالح ايران، وأنه إذا أراد هزيمة ايران في سوريا فهذا سيعني انتصار القاعدة وأخواتها بعد أن أصبحوا الجهة الوحيدة التي تقارع الاحتلال الإيراني ، والتي تعتبر الجناح السني المدعوم من الخليج وتركيا بشكل غير معلن، والغرب لا يريد الدخول في معمعة مواجهة سافرة مع العالم الاسلامي ، لذلك سكت عن التدخل الروسي الذي سيورط روسيا في صدام واسع مع كل الاسلام الجهادي … والغرب الذي أهمل ثورة سوريا ولم يحتضنها منذ البداية، ساهم مع سياسات دول الخليج في تفكك الجيش الحر واضعافه واستبعاد الوطنيين الديمقراطيين لصالح تسويد الاسلاميين، وكأنه يريد فعلا الوصول لهذه النتيجة ، عبر تغييب المعارضة السورية المعتدلة التي هي البديل الوحيد عن كل هذا الجنون لو فعلا أرادوا تجنب التطرف وعدم تقسيم سوريا، لكنهم تغاضوا عن التطرف وخطره مقابل تنفيذ مخططهم المجنون هذا.

بينما السعودية هي العاصمة الطبيعية للعالم الاسلامي ، وهي المتهم الأول غربيا وروسيا بتصدير الفكر السلفي الجهادي المتشدد . وهي ترى في التمدد الإيراني الحليف للروسي الذي يحظى بدعم غربي خطرا وجوديا عليها يحاصرها ويهدد باختراقها . والسعودية كان يجب أن تدرك كما تركيا أن الدور قادم عليها ، وأنه يجري اشغالها في اليمن التعيس، للتفرد في قضم سوريا تحت دخان الحل السياسي، ثم تفكيك تركيا وسط ابتسامة مصرية عريضة، وبعد ذلك سيأتي دور المملكة وتكون غنيمة سهلة لكل الأكلة الجائعين في العالم .

ارتجفت سياسات العالم عندما لاح بالأفق احتمال تحالف سعودي تركي مصري حول سوريا ، في مناخ من زخم الربيع العربي … ولكن سرعان ما أعاقه التمسك الصبياني (بنصرة أو بعداء ) جماعة اشكالية ملتبسة لا نفوذ لها هي الإخوان المسلمين ، الذين انكشفت جماهيريتهم الحقيقية بعد الانقلاب حيث لم يتحرك إلا ذوي المعتقلين للمطالبة بحريتهم …… فهناك من خطط لهذه المشكلة وافتعلها عبر دعم الاخوان وتضخيمهم وتصديرهم لواجهة ثورة لم يؤيدوها أصلا ولا علاقة لهم بأهدافها . ثم ازاحتهم عن السلطة عنوة .. ( بالمال الخليجي أخذ الإخوان السلطة وبالمال الخليجي أزيحو عنها ، فمن أمر هذه الدولة لدعم الإخوان ومن أمر دولة أخرى لإزاحتهم هو لاعب واحد أراد وخطط لهذا )

لكن صغر أفق وعقل السياسة العربية والتركية، أتاحت تفكيك هذا المثلث الذي كان قادرا على حسم الصراع في الشرق الأوسط كاملا، ولجم اي تدخل أجنبي سافر فيه عبر تعاونه ودعمه الجدي لثورات الربيع العربي . فكيف زلت قدم السعودية في هذا الموقف الغبي والقصير النظر ، وكيف تسنر عقل الأتراك على دعم الإخوان والإخوان فقط ، هنا المصيبة التي انتهت بمصر ثم السعودية لدعم النظام السوري الذي قتل شعب سوريا حليفهما الطبيعي ، متأملة من هذا النظام الأسدي المجرم أن يخرج بيديه صديقه الذئب الإيراني ، بالتعاون مع الدب الروسي العدو اللدود لكل ما يمت للاسلام بصلة … فهذه والله سياسة لن أفهمها ولا أريد … لأنها تعني فقط تقويض سوريا وافراغها من أهلها وتشريدهم إلى الأبد في دول العالم . إنها تهافت السياسة وسقطها ، و هي العجز والوهن الذي يسبق الموت ….

أخيرا نرجوا منكم شيئا واحدا : أن لا تخدعونا بوثائق ووعود لا تستطيعوا غير كتابتها، لأنها ستذهب أدراج الرياح على طاولة التفاوض في ظل ميزان قوى غير متكافئ، فأي دعم عسكري ستقدمون بعد فرض وقف اطلاق النار واعتبار المتمرد ارهابيا … ومن سيضمن لكم ولنا تطبيق ما يعدوا به ودينهم وديدنهم هو المراوغة والكذب.

قديما قالوا صديقك من صدَقَك لا من صدّقك ، وحديثا أصبحنا نخشى أن نصل لحكمة طبية بسيطة تعلمناها من الممارسة : ( فالج لا تعالج ) . وعليكم السلام .

 كلنا شركاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.