دور المؤسسات التعليمية في نشر ثقافة الحوار بين الأطفال

كيف نجعل من الحوار منهجاً لتربية الأطفال وبناء الفضائل والقيم في نفوسهم؟ ولماذا يُعدّ النّقاش مع الطّفل مطلباً أساسيّاً وطريقةً مثاليّةً في التّنشئة؟ وما هي أخلاقيّات وشروط الحوار التّربويّ النّاجح؟

الأيام السورية؛ ميرا اليازجي

يتعزز اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، الشعور بضرورة دفع الحوار بين المجتمعات والثقافات نحو تحقيق الأهداف الإنسانية، فلا يمكن تصور أي تعاون أو أي حوار حقيقي بين الحضارات والثقافات في عالم يتغير باستمرار دون الإقرار بمبدأ التنوع الثقافي.

فلا بديل عن التربية على الحوار واحترام التنوع الثقافي وصونه باعتباره سبيلاً للتعايش بين البشر، ويقاس تطور المجتمعات الإنسانية بمدى قدرتها على الحوار للوصول الى الحلول الناجحة لحل مشكلاتها المختلفة.

علاقة جدلية بين مؤسّسات التّربية والتّعليم والمناخ الثّقافيّ السّائد

تُعتبرُ مؤسّسات التّربية والتّعليم مرآةً تعكس طبيعة المناخ الثّقافيّ السّائد في الدّولة والمجتمع.

وفي ظلّ أنظمة القمع والاستبداد الّتي هيمنت على المجتمعات العربيّة ـ ومنها لمجتمع السوري ـ لعقودٍ طويلةٍ تحوّلت المؤسّسات التّربويّة في تلك البلدان إلى ما يشبه مراكز تدريبٍ على الطّاعة والإذعان والولاء المطلق.

لا بديل عن التربية على الحوار واحترام التنوع الثقافي وصونه باعتباره سبيلاً للتعايش بين البشر، ويقاس تطور المجتمعات الإنسانية بمدى قدرتها على الحوار للوصول الى الحلول الناجحة لحل مشكلاتها المختلفة.

حيث تقوم أنظمةُ تلك المؤسّسات على أسسٍ تعزّز هيمنة المعلّم أو الوالد على الطّفل، وتعمل على تلقينه المواعظ والأفكار وفقاً لمنهجيّةٍ يعوزها الحوار، وتفتقر إلى الاستفهام والنّقد والتّواصل الفعّال. فكانت نتيجة تلك التّربية تخريج أجيالٍ يسيطرُ عليها اليأس والخوف، فضلاً عن رفض الآخر وتعزيز الكراهية والتّخاصم بين المختلفين.

تساؤلات تبحث عن جواب

لا شكّ في أنّ إدراج الحوار في المنظومة التّربويّة والتّعليميّة ليُصبح أسلوباً ومنهجاً مُعتمداً في التّنشئة هو النّواة الأولى لبناء مجتمعٍ يؤمن أفراده بقيم الحرّيّة والتّعدّديّة والمجتمع المدنيّ.

كيف نجعل من الحوار منهجاً لتربية أطفالنا وبناء الفضائل والقيم في نفوسهم؟

لماذا يُعدّ النّقاش مع الطّفل مطلباً أساسيّاً وطريقةً مثاليّةً في التّنشئة؟

وما هي أخلاقيّات وشروط الحوار التّربويّ النّاجح؟

صورة تعبيرية(صحافة نت)

أهمية الحوار في الميدان التربوي

للحوار في الميدان التربوي أهمية كبيرة لأنه يغرس في نفوس المتعلمين أهمية الحوار الذي يعتمد على تعاون المتحاورين من أجل الوصول الى الحقيقة والتوصل إليها.

إن ما يدعو للحوار مع الطلاب داخل المدرسة والحوار بين العاملين في المؤسسات التعليمية هو الإيمان بضرورة تقبل الطرف الآخر عن طريق التواصل اللفظي وغير اللفظي وهذا الأمر لا يتحقق إلا من خلال الحوار الإيجابي الذي يتيح الفرصة للنمو والتطور والتقدم.

والحوار التربوي، من شأنه أن يقرب وجهات النظر والاتصال والتواصل بين العاملين في تلك المؤسسات.

هذا الحوار يمتلك العديد من الفوائد أهمها، تشجيع الطلاب على المشاركة الإيجابية في عملية التعلم، ويسهم في حل المشكلات الطلابية عن طريق طرح المشكلات في صورة أسئلة ودعوتهم للتفكير في اقتراح الحلول لها مع تكوين شخصية سويّة للطالب تجعله يعتمد على نفسه في التعبير عن آرائه وأفكاره واكتساب مهارات الاتصال والتواصل والتفاعل مع الآخرين، وتوثيق الصلة بين المعلم وطلابه، لان الحوار يعتمد على احترام وتقدير كل طرف للأخر، كما يشجع الطلاب على الجرأة في إبداء الرأي مهما كانت نوعيته وزيادة تفاعلهم في المؤسسة التربوية.

لا شكّ في أنّ إدراج الحوار في المنظومة التّربويّة والتّعليميّة ليُصبح أسلوباً ومنهجاً مُعتمداً في التّنشئة هو النّواة الأولى لبناء مجتمعٍ يؤمن أفراده بقيم الحرّيّة والتّعدّديّة والمجتمع المدنيّ.

دور المؤسسات التربوية في نشر ثقافة الحوار

أكدت نظريات علم النفس التربوي أنه ليس هناك من مهمة خطيرة وعظيمة مثل مهمة بناء الانسان عقلياً وسلوكياً، وإذا كانت الأسرة هي أصغر وحدة اجتماعية تضطلع بنصيب كبير في أداء المهمة، فإن للمدرسة الدور الأكبر كونها هي إحدى المؤسسات التي تسهم مع الاسرة في إعداد وبناء الأفراد وتربيتهم وتعليمهم، كما تسهم بشكل فاعل في نشر ثقافة الحوار وترسيخ آدابه في نفوس الطلاب وتحقيق العديد من الأهداف التربوية المنشودة.

وبالتالي فإن المعلم لا يكون فقط ناقلاً العلم للطلاب، وإنما يعتبر الأداة الأمثل لغرس القيم النبيلة في السلوك والأخلاق، وبناء شخصية الفرد تحقيقاً للأهداف التربوية والاجتماعية التي يسعى اليها المجتمع، وخصوصاً فيما يتعلق بثقافة الحوار التي أضحت ضرورة حياتية لبلوغ الأهداف المشتركة للإنسانية، وهذا لا يتم إلا من خلال إرساء قاعدة تربوية وتعليمية تتولى إنجاز هذه المهمة.

وهنا لا بد من سياسة تعليمية جديدة تقوم على عنصرين أساسيين، العنصر الأول، التحويل الجذري للعملية التعلمية من عملية تقوم على تلقين وتقوية الذاكرة الى عملية تقوم على الحوار والنقاش. والثاني، التسامح مع الاختلاف، والحرص على التعددية.

صورة تعبيرية(صحافة نت)

دور المعلمين في نشر ثقافة الحوار

يحتل المعلم مكانة بارزة في الميدان التربوي، فهو من يباشر العملية التربوية، وهو القدوة الحسنة أمام الطلاب لأنه يقضي معهم وقتاً طويلاً، وتقتضي عملية التعليم اختيار أساليب التدريس المناسبة من أجل توصيل المعلومات للطلاب وتعليمهم المهارات وإكسابهم اتجاهات إيجابية في الحياة.

ولكي يقوم المعلم بنشر ثقافة الحوار بين الطلاب لا بد أن يقوم بالآتي:

• إشعار الطلاب بأهمية طرح آرائهم المختلفة.
• إتباع أساليب الحوار في طرق تدريس الطلاب.
• تنمية مهارات الحوار لدى الطلاب.
• تعزيز مصادر المعرفة وتوجيه الطلاب إليها.
• احترام آراء الطلاب وتشجيعهم على التساؤل والاهتمام بالإجابة عليها.
• توفير جو من الأمان وحرية التعبير وحفز الطلاب وتشجيعهم على إبداء الرأي والتفكير في حل المشكلات التي تواجههم.
• تعزيز العلاقات الحوارية بين الطلاب من خلال الأنشطة الطلابية، طريق المسارح واللقاءات والندوات المختلفة بالإضافة الى متابعة مشاكل الطلاب مع المعلمين والأسرة.
• تفعيل دور المكتبات في المدارس في توسيع مدارك الطلاب وزيادة المعرفة وتنمية روح البحث العلمي.

إن غرس ثقافة الحوار في نفوس طلابنا وممارسته في البيئة المدرسية مطلب تربوي وتزداد حاجتهم الى الحوار في ظل المتغيرات الدولية والعالمية التي نوعت أساليب الحصول على المعارف والمعلومات والأفكار.

تبعات انعدام لغة الحوار

في حال تغّيب ثقافة الحوار يسود التسلط والعنف، وهذا من شأنه أن يوّلد عند الطلاب إحساساً بانعدام الثقة وعدم التوازن والشلل الذهني ويفقد القدرة على التفكير والتحليل والتحاور، وإذا ما تسربت ثقافة القمع والتسلط الى أسلوب الشباب مع بعضهم البعض فستنتقل بدورها الى طريقة تفكيرهم وحديثهم ومفرداتهم وسيؤثر ذلك على علاقتهم ببعضهم، ومن ثم سيؤدي الى خلق العنف الاجتماعي.

تغييب ثقافة الحوار يبدأ من خلال علاقة الاب مع أبنائه والقائمة على قانون التسلط الذي يحكم تلك العلاقة، فيغرس الأب الخوف والطاعة في نفوس أبنائه، فيحرمهم من النقد الحواري فيما يتعلق بشؤون الأسرة ويتعرضون الى قائمة لا تنتهي من الأوامر والنواهي باسم التربية الخلقية، وتتمدد ثقافة التسلط الى المدرسة والعلاقة بين الهيئة التدريسية والطالب الذي اعتاد التلقين وحرم من الحوار والتفكير.

إن غرس ثقافة الحوار في نفوس طلابنا وممارسته في البيئة المدرسية مطلب تربوي وتزداد حاجتهم الى الحوار في ظل المتغيرات الدولية والعالمية التي نوعت أساليب الحصول على المعارف والمعلومات والأفكار.

وأن غياب الحوار عن مدارسنا ومؤسساتنا التربوية سيؤدي الى كبت أفكار الطلاب وهمومهم وطغيان الأنانية ومحدودية رؤيتهم للأمور والأحداث من حولهم، لذا يجب تفعيل دور المؤسسات التربية في مجتمعنا بكافة مستوياتها وأركانها لتكون آداه فاعلة وجسر تواصل بين المجتمع والتعليم من جهة وبين مؤسسات التعليم من جهة أخرى لتعزز من مستوى التكامل والتعاون وتعمل على تكوين حلقات ربط قائمة على الشراكة بين البيت والاسرة والمدرسة والجامعة.

مصدر (د. خيام محمد الزعبي، ثقافة الحوار في مؤسساتنا التربوية) (عصام سيد أحمد السعيد، نحو بيئة تربوية جامعة داعمة لثقافة الحوار بين الطلاب) (د. يحيى جبر، أ. عبير حمد، دور المؤسسات التعليمية والأهلية في نشر ثقافة الحوار)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.