دور الغرب بفشل ثورات الربيع العربي (2/2)

عمت المظاهرات تونس ومنها امتدت إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها. كانت زلزالا سياسيا أطاح بدكتاتوريات متجذرة، كان يعتقد أنها باقية للأبد. لكن مع الأسف الربيع العربي انتهى بشتاء بائس. هل كان لدول الديمقراطية في العالم دور في عدم رعاية الديمقراطية الوليدة؟؟

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

منذ عشر سنين، عمت المظاهرات أغلب المدن التونسية ومنها امتدت إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها. كانت بمثابة زلزال سياسي أطاح بدكتاتوريات متجذرة، كان يعتقد أنها باقية للأبد ولا يمكن زحزحتها. لكن هرب الرئيس التونسي “زين العابدين بن علي” من تونس بعد 28 يوماً من اندلاع المظاهرات، أضاء أملاً في نفوس شعوب المنطقة التي تعاني من أوضاع مشابهة.

لكن مع الأسف الربيع العربي ذبلت أزهاره وانتهى بشتاء بائس.

هل كان لدول الديمقراطية في العالم دور في عدم رعاية الديمقراطية الوليدة؟؟

المأساة السورية

في سوريا كان الوضع أكثر مأساوية، لقد رد نظام بشار الأسد بوحشية على كتابات أطفال مدينة درعا، عبارات تهكمية على جدار مدرستهم في آذار 2011. حيث اعتقل الأطفال وتعرضوا لتعذيب قاسي، منهم من مات تحت التعذيب، ومن بقي لم يفرج عنهم ولا يعرف مصيرهم.

عندما طالب الأهالي بأبنائهم، رد عليهم آنذاك رئيس فرع الأمن وقريب بشار الأسد باحتقار واستفزاز، فكان أن انتفضت المدينة بمظاهرة حاشدة، تم قمعها بشدة، كما تعرضت المدينة لعقاب جماعي، لقد أُغلقت المدينة أسبوع، تدخل الجيش مع قوات الأمن “لتأديب البلدة، والشعب السوري كله، من خلالها” ليصبح في بعد نمطاً سائداً من تعامل النظام السوري مع احتجاجات المتظاهرين السلمية.

وقتها انتفضت أغلب المدن والبلدات السورية، نصرة لدرعا ومطالبة بإصلاحات سياسية، ما لبثت أن تحولت إلى المطالبة بإسقاط النظام؛ الذي قابل المظاهرات السلمية والشعب الأعزل بإطلاق النار بشكل مباشر عليهم، بالإضافة لأشكال مبتكرة للقتل والإيذاء، وتطور إلى استخدام الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي لقصف المدنيين؛ رافق ذلك اعتقال عشرات الآلاف والتنكيل بالشعب لزرع المزيد من الخوف ودفعه للتراجع، والعودة ثانية إلى دائرة الخوف والخنوع.

كان السوريون ينتظرون تدخل الغرب لحمايتهم والضغط على بشار الأسد للتنحي عن السلطة. استبشرنا خيراً بزيارة السفير الأميركي مع السفير الفرنسي إلى حماة لتأييد المظاهرات هناك، بما تعنية مدينة حماة كمدينة تعرضت لمجازر قوات الأسد في ثمانيات القرن الماضي.

بالبيانات المتكررة التي أصدروها والتي تطالب النظام السوري بالامتناع عن استخدام القوة ضد المدنيين، والعقوبات الاقتصادية التي فرضت على شخصيات ومؤسسات قريبة من النظام، كنا نتوقع المزيد. لكن لم نتلق أكثر من وعود وشجب وقلق.

ثم توقفوا عند عتبة التمكين والتدريب وتنفيذ برامج موجهة وإغراق هيئات ومنظمات وليدة بالمال ورفاهية غير مألوفة، في وقت كان السوريون تحت الحصار والقصف وبراميل الموت أو مغيبين في المعتقلات. قدموا لمال والسلاح وفتحوا الحدود باتجاه واحد، ليدخل كل من هب ودب، لتتحول سورية إلى إمارات وسلطات أمر واقع؛ تمارس على كامل الجغرافية السورية أعمال عنف ووحشية لا تقارب تصرفات البشر، ولا تبرأ منها أي جهة. لقد قدموا دعماً لوجستياً وعسكرياً بسيطاً لبعض الفصائل، لكن رفضوا تقديم مضادات جوية، في وقت كان الطيران يحصد يومياً مئات الأرواح. وبعد قصف قوات النظام غوطة دمشق بالسارين، طلع الرئيس الأميركي أوباما ليقول “السلاح الكيميائي خطاً أحمر” لكن هل ما عداه مسموح؟!!

ويعتبر المدير في مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما “أليكس بيك” أنه “لم يكن هناك من صلة بين الناشطين والفصائل المسلحة. وشكّل بناء الجسور بين الطرفين محور تركيز رئيسي للدبلوماسية الأميركية لسنوات عدة”. ويضيف “لا أعتقد أن ذلك نجح في نهاية المطاف”.

غياب الرؤية الاستراتيجية

يتفق الباحثون في تقييمهم على أن الغرب بدا كأعمى غير آبه بما يجري وافتقد للشجاعة اللازمة لاقتناص زمام المبادرة. ويرى “نديم حوري” المدير التنفيذي لـ”مبادرة الإصلاح العربي” أن الغربيين “استغرقوا أشهرا عدّة للتفكير في الأمر، ثم أغلقوا الباب بسرعة في وجه تجربة التغيير الديموقراطي هذه”. ويضيف “بين العامين 2012 و2013، رأيناهم يعودون برؤية تستند فقط إلى الأمن الإقليمي؛ يتابع: الغرب “في ظل هذا الفشل الهائل والخسائر، وهذه المأساة الإنسانية، فوّت موعده مع القدر”.

ويعتبر الدبلوماسي الهولندي السابق في العراق “نيكولاوس فان دام” أن واشنطن “لم ترغب بالهجوم قط”. ويشرح كيف أن تحديد “خط أحمر” كان دائماً “موقفاً ضعيفاً، مفاده “يمكنك استخدام القنابل العنقودية والبراميل المتفجرة والفوسفور وجميع أنواع الأسلحة، ولكن ليس الأسلحة الكيماوية”.

ويشرح “هولاند” أن أوباما رفض القيام بعمل عسكري لأنه انتخب على أساس تعهّد بسحب القوات الأميركية من الصراعات في الشرق الأوسط، ولأن القادة الأوروبيين لا سيما في بريطانيا وألمانيا عارضوا ذلك.

ويستعيد كيف أنه اتفق معه مرة على “عملية كانت الجيوش تعدّ لها، والدبلوماسيون يعملون لإضفاء الشرعية عليها في مجلس الأمن. كان كل شيء جاهزاً. في اليوم التالي قال لي “سأطلب من الكونغرس الإذن بذلك”. عندها علمت أن الأمر قد انتهى”. لم يتخذ صلاحياته وحول القرار إلى الكونغرس الذي رفض التدخل. وأقرّ أوباما بعد فوات الأوان ــ بأن ذلك كان “خطأ استراتيجياً”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.