دور الغرب بفشل ثورات الربيع العربي (1/2)

عمت المظاهرات تونس ومنها امتدت إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها. كانت زلزالا سياسيا أطاح بدكتاتوريات متجذرة، كان يعتقد أنها باقية للأبد. لكن مع الأسف الربيع العربي انتهى بشتاء بائس. هل كان لدول الديمقراطية في العالم دور في عدم رعاية الديمقراطية الوليدة؟؟

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

منذ عشر سنين عندما أشعل الشاب التونسي “البوعزيزي” عود ثقاب بجسده المبلل بالبنزين وحرق نفسه أمام بلدية مدينته “سيدي بوزيد” احتجاجاً على مصادرة شرطة البلدية، العربة التي يبيع عليها الخضار والفواكه، مصدر رزقه وكل رأسماله، وتنديداً برفض سلطات المحافظة قبول الشكوى بحق الشرطية التي صفعته أمام الملء وقالت له (Dégage/ ارحل). كانت بداية عهد جديد للدول العربية.

عمت المظاهرات أغلب المدن التونسية ومنها امتدت إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها. كانت بمثابة زلزال سياسي أطاح بدكتاتوريات متجذرة، كان يعتقد أنها باقية للأبد ولا يمكن زحزحتها. لكن هرب الرئيس التونسي “زين العابدين بن علي” من تونس بعد 28 يوماً من اندلاع المظاهرات، أضاء أملاً في نفوس شعوب المنطقة التي تعاني من أوضاع مشابهة.

لكن مع الأسف الربيع العربي ذبلت أزهاره وانتهى بشتاء بائس.

هل كان لدول الديمقراطية في العالم دور في عدم رعاية الديمقراطية الوليدة؟؟

النجاح في تونس

“زين العابدين بن علي” الذي حكم تونس 23 سنة؛ اضطر تحت ضغط الشارع التونسي أن يتخلى عن الحكم. كانت لحظة فرح عارمة للشعب التونسي وسائر الشعوب العربية. كان نصراً لإرادة الشعب على قوة الطغاة؛ ومحرضاً للشعوب المقهورة لكسر حاجز الخوف والخروج للشوارع والساحات بمظاهرات حاشدة والمطالبة بالحرية والكرامة، كأحد أشكال النضال السلمي، كان تحركاً شعبياً متضمناً الرقي والتضامن الإنساني والمجتمعي. لحظة تاريخية أبهرت العالم وفاجأته وربما أقلقته ولخبطت موازينه ووضعته أمام مسؤولياته تجاه قيم حقوق الإنسان والديمقراطية التي يتبناها ويدافع عنها إعلامياً ونظرياً.

ووفقاً لرأي سفير فرنسا السابق لدى طهران “فرانسوا نيكولو” أنّ وزارة الخارجية الفرنسية “كانت على دراية كاملة بهشاشة النظام التونسي”، لكن صانعي القرار الحكوميين الذين كانوا يقيمون علاقات وثيقة مع تونس، “رفضوا الاستماع إلى صيحات المتظاهرين. كما لم تقدم فرنسا أي مبادرة لدعم المحتجين مع تصاعد النقمة ضد الرئيس بن علي. وعلى العكس كانت وزيرة خارجية فرنسا تمضي عطلة نهاية 2010 في تونس بفترة تصاعد الاحتجاجات، مما عرضها لانتقادات شديدة.

وكانت باريس قد تجاهلت منذ فترة طويلة قادة المعارضة في المنفى ولم يتم التواصل معهم؛ حسب الباحث “ستيفان لاكروا” من معهد باريس للدراسات السياسية “اعتقدنا أن هذه الدكتاتوريات ستستمر إلى الأبد”، لقد تم تجاهل “المنصف المرزوقي”، أول رئيس منتخب ديمقراطياً، وأيضاً زعيم حزب النهضة الإسلامية “راشد الغنوشي”. لذلك لم يكن لفرنسا أي محاورين في تونس، بعد تخلي ابن علي عن الحكم وفراره.

من الثورة التونسية(العربي الجديد)

شرارة الثورة اشتعلت في مصر

كان انتقال شرارة الثورة إلى مصر ـ التي حكمها “حسني مبارك” منذ عام 1981، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، ويحصل منها على مساعدات عسكرية سنوية بقيمة مليار و3 مليون دولار ـ “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركية”؛ محل اهتمام خاص لإدارة الرئيس “باراك أوباما” الذي أوفد وزيرة خارجيته “هيلاري كلينتون” إلى مصر، لكنها كانت مشككة وغير مقتنعة، وحسب مراقبين، خشيت “كلينتون” من ردود أفعال شركائهم الخليجيين الرئيسيين، الذي كان بعضهم يخشى صعود نفوذ الإخوان المسلمين.

أما “محمد البرادعي” الدبلوماسي السابق وعالم الذرة الذي عاد إلى مصر عام 2010 فقد حمل بشكل مباشر المجتمع الدولي مسؤولية مآل الثورة المصرية “غياب رؤية متوازنة وسياسة طويلة الأمد من الغرب عاد ليطاردنا”. يتابع “لم تكن لدينا الأدوات ولا المؤسسات”، ولم يكن ممكناً “القفز من ستين عاماً من الاستبداد إلى ديموقراطية كاملة، كنا أشبه بمن هو في حضانة أطفال عليه الانتقال منها مباشرة إلى الجامعة”.

فوز مرشح الإخوان المسلمين “محمد مرسي”، بأول انتخابات ديمقراطية بعد سقوط “حسني مبارك”؛ وضع الإدارة الأميركية في موقف حرج، حيث دافعت عن انتخابات ديمقراطية حرة في مصر، لتأتي النتيجة برئيس إسلامي. فوز “محمد مرسي” بالانتخابات أغضب أنصار ثورة 25 يناير وتم الطعن بالانتخابات، كما اتُهمت واشنطن بمساعدة الإسلاميين على “سرقة الانتخابات” وخيانة تطلعات الشعب المصري للديمقراطية. وعند زيارة “كلنتون” لمصر في تموز/ يوليو 2012 ولقائها بالرئيس مرسي، رشق المتظاهرون موكبها بالأحذية وحاصروا الفندق الذي كانت تقيم فيه.

بعد أقل من سنة قاد اللواء “عبد الفتاح السيسي” انقلاباً عسكرياً ضد “محمد مرسي”، بدعم من الإمارات والسعودية مع إيعاز بالقضاء على جماعة الاخوان المسلمين.

لتبدأ مرحلة جديدة من حكم العسكر وتقييد الحريات وملاحقة الناشطين/ات المدنيين وناشطي حقوق الإنسان. مع تدهور الوضع الاقتصادي والتغول الأمني، بحيث أصبح الوضع أسوأ من فترة حكم “حسني مبارك.”
ورغم عدم استجابة القاهرة لدعوات واشنطن المتكررة، بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، استؤنفت المساعدات العسكرية الأميركية عام 2015، عندما أصبح الجيش المصري حليفاً رئيسياً بالحرب ضد الجماعات الجهادية في سيناء. حيث يشكل صعود التنظيمات الإسلامية المتطرفة مصدر قلق لواشنطن وحليفتها إسرائيل.

الممصريون في ميدان التحرير بالقاهرة (رويترز)

إرادة اقتلاع القذافي

في ليبيا كان الوضع مختلفاً، لقد بدأ المظاهرات الشعبية في ليبيا في شباط/ فبراير 2011، بادرت فرنسا على الفور بطلب التدخل العسكري دعماً للمتظاهرين، وفي آذار أجازت الأمم المتحدة بالقرار 1973 استخدام القوة لحماية المدنيين، وبدأ حلف الأطلسي ضربات جوية ضد قوات القذافي، تجاوزت قوات التحالف بضرباتها حدود القرار الدولي، كانت إرادتها اقتلاع القذافي. يوضح “لاكروا” إنَّ القذافي خلال أربعة عقود “حكم بلا دولة، اعتمد على الأجهزة الأمنية ونظام القبائل.. لم يكن للبلد حياة سياسية ولا أحزاب ولا مجتمع مدني أو جمعيات.” بمقتل القذافي، أصبحت ليبيا دولة بلا رأس، لذا تفاعلت الخصومات القبلية بسرعة.

أما “فرانسوا هولاند” الرئيس الفرنس السابق، والذي كان حينها في المعارضة السياسية، يشرح “في أوربا رأي سائد أن الديمقراطية تزرع نفسها دون الحاجة للدفاع عنها أو رعايتها”، وعلى الحكومات الأجنبية “أن تمتنع على فرض نظام سياسي، على الشعوب أن تنتخب قادتها”.

ثورة الليبيين ضد القذافي (مصر العربية)
مصدر وكالات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
3 تعليقات
  1. م.اسماعيل يقول

    هناك مثل شعبي يقول : ( لو طاح الجمل كثرت سكاكينه ) .
    وعندما تتحرك الشعوب في دولة ما ضد حكامها الذين حافظو قر المستطاع على مستو ى متقدم من الجهل على أوسع شريحة من الشعب ومستوى اكثر تقدما من الفقر والبطالة تأكيدا لقول الدكتور محمد البرادعي في مقولة الاستاذة كفاح حيث ان سواد الشعب في مرحلة الحضانة او انه لا يملك الخبرة السياسية ولا الادارية مع تحديات أمنية وعسكرية عالية مع ضعف الموارد والامكانات فكان باشد الحاجة لمن يقف معه من الدول التي طالما تغنت ونادت وحاكمت وشنت حربا وفرضت عقوبات من اجل حقوق الانسان لكنها وقف تنظر الى مسار الاحداث فإن سار وفق مصالحها دعمته وان سار ضد مصالحها عرقلته مباشرة او باستخدام اذنابها في المنطقة .
    نشكر الااستاذة كفاح على تقديم كل ماهو مفيد باسلوبٍ سهلٍ موجزٍ وافٍ .

  2. كفاح زعتري يقول

    الشكر موصول لحضرتك أستاذ اسماعيل متابعاً دائم لمواد الموقع
    هناك مسافة بين الشعارات التي تتبناها الدول الغربية وتطبق في دولها، وبين تعاملها ونظرتها للدول الأخرى وشعوبها. يقف بينها مصالحها الإقليمة والاقتصادية. نتذكر معاً استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرئيس السيسي في قصر الإليزيه وتكريمه بوسام جوقة الشرف الفرنسية وهو أعلى تكريم رسمي في فرنسا، بالرغم من انتهاكات السيسي المتكررة لحقوق الإنسان، ضارباً عرض الحائط بدعوات ومناشدات المنظمات الحقوقية والإنسانية للكف عن تلك الممارسات. والتي تجاوزت تللك التي كانت في عهد حسني مبارك.
    مع أطيب التحيات
    كفاح زعتري

  3. […] دور الغرب بفشل ثورات الربيع العربي (1/2) […]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.