دكتوراه شرف في سرقة الأوطان | بقلم د. سلوى الوفائي

يحدّثنا التاريخ أنّ الجامعة العبرية هي أول جامعة في العالم تمنح دكتوراه شرف في اغتصاب الأوطان عام 1978 و حامل اللقب كان مناحيم بيغن. لا أحد يعترض على الاحتفاء بالوطنيين و تزييين صدورهم بأوسمة الشرف و منحهم الألقاب العلمية الرفيعة حين يكون هؤلاء قد جنّدوا أنفسهم في خدمة قضايا الحقّ و العدل و الحرية لا بالنسبة لوطنهم فقط بل بالنسبة لكلّ الأوطان كما فعل ابراهام لنكولن و عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لكن لم يحدث أن منحت جامعة أمريكية لقب دكتوراه شرف في تحرير العبيد لإبراهام لنكولن، أو منحت جامعة عربية دكتوراه شرف في العدل للفاروق عمر. فما هي استحقاقات بيغن التي خولته أن ينال هذا الشرف؟

كلّ ما يعرفه التاريخ عن مناحيم بيغن- استناداً إلى سجله العدلي- أنّه رجل متخصص في سرقة الأوطان و هذه الموهبة الأكاديمية النادرة هي التي ألهمت الجامعة العبرية أن تتخذ قرار المنح تقديراً لنضاله الطويل في إقامة دولة اسرائيل في فلسيطن. طبعاً لا أحد يلوم الجامعة فيما ذهبت إليه لأنّها مؤسسة اسرائيلية قبل كلّ شيء تعمل في خدمة الوطن الاسرائيلي و الفكر الاسرئيلي و كلّ أبحاثها العلمية تدور في فلك القضاء على الجنس البشري الفسطيني و قطع ذريته و تخريب الجينات العربية وتحويلها إلى طفرات معدّلة وراثياً مشاركة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تحقيق رؤيتها و رسالتها و أهدافها المقررة. إنّها دكتوراه شرف في الاعتداء على شرفنا! و لأول مرّة يعترف مسؤول عربي كبير بخلاصة المهزلة حين قال الشيخ حمد بن جاسم ( اسرائيل ليست ذئباً و لكنّنا نعاج ).

يتجدد العدوان في القصف على غزّة في هذه الآونة التاريخية البالغة التعقيد، رغم اتفاق التهدئة بين اسرائيل و المقاومة الشعبية الفلسطينية، و لأنّه ليس في التاريخ مصادفات يتبادر للذهن فوراً هذا التزامن بين إغلاق مكاتب حماس في دمشق بالشمع الأحمر و بدء الغارات الإسرائيلية على مواقع حماس في غزّة و اغتيال أحمد الجعبري القائد الميداني لحماس. اسرئيل التي ما فتأت تدعم ربيبها المدلل الأسد و تؤمن له التغطية السياسية و الإعلامية ليمعن في قتل الشعب السوري العظيم و يدمر سورية الفاتنة و تمنع صدور أي قرار بإدانة جرائمه و عزله عن الحكم تأتي اليوم – بعد أن شهد العالم تقدّم جيش سورية الحرّ و فصائل الثورة و اقترابهم من تحقيق النصر لاسيّما بعد استهداف القصر الجمهوري مرات و استهداف مقرات الأمن و المخابرات السورية و المطارات العسكرية و السيطرة على 70% من مساحة الأرض السورية و مجمل الحدود السورية التركية و السورية العراقية –  تأتي اليوم لتشعل المنطقة ناراً و تصرف أنظار العالم عن حمام الدماء السوري و تخلط الأوراق في محاولة لدعم الأسد و مدّ عمر حكمه الدكتاتوري الذي حمى حدودها نصف قرن من الزمن. فهل اسرائيل وحدها صاحبة المصلحة في تدمير سورية و إعاقة نهضتها و حريتها؟

من يقرأ التاريخ يدرك أنّ اسرائيل لم تكن إلّا صنيعة العالم الغربي و يده المخربة في المشرق العربي. فأول من اقترح إقامة دولة صهيونية في فلسطين الزعيم نابليون بونابرت حين طلب من اليهود تشكيل مجلس السندرين ( Sanhedrin ) و هو هيئة قضائية حثّها نابليون على مساندة يهود أوروبا في احتلال الشرق العربي واعداً إياهم بمنحهم فلسطين على تكون سلطتهم فيها ذاتية تحت النفوذ الفرنسيو رغم فشل مشروعه إلا أنّه زرع بذور الفكرة.

تلا نابليون عضو البرلمان البريطاني لورانس أوليفانت عام 1829 الذي كتب كتاب ( أرض الميعاد) يدعو فيه لإقامة مستوطنة يهودية شرق الأردن تحت السيادة العثمانية و الحماية البريطانية و قدم توصيات منها 1- طرد البدو من فلسطين لأنّهم مولوعون بالحروب 2- عزل الفلاحين الفلسطينين و وضعهم في أرض خاصة كالهنود الحمر في أمريكا الشمالية و بدأ بتشكيل مؤسسات تشجع هجرة يهود روسيا إلى فلسطين و تدعمهم مادياً و معنوياً. فكانت الهجرة الأولى و الثانية. بعض اليهود هاجروا إلى أمريكا و ازداد عددهم بشكل مقلق مما نبّه الأمريكين إلى ضرورة دعم المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. وجاء اللورد شافتسبري عام 1830 ليطلق مقولة (فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض- أيْ اليهود) زمن وزير الخارجية البريطاني بالمرستون و شجعوا اليهود على الهجرة إلى فلسطين، فهاجر فقراء اليهود بينما بقي أغنياؤهم في أوروبا، و وجدوا صعوبات في التأقلم في فلسطين لأنهم لم يعتادوا على العمل في الزراعة فكتب شافتسبري إلى بالمرستون ” إنّ اليهود يفضّلون مقعداً في مجلس العموم البريطاني على مقعد تحت أشجار العنب و التين في فلسطين”. و عام 1838 افتتحت أول قنصلية بريطانية في القدس لتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين و دعمهم وحمايتهم. و رغم كلّ محاولات بريطانية الحصول على موافقة السلطان عبد الحميد بإقامة المستوطنات اليهودية رفض السلطان رغم غرق الدولة العثمانية بالديون و ضعفها الاقتصادي و حاجتها إلى الإغراءات المادية التي قُدمت لها حيث أكّد السلطان عبد الحميد أنّه لا يملك فلسطين حتى يتنازل عنها بل هي ملك الشعب.

و قد ذكر توماس كلارك عام 1861 في كتابه ( الهند و فلسطين ) أنّ بعث الأمة اليهودية ينعش اسرائيل و يعود على بريطانيا بأفضل المنافع قاطبة و بذلك خططت بريطانيا للمحافظة على امبراطوريتها الممتدة من كندا غرباً إلى الهند شرقاً و استراليا جنوباً – الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

وجاء موشي هس و هو أحد مؤسسي الصهيونية اليهودية عام 1862 لينشر كتاب (روما و القدس) كمؤشر على أنّ الحركة الصهيونية إنّما هي وليدة العالم الغربي الأوروبي. وهكذا نجح الصهاينة الأوربيون بإغراء يهود العالم بفكرة الصهينة. و جاء تيودور هرتسل مؤسس الحركة الصهيونية اليهودية لينشر كتاب ( الدولة اليهودية) عام 1895 و أقام أول مؤتمر صهيوني في بازل- سويسرا عام 1897 و حين عاد إلى بريطانية كتب ( لقد أسست الدولة اليهودية ….. بعد خمسة أعوام أو خمسين عاماً ).

 ثم جاء مؤتمر الدول الأوروبية عام 1907 ليطرح فكرة زرع جسم غريب في المشرق العربي يحفظ مصالحهم التجارية الاقتصادية و يعيق قيام دولة عربية لها مقومات الدول القوية كوحدة الدين و اللغة و التاريخ. و قرروا أن يكون هذا الجسم الغريب ( دولة اسرئيل) بهدف عزل يهود العالم و حصرهم في منطقة واحدة بعيداً عن أوروبا و تحقيق مصالحهم الاستعمارية من خلال هذا الكيان الاستيطاني الجائر و تكلل وعدهم لليهود في وعد بلفور 1917.

كلّ ماسبق يؤكد أنّ اسرئيل لم تكن و لن تكون بهذه القوة لولا وقوف دول العالم الغربي وراءها و دعمهم المطلق لها بما يحقق مصالحهم الاستعمارية و الاقتصادية بعزل يهود العالم و السيطرة على المشرق العربي و إعاقة تقدمه و نهضته و تكريس النزاعات في المنطقة و منع تحقيق أحلام الشعب العربي في الوحدة و الحرية و التحرر. لذلك كانت حركات التحرر العربي ( الربيع العربي ) ضربة قاسية في عمق سياساتهم شيئاً لم يكن في أجنداتهم و حساباتهم و تجلى تخبطهم في ردود أفعالهم تجاهها و التناقض العجيب في مواقفهم منها. ففي حين ساندوا الثورة المصرية و أنهوها في 17 يوماً في حلّ سلمي سياسي، و ساندوا الشعب الليبي فأنهوا ثورته بتدخل عسكري مباشر، و صفقوا لربيع تونس و ربيع اليمن، وقفوا موقف المتاجر المنافق حيال الشأن السوري لما فيه من خطورة على مصالحهم و مصالح مدللهم اسرئيل، لاسيّما بعد وضوح الصورة في احتمال انتصار الحركات الإسلامية في سورية و توليها الحكم و أول أولوياتها القضية الفلسطينية و تحرير القدس الشريف.

يزداد المشهد تعقيداً و كلّما ضاق …. كلّما اقترب من الفرج ولا يموت حقّ وراءه مُطالب!

تعليق 1
  1. فرقد الشام يقول

    للتذكير … فإن نابليون بونابرت ابن غير شرعي ليهودي فرنسي وتُعزى بعض انتصاراته في أوروبا إلى الرشاوى والمؤامرات والاغتيالات التي قام بها اليهود لضمان انتصار ربيبهم نابليون … وقد كان أحد أسباب فكرة إيجاد وطن لليهود خارج أوروبا ( حيث كانت هناك اقتراحات لبلدان غير فلسطين لتأسيس دولة يهودية مثل الأرجنتين وجنوب أفريقيا ) التخلص من الإفساد اليهودي الذي عانت منه أوروبا إضافة لضمان وجود عميل للغرب يرعى مصالحه في منطقة الشرق الأوسط ( كما أسموها ) بسبب اضطرارهم لمنح الاستقلال لهذه البلدان بعد الحرب العالمية الثانية … إنها عملية مصالح متبادلة فيما بينهم والضحية هي ( نحن ) …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.