دعاةَ الجهاديّةِ العالميّة: هلاَّ سُسْتُمْ السوريين بغير ما أنتم عليه!

بقلم: د. محمد عادل شوك

 

 
يذكر المؤرخون عن الفتوحات الإسلامية خارج الجزيرة العربية، أمرين اثنين يجدر بنا أن نتوقف عندهما:
الأول: عن فتح بلاد ما وراء النهر، التي تعرف اليوم بجمهوريات آسيا الوسطى، وهي: أوزبكستان، و طاجيكستان، و كازاخستان، و تركمانستان، و قرغيزيا، و سكانها من العنصر التركي، الذين انحدروا إليها من الشرق منذ القرن السادس الميلادي، و كوَّنوا لهم فيها عدة ممالك مستقلة.

 

 
لمّا أراد الأمويون فتح هذه البلاد، و تهيئتها لقبول الإسلام، عقيدة و فكرًا و ثقافة و سلوكًا، قاموا بالعمل على كسب ثقة أهلها، فأحسنوا إليهم، وقربوهم، وعهدوا إليهم بالوظائف، و أكثروا من استخدامهم في الإدارة، لا بلْ في الجيش نفسه، و هو الأمر الذي سار عليه العباسيون أيضًا، فيذكر لهم توسعهم في هذا المجال، فلقد أنشأ الفضل بن يحيى البرمكي في عهد هارون الرشيد فرقة كبيرة في خراسان من الأتراك الغربيين، بلغ عددها خمسين ألف مقاتل، بعث منهم عشرين ألفًا إلى بغداد، و أطلق عليهم ( الفرقة العباسية )، و كذلك اشترك في قوات علي بن عيسي رجال من الصغد، و كان جيش طاهر بن الحسين يضم سبعمائة من الخوارزم.

 

 

 
لقد دعا المأمون الكثير من زعماء الأتراك إلى الدخول في خدمته في بغداد، و منحهم الصلات و العطايا، و ألحق كثيرًا من فرسانهم بالحرس الخليفي، و أصبح جل شهود عسكر المعتصم من جند أهل ما وراء النهر، من الصغد و الفراغنة و أهل الشاش و غيرهم، و حضر ملوكهم ببابه، و غلب الإسلام على ما هناك، و صار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك؛ ففتح بهم مواضع لم يصل إليه أحدٌ من قبله.

 

 

 
لقد أثمرت هذه السياسة المتبعة فيهم، فاطمأن أهل تلك البلاد إليهم، و وثقوا بهم وبقيادتهم، فدخلوا في الإسلام عن بكرة أبيهم، وسارت الثقافة الإسلامية في ركاب الإسلام، وتوطدت أركانها بين أهلها، ولم تعد ثقافة الوافدين، وبدأوا يتعلمون اللغة العربية، باعتبارها لغة الدين و الحضارة الجديدتين لهما، و لماانحسر سلطان الدولة الإسلامية سياسيًا بسقوط الخلافة العثمانية، ظلوا جزءًا من نسيج المجتمع الإسلامي، و لم ينفكوا عنه.

 
الثاني: ما كان في الأندلس، التي دخلها المسلمون فاتحين في وقت متقارب مع تلك البلاد، و خرجوا منها بعد ثمانية قرون، و هي مدة تكفي لبسط السيطرة و نشر الاسلام ثقافة و دينًا و حضارةً؛ إلاَّ السياسة التي اتبعوها تختلف بالكُلّية عن سياستهم هناك، فلقد أنهكتهم الصراعات البينيّة بين الفاتحين أنفسهم، و لم يستميلوا أهلها للعمل في جهاز الدولة، فلم يكن منهم قادة، أو علماء ذوي شأن، فجلّ ما تحصّل لهم منهم مجاميع من المسلمين المورسيكيين  ( الأسبان المسلمون )، الذين جرى تعميدهم بمقتضى المرسوم الملكي الكاثوليكي المؤرّخ في 14 فبراير 1502م (6 شعبان 907 هـ)؛ و بذلك طويت صفحة الأندلس نهائيًا.

 
لقد كان د. عبد الله عزام رحمه الله ـ فيما نقل عنه في أكثر من مناسبة ـ يوصي المجاهدين الذاهبين لنصرة إخوانهم في أفغانستان بثلاثة أمور:
ـ إنّكم ستجدون قومًا قد تمذهبوا فقهيًا على مذهب أبي حنيفة النعمان؛ فلا تحدثوا فيهم شيئًا، و دَعُوهُمْ و شأنَهم.
ـ لا تتقدموا عليهم، و لا تجعلوا من أنفسكم أمراء عليهم؛ فدعوا لهم الإمارة و القيادة، فهم أبناء البلد، و الناسُ تنقادُ لهم، و هم أدرى بشعابها.

ـ وطِّنوا أنفسكم للخروج من أفغانستان فور انتصارهم، و خروج السوفييت من هناك، و عودوا إلى بلادكم.
تلك أمور نضعها بين يدَيْ دعاة الجهاديّة العالميّة في سورية، و لاسيّما المهاجرين منهم؛ علّهم يغيّروا من سياستهم التي يتعاملون وفقها مع السوريين: أصحابِ الأرض، و الثورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.