داعش ونهاية التاريخ …

خاص للأيام | د. موسى الزعبي _
بعد انهيار جدار برلين عام 1989 م  كتب فرانسيس فوكاياما مقال حول نهاية التاريخ (ربما بإيعاز من قادته ) والذي نعى فيه نهاية الأنظمة الشمولية القمعية وانتصار الليبرالية الديمقراطية الأمريكية  كأنموذج أوحد للحياة الاجتماعية والسياسية على وجه الكرة الأرضية وتحقق ما بشر به بسقوط الاتحاد السوفياتي أبو الشيوعية الشمولية بعدها بفترة وجيزة فأصدر نظريته حول نهاية التاريخ و رغم تناقضاتها الكثيرة ولكنها كانت الكتاب المقدس الوحيد لدى الساسة الأمريكيين حتى منتصف التسعينيات للترويج لقوتها الناعمة  وفرض سطوتها على العالم وأثمر ذلك عن مؤتمر مدريد للسلام ومؤتمر أوسلو ووادي عربة وغيرها  على صعيد منطقتنا خاصة .
ولكن ذلك لم يدم طويلا فالتغيرات المتسارعة  بالعالم وعجز نظرية فوكاياما عن تلبية الطموح الأمريكي ونظرية خلق عدو خارجي لتشغيل مصانع السلاح والسيطرة على منطقتنا وخيراتها وإبقاء الشعب الأمريكي مغيب عن الحقائق ويصدق ما يبثه الإعلام المسيطر عليه بالكامل من الحكومة أو المحسوبين عليها  بما يسمى صناعة الواقع الافتراضي الذي يتم قولبته بما يخدم  سياسة الهيمنة الأمريكية واستغباء ممجوج لشعوبهم فكان لابد من خلق نظرية جديدة للتعكز عليها سياسيا فكانت نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتغتنتون الكتاب المقدس الثاني الذي يحكم السياسة الأمريكية حتى يوم العالم هذا  والذي زعم فيها أن الإسلام والليبرالية الديمقراطية لا يمكن أن يلتقيان وأن الحضارات تقوم على التدافع والتصادم وليس التكامل وبالتالي فإن الإسلام بزعم هنتغتنتون  هو العدو الذي يهدد العالم بعدما تم القضاء على العدو الأحمر وبالتالي يجب وأد هذا العدو وإعلانه الخطر المحدق بالعالم وبالتالي أي نظام لا يطبق الليبرالية الأمريكية فهو بالضرورة يعتبر صدام حضاري مع أمريكا و يجب إرجاعه لبيت الطاعة وكي لا يدخلوا بصدام مفتوح مع الشعوب المسلمة وإكمال الحلقة المفقودة بين هاتين النظريتين اللتين تحكمان السياسة الأمريكية  فكان لابد من وصلة للتوفيق بينهم فكان شعار الإرهاب سيف على رقبة كل من يشذ ويخرج عن العباءة والمسار المرسوم له وبهذا الأسلوب تسيطر أمريكا على الأنظمة حتى هذه اللحظة لاستمرار هيمنتها الاقتصادية خاصة .
وتجلت هذه السياسة بأفغانستان والجزائر والعراق المعبرة عن حقيقة السياسة الأمريكية  وتحول القاعدة من حليف  لضرب الاتحاد السوفياتي بما يسمى نظرية إحاطة الشيوعية بجدار الدين للعدو المطلوب الذي يجب أن يلعب دور الإرهاب فتم اختراق القاعدة من عدة أجهزة استخبارات عالمية وانقلاب سلوكها رأسا على عقب  علاوة على وجود قياداتها بإيران وعدم المساس بأمن إيران أو روسيا حتى هذه اللحظة مما يشير أن القاعدة (وداعش حاليا المنشقة عنها )أذرع إيرانية بضوء أخضر من الدول العظمى  وأنها لعبة تبادل أدوار لإعادة رسم المنطقة فقد كان لأحداث ١١سبتمبر  علامة فارقة بهذا القرن حيث أطلق كيسنجر نظريته التي تقول يجب ضرب المسلمين بعضهم ببعض وليس من الخارج كما كان معمول فيه سابقا ثم جاءت دراسات معهد راوند وغيره التي خرجت بدراسة خطيرة لتطبيق نظرية كيسنجر فكانت توصياتها أنه من أجل ذلك لابد من دعم الإسلام غير السني بالمنطقة وكذلك الإسلام الأمريكي الليبرالي متمثلا بالإسلام الشيعي والعلوية السياسية والإسلام التركي الليبرالي  وغيرهم وإعطائهم منابر إعلامية وتسهيل انتشارهم بالعالم كالمستشاريات الإيرانية والتضييق على الإسلام السني ومراكزه وملاحقة رموزه بأفريقيا والأمريكيتين وأوروبا وتصريح نائب الرئيس الإيراني على أكبر ابطحي كشف  شيئا من هذه الحقيقة بقوله لولا إيران ما استطاعت أمريكا احتلال افغانستان وبغداد حيث تم احتلال العراق وحل جيشه السني وتنصيب الميليشيات الطائفية كحزب الدعوة المتطرف وغيره واليوم يتمسكون كشرط لأي حل سياسي بسوريا ببقاء جيش النظام وأجهزته الأمنية (الطائفية ) بحجة الحفاظ على مؤسسات القتل والعمالة أو يسمى الدولة جدلا.
 ولكن انطلاقة الثورة السورية وصمودها وتحديها للعالم أجمع فضح وعرى ذلك وخاصة العلاقة الوظيفية بين داعش أو القاعدة سابقا وإيران والنظام و اسرائيل وأمريكا الذي توج بإعلان الاتفاق النووي والتحالف معها بعدما فاحت علاقتهم الحميمية السرية فكان لا بد من زواج علني لامتصاص ردة الفعل إضافة للانقلاب على الإسلام الليبرالي التركي باعتباره خرج عن المتوقع له فكان لابد من ضرب أنظمة الإسلام السني بالمنطقة وخاصة تركيا والسعودية والتغطية على جرائم ايران وميليشياتها الشيعية بالمنطقة  فكانت داعش -السنية- بزعمهم ضالتهم حيث أصبحت داعش الخطر المحدق بالعالم بين ليلة وضحاها وبدأ اتهام كل من يدعم الثورة السورية سواء كأفراد أو أنظمة أنهم يدعمون داعش الإرهابية فنجحوا بتجفيف  ينابيع دعم الشعب السوري الثائر الذي يتعرض كل ساعة لإبادة ومجازر جماعية وحصار وتجويع من قبل الميليشيات الشيعية بظل صمت وتواطؤ عالمي واضح والذي كشف كذبة  نظرية نهاية التاريخ وكشف الوجه الحقيقي للإرهاب والغاية من وجود داعش ربيبة إيران والتمسك بالنظام وجيشه الطائفي ولكن كشف لعبة داعش وحقيقتها وإعلان الجيش الحر الحرب عليها كان بمثابة صفعة للعالم أجمع الذي أرادها أن تكون صحوات للقضاء على الثورة وبقاء خريطة المنطقة كما هي بظل احتواء ثورات الربيع العربي بمصر وتونس وغيرها ولكن هيهات ولم يقتصر الأمر على إجهاض الثورة السورية كونها من دول الطوق ونظرية نشوء إسرائيل بضمان الجيوش المجاورة كشرط لاستمرارها بل تعدى ذلك فشرعوا بدعشنة تركيا ودول الخليج وإطلاق يد الحوثيين ضد الخليج وبوتين ضد تركيا فكانت الصفعة الأخرى لأمريكا وروسيا وإيران بإعلان التحالف الإسلامي ضد الإرهاب وداعش خاصة كضربة استباقية ضد أي تهمة فأسقط من يدهم واستحضرت أنظمة المنطقة مقولة كيسنجر على أصدقاء أمريكا الحذر من أمريكا أكثر من أعدائها وتلا ذلك تشكيل المجلس الاستراتيجي بين السعودية وتركيا

 أما الصفعة القاضية الأخرى والتي أثارت حفيظة أسياد القرار بالعالم وخططهم المرسومة لقرن من الزمان وجعلتهم يتخبطون كانت قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران حيث كانت بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة عليها التي تعتبر مخلب أمريكا الأساسي حيث سرجت منها بعبعا” مستغلة ضعفها وحقدها ضد العرب والمسلمين لتركيع المنطقة وتقسيمها واقتطاع دويلة للأكراد ولواء اسكندرون للعلويين من تركيا وتسليط الحوثيين لاقتطاع شرق وجنوب المملكة  .
إن صمود الثورة السورية خمس سنوات عجاف والفشل بإجهاضها أوإعادة إنتاج النظام وبيان عوار المنظومة الدولية الأخلاقية والأمنية ومشاركة الأمم المتحدة بتقسيم سوريا كشف أنظمة الدول العظمى وضعفها أمام دول المنطقة و خاصة السعودية وتركيا و جعلهم يتصرفون كدول عظمى فكانت عاصفة الحزم باليمن وإسقاط الطائرة الروسية بالأجواء التركية ودخول قوات تركيا لشمال العراق دون أن يتجرأ أحد حتى على نقدهم .
ستشهد  الستة أشهر المقبلة تغيرات مهمة  وخاصة على صعيد المنطقة  فانكشاف حقيقة داعش والحوثيين ذراعي إيران التي تعتبر المخلب الصهيوأمريكي وذلك أمام شعوب المنطقة ولا سيما بعد طرد سفرائها شكل صدمة لهم ولن يصبروا على ذلك وسيسرعون لاحتواء الأمر فأمريكيا لن تتخلى عن إيران وكذلك لن تجرؤ على مواجهة شعوب الخليج وأيضا لن تسمح لتركيا بالصعود واستمرار تحالفها مع الخليج وبالتالي ستبحث عن أنصاف انتصارات وحلول بالمنطقة وذلك بالضغط لعزل الخليج كليا وفك ارتباطه بسوريا وتركيا إلا ما يوافق النظرية الأمريكية بسوريا مقابل استقرار الخليج واليمن خاصة والنفط وسيكون عنوان المرحلة القادمة ازدواجية المعايير فإن ايران وأذرعها ستكون حليفة بسوريا و العراق بينما سيتم شيطنتها بالخليج لامتصاص غضب شعوبها وحكوماتها وإنهاء دور الحوثيين عسكريا وتحولهم لحزب سياسي ليبقى خنجرا بقلب الخليج وإبقاء سطوة ميليشيات إيران بالعراق وحزب الله بلبنان وتحقيق مخرج مشرف له من سوريا حالما ينتهي دوره .
تخوض دول منطقة الشرق الأوسط اليوم حرب وجودية و الرهان الأول والأخير لمصير منطقتنا هو التحالف السعودي التركي قلعتي الصمود وانتصار الثورة حيث أصبحت دمشق مفتاح الشرق الأوسط لترتيب المنطقة والإسراع بإسقاط النظام هو الطريق الأوحد لإفشال مخططات الأعداء ومقارعتهم بأمكنة بغير دمشق هو شيء من العبث و انجرار لملعبهم .

 فالثورة السورية منتصرة و أصبح من المحال هزيمتها أو ترويضها حيث اكتسب الشعب السوري الثائر خبرات قتالية عظيمة جعل الجميع يخشى مواجهته برا” على الأرض إلا بالقصف بالطائرات والجو لم يحسم يوما مصير معركة وبات من المستحيل أيضا تمرير أي مخطط بالمنطقة مادام هناك مئة ثائر يرفضون ذلك فكيف بشعب بأكمله والعالم يعتبر انتصار الثورة السورية بداية زوال إسرائيل وإيران لذلك يسعون على قدم وساق للمحافظة على شيء من هذا النظام وإرجاع الأمور لما قبل الربيع العربي من خلال ما يسمى الحل السياسي والذي سيستغرق سنوات ريثما يتم إنتاج هكذا حل وحمايته بقوة على الأرض بعد التخلص من أغلب الفصائل الثورية سواء الحر أو الإسلامية حيث السياسة المتبعة حاليا بسوريا هو دعم كلا من الثوار والنظام بأماكنهم وتحقيق الهدن طويلة الأمد واغتيال جميع الرموز للوصول لما يسمى الأمر الواقع بعد أن يستسيغ الثوار الراحة ويصعب استئناف الثورة من جديد .
وحتى ذلك الوقت المعلوم ستبقى حرب الدول الكبرى بمنطقتنا بالوكالة من خلال أتباعها وفي حال فشلهم سيتم تدخل مباشر على الأرض.
فسوريا تعتبر جزء من منظومة قلب العالم مع دول شرق أوربا على حوض المتوسط كشرط للسيطرة على العالم ومن المحال تركها حرة مستقلة إلا بقوتنا ووحدتنا .
وبالنهاية فإن التغيرات الاقتصادية الحادة بالعالم وأسعار النفط المخيفة والعقل الجمعي للبشر سيحدث تحولات ربما انقلابات وثورات وخاصة بالعراق وإيران والأردن وفلسطين ومصر والجزائر وأزمات اقتصادية بأوربا خاصة خلال أقل من خمس سنوات ستنهي الصراع بالشرق الأوسط بانكفاء الكل على ذاته والانسحاب من المشهد للأبد بعد اضطرارهم لمحاورة الثوار الحقيقيين لململة الفوضى التي ستعجز عنها كل الدول قبل أن تأكل الأخضر واليابس .

للتنويه : المقصود بداعش هو الوحش الإعلامي الذي تم صناعته بالغرف المظلمة من قبل استخبارات دولية لإداء الدور المنوط بها وتعزى أفعالها وجرائمها لبعض المغفلين الحالمين وسرعة انتشارها بالعالم السريع يشير لجيوش استخبارتية الكترونية ضخمة والتي عمرها الافتراض المبدأي يتراوح بين عقد إلى عقدين ريثما يتم ترتيب المنطقة ثم تقتل إعلاميا بكلمة كما حصل مع القاعدة 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.