داعش.. نار تحت الرماد

ارتقى الإسلام السياسي سلالم التكفير والتفجير حتى بلغ فقه الدم على يدي أبو عبدالله المهاجر في كتابه فقه الجهاد الذي أصّل فيه قطع الرؤوس وإيقاع الرعب للوصول إلى شوكة التمكين.

الأيام السورية؛ عمار جلو

من المحكّمة إلى الحاكمية، جرت أنهارٌ من دماء المسلمين وفتحت أبوابٌ في ديار الإسلام تُخرج أهله منه بعد أن دخلوا في دين الله أفواجاً، لم يقتصر الأمر على العدو بل شمل الصديق والرفيق، فسقط الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات برصاص من أخرجهم من السجون، و لم تدرأ المسيرة الجهادية لمحمد بهايا، أبو خالد السوري، رصاص قاتليه من المنتمين لأخوة المنهج، كذلك اغتيال عبدالله عزام والشبهات التي سبقتها، ففي الوقت الذي اتُّهمت المخابرات الباكستانية بالعملية، كان فكراً آخر أكثر تطرفاً قد تبلور على أيدي “الأطباء الثلاث” سيد إمام شريف (فضل) و أحمد الود وأيمن الظواهري. سعوا لتشويه صورة عزام بهدف
ب/ن لادن، حتى أن الود همس لأصحابه يوماً: “سأقطع يده عن التنظيم ” (يقصد عزام)، ولا غرابة في هذا الأمر، المستغرب هو الفكر (الخارجي) الذي جمع بوعائه فساد العقيدة والخروج على ولي الأمر مع الجهل والتمسك بالرأي وصولاً للتكفير. فكانوا كما قال الله جل وعلا بأمثالهم {وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا}، فترى عمران بن حطان ينشد مدحاً في عبد الرحمن بن ملجم:

يـــــــــا ضربـــــــةً من تقيٍ مـــــــا أراد بهــــــــــــــــــا
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانــــا
إنـــــــــــــي لأذكره حيــــــــــــــــــــناً فأحسبـــــــــــــــه
أوفى البــــــــــــرية عنـــــــــــــــــــــد الله ميزانـــــــا

فأي رضوان يبتغيه قاتل ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره ومن قال عنه: (أنفيت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي).

المستغرب هو الفكر (الخارجي) الذي جمع بوعائه فساد العقيدة والخروج على ولي الأمر مع الجهل والتمسك بالرأي وصولاً للتكفير.

ارتقى الإسلام السياسي سلالم التكفير والتفجير حتى بلغ فقه الدم على يدي أبو عبدالله المهاجر في كتابه فقه الجهاد الذي أصّل فيه قطع الرؤوس وإيقاع الرعب للوصول إلى شوكة التمكين ، تلك الشوكة التي اعتبرها أبو بكر ناجي في كتابه إدارة التوحش، المرحلة التي تستجلب الاعتراف الدولي بدولة الإسلام حتى تأمن شوكتها، وهو ما سعت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بترجمته على الأرض فتعددت حالات تسليم مدن ومناطق بهروب حماتها نتيجة الرعب الذي أوقعته داعش في مجتمعاتها مما وفر للتنظيم الأسود، بسط سيطرته على مساحة تعادل ثلث مساحة العراق وسوريا وإعلان خلافته المزعومة عليها، لم تستجلب شوكة التمكين اعترافاً بل استجلبت التحالف الدولي لمحاربة داعش، وبدأ انحسار داعش تحت وطأة عملياته وفي ختام معركة الباغوز تم الإعلان عن انهيار التنظيم، غير أن انهيار التنظيم لا يعني بالضرورة زوال خطره، والهزيمة العسكرية لا تعني زوال الإيديولوجيا التي تعتبر أساس التمدد حتى أنها درجة أهم من التمدد العسكري حيث يقع الأخير نتيجة لها لذا استثمرت داعش في تربتها وحققت ما حققت من النجاح من خلال تبنيها الهوية الإسلامية السنية شعاراً لها في منطقة تتراقص ألماً على نغمات الصراع السني – الشيعي بعد فشل الحكومتين، السورية والعراقية، في القيام بوظائف الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على امتداد نصف قرن ساهم بزيادة الانقسام الأفقي في المجتمع، ما لبث هذا الانقسام أن أصبح أحد مُحددات السياسة الداخلية والخارجية لحكومة البلدين (العراق وسوريا) بعد غزو العراق، وكُلٌ لأسبابه الخاصة.

كما ساهم صراع النفوذ القائم بين العربية السعودية وإيران في زيادة الشرخ المجتمعي، قطفت داعش هذه الثمار العفنة، ومع بقاء المشاكل دون حلول فإن عودة التنظيم آتية لا ريب فيها وهو ما أعربت عنه وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، حين أكدت أن “فرنسا تعتبر أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال موجوداً حتى أنه يمكن الحديث عن شكل من أشكال عودة ظهوره في سوريا والعراق”.

القوة العسكرية تُزيل المظاهر ولا تقتلع الظواهر التي يتطلب علاجها معالجة أسبابها وهو الغائب في محاربة داعش، ولإيضاح الأمر لا بد من العودة إلى إعلان الدولة الإسلامية في العراق ٢٠٠٦ حيث انضوى تحت سلطانها ٢٢٠٠٠ مقاتل لم يبق منهم سوى ٢٠٠٠ في نهاية عام ٢٠١٠ ولم تكن هذه النتيجة أن تحصل لولا الصحوات التي جمعت بعض الفصائل السنية التي حاربت الاحتلال الامريكي لكنها تماهت معه في محاربة تنظيم الدولة، إضافة للعشائر السنية وبعض القادة السياسيين السنة. لكن النصر الذي أحرزته الصحوات شكّل هاجس لرئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي فانقلب على الوعود التي قطعها للساسة السنة، واستمر الاهمال الخدمي لمدن المثلث السني. أما عن وعود دمج الصحوات في الجيش العراقي فلم تتم إلا بنسب ورتب متدنية، وهو ما حذا بكثير من سكان المثلث السني للالتحاق بركب داعش فور انطلاقه بُغضاً بالمالكي وطائفيته لا حُباً بداعش. في المقابل تم دمج الحشد الشعبي بالجيش العراقي كمكافئة على مشاركتها في قتال داعش، مع التنويه أن الحشد ميليشيا موجودة لأسباب تتعلق بأجندة طائفية لم تتشكل أساساً لمحاربة داعش حال الصحوات، وما ينطبق على الحشد ينطبق على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحظى بدعم واهتمام أمريكي كبيرين كحليف موثوق به في مكافحة الإرهاب، من هذين النفقين تعبر داعش إلى حاضنتها وقوتها بالتبعية، إذ أن خطاب أثنو مذهبي يكفي لاستعادة داعش حاضنتها السنية المكتوية بلظاها ولظى الأخرين ولكنها ستتقوقع في سنّيتها على ضوء ما تشهده من الآخرين، كما يسهم الخطاب المعادي لكل ما هو ديني ومقدس تحت قناع علماني مزيف لزيادة تعلق المجتمع المسلم (الإسلام الشعبي) بدينهم وهو خطاب بدأ بالتصاعد ليصبح خطاب دول ليرسخ بذلك قناعة الحرب على الإسلام في العقل الجمعي للإسلام الشعبي.

نسخة مطورة من داعش قادمة قد تكون الساحة السورية أكثر ترجيحاً من الساحة العراقية التي تتبلور لدى مجتمعاتها، البعد عن المظاهر المسلحة في معارضة حكومتها. إذ بغياب مظاهر التسليح تفقد داعش منصة وقوفها. رغم تجميد التحالف الدولي لعملياته في العراق نهاية العام الماضي تبقى الساحة السورية أكثر ترجيحاً لعودة داعش عليها لما تحويه من: القنبلة الموقوتة التي يمثلها مخيم الهول الذي يقطنه حوالي ٧٠ ألف شخص وقد شهدت الأيام الماضية والحملة الأمنية على المخيم المذكور تصاعد الاختراق الأمني.

فقد وثقت ٤١ عملية قتل خلال الأشهر الثلاثة الماضية أستخدم خلالها كواتم الصوت بالإضافة لقطع الرؤوس وهو ما يوحي بزيادة عمليات تهريب الأسلحة إلى داخل المخيم كذلك تهريب الأشخاص من وإلى داخل المخيم، إضافة لسجن الحسكة الذي يقبع فيه ٥٠٠٠ عنصر من عناصر التنظيم ونظراً لنجاح التنظيم باقتحام سجن جلال أباد صيف العام الماضي وتحرير سجنائها، قد يستهويها تكرار العملية في سجن الحسكة مستفيدة من الهواجس الأمنية التي تعاني منها الإدارة الذاتية، نتيجة وقوعها ضمن فكي عدو ظاهر متمثل بالقوات التركية والجيش الوطني المتعاون معها، وبين العدو الداعشي الخفي.

تبدي الولايات المتحدة الأمريكية مزيداً من الحزم في العراق من خلال دعم حكومة الكاظمي الهادفة لتعزيز استقلالية العراق وقراره بعيداً عن الفلك الإيراني، في المقابل تنعدم مؤشرات الحل في سوريا مع قفز الحلول فوق عُقدة الأسد إن وجدت.

يضاف إلى ذلك فشل الإدارة الذاتية في حسم قضية ولائها، إذ يتخبطها تياران يسعى الأول لسوّرنة الإدارة فيما يتجه الآخر لقنّدلتها. مع فشل التيار الأول تمت+++ين تحالفاته مع العشائر العربية والمجاميع العربية الأخرى، مخزن الإمداد الذي تمثله إدلب وما عليها من تنظيمات تشترك مع داعش في الإيدولوجيا وتختلف معها في المنهج وما سترفده لتنظيم الدولة إذا أكل برأسه سواء على سبيل البيعة كفصائل أو الانشقاق كمجموعات أو بطريق الاختراق، ويعزز هذا التوجه ما يمارسه زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني من إجراءات شكلية وتكتيكية لرفع الهيئة من قوائم الإرهاب والحصول على دور وظيفي لها في ملف الحل السياسي حال استحقاقه وهو ما ترفضه تنظيمات منضوية في فلك النصرة وتيارات داخل الهيئة نفسها وخاصة المقاتلين الأجانب، وهم الرقم الأصعب في الهيئة وقد سبق لأسلافهم اللحاق بداعش عندما حدث الصدام بين الطرفين. كذلك استقبلت الهيئة في صفوفها شخصيات ومجموعات فرض عليها الاستسلام بنهاية معاركها مع فصائل الجيش الحر مما دفعها لمبايعة النصرة، ولكنها باقية على ولائها للدولة، يُشاع عن نقلة مفصلية في حديث الجولاني مع إحدى القنوات الأمريكية حسب تغريدة للصحفي تشارلز أيستر ستبث في نيسان / أبريل الجاري ومع جهل هذه النقطة، إلا أنها ستعمق الانقسام في الهيئة وتزيد من احتمالية توجه التيار الأصولي ضمن الهيئة للبحث عمن يشبع أصوليتها وداعش في مقدمتهم. تبدي الولايات المتحدة الأمريكية مزيداً من الحزم في العراق من خلال دعم حكومة الكاظمي الهادفة لتعزيز استقلالية العراق وقراره بعيداً عن الفلك الإيراني، في المقابل تنعدم مؤشرات الحل في سوريا مع قفز الحلول فوق عُقدة الأسد إن وجدت. لذا تُرجح ساحتها لعودة داعش بإصدار أشد تطرفاً عن السابق وما تشهده البادية السورية حالياً مخاضا بعودتها، فقد أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان قرابة ١٣٠٠ قتيل حصيلة عمليات قام بها التنظيم بعد انهيارها في الباغوز وهو ما اعتبره المرصد المذكور تجاوز مرحلة توجيه الرسائل إلى ترجمتها بأفعال يومية.

شوكة التمكين التي نظّر لها أبو بكر ناجي كمفتاح للاعتراف الدولي، كذلك عودة داعش، موضوع المقال. كلاهما يقوم على الافتراض إلا أن وقائع الحال تدل على المآل، والأسباب المتشابهة تعطي نتائج متشابهة وباقتصار الحرب على الإرهاب على الجانب العسكري دون معالجة المشاكل الجوهرية التي أسهمت في تغلغله في المجتمع، ولا بد من الإشارة لضرورة إشراك الدعويين الإسلاميين في هذه الحرب وبدونه فإن النصر يبقى ناقصاً، فالحديد يفلّه الحديد والفكر يفلّه الفكر، ولابد من تلازم المسارين معاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.