داخل كل امرأة قلب طفل.. المقولات الترويجية والإدانة غير المباشرة

عبارة عابرة وبسيطة يمكن أن تهدم سنوات من البناء والكفاح. المرأة لا تمتلك في داخلها قلب طفل، إنها تمتلك قلب أنثى وهذا يكفيها حقاً.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

تكثر في صفحات السوشيال ميديا، وخاصة الصفحات التي تمارس الثقافة كمقولات في كثير من الأحيان، حالة غير واعية للدور الذي تقوم به.

تقدّم نفسها على أنها تحاول تقديم فكرة مختصرة فيما يطبق عليه مقولة خير الكلام ما قل ودل، فتأتي المقولة كعنصر حاسم ونهائي إزاء الفكرة التي إن تمت مناقشتها بعمق فقد نصل لنتائج غير مرضية وتكون معاكسة تماماً للهدف المقصود من المقولة.

داخل كل امرأة قلب طفل

منذ أيام صادفت هذا النوع من المقولات وأنا أقلّب بشكل عام للتسلية في السوشيال ميديا في إحدى الصفحات النسائية، وقد تبدو المقولة طبيعية جداً، ولا ضير فيها، تقول الآتي: “داخل كل امرأة قلب طفل”.

العبارة بحد ذاتها محاولة لتقديم المرأة ككيان مختلف عن باقي العناصر الحيّة، وأنها تمتلك براءة الطفل كإحساس وفعل وتعامل، وهو ما يوحي أنها متميزة عن أقرانها من الكائنات الحية بمن فيهم الرجال؛ لكن إن توقفنا قليلاً عند العبارة، فهل هذا يعني أنه لا يوجد في داخل كل رجل قلب طفل! وهل هذا يعني أن الرجال لا يمتلكون ذلك الإحساس العفوي الموجود في قلوب الأطفال!

مما يؤدي أن الرجل كإحساس داخل العبارة السابقة هو خارج عن المعنى في جوهر العبارة. إنه رجل طحنته الحياة وأسست وعيه وثقافته وميزته التصارعية في الحياة مما أصبح خارج الهيئة الطفولية التي تمتلك القلب البريء والفعل العفوي وأصبحت هذه البراءة والعفوية هي ميزة أنثوية فأضحت المرأة في داخلها قلب طفل دائم.

إخراج المرأة من المستنقع المفهوماتي

قد يبدو ما قيل هو محاولة الدفاع عن الرجل، لكنه على العكس تماماً، إنها محاولة إخراج المرأة من المستنقع المفهوماتي الذي أوقعت نفسها فيه داخل العبارة السابقة، لقد قيدت نفسها بطريقة جندرية، ووصمت نفسها بأسلوب غير ناضج.

إن وصم الذات بأنها تمتلك قلب طفل فهذا يعني أنها تمتلك الإحساس العفوي، الخاطئ في السلوك، التجريبي في التعلّم، المحتاج رقابة لمساندة الفعل، والإحساس والحاجة للحماية، ووجود أشخاص يمثلون لتلك الذات هيئة فاعلة ورقابية على سلوك الطفل غير المتزن في كثير من الأحيان واللا مسؤول عن تصرفاته العفوية أيضاً لأنه يمتلك القلب البريء.

إدانة غير مباشرة للمرأة

إننا في قولنا بأننا نمتلك قلب الطفل فنحن ميّزنا ذواتنا بكل ما سبق عن الكيان الواعي والقادر على مجابهة كل فعل قاسي في الحياة، وأدرجنا أنفسنا في هيئة اللاعب المستهتر مما يوجد فعلياً في أحاسيس الأطفال وآليات تعاملهم مع الآخرين ومع مشكلاتهم، مما يعني أننا قبلنا على أنفسنا الدور السلبي في الحياة، وعليه تصبح عبارة “داخل كل امرأة قلب طفل” إدانة غير مباشرة للمرأة على اعتبارها كيانا غير فاعل وغير مسؤول، كيانا يمتاز بمزاجية الأطفال وردود أفعالهم العشوائية ورغباتهم الحميمية بالحماية وحتى اتخاذ أدوار جدية عنهم.

ترسيخ النظرة اللا شعورية للعقل

العبارة الموجودة على صفحة السوشيال ميديا قد تبدو طبيعية وربما الناس يُداولونها ويعتزون بها وكأنها حقيقة، وهي كذلك عندما نمر عليها مروراً عابراً، لكن في جوهرها هي شيء مختلف ويحمل إدانة، وهي ترسخ هذه النظرة اللا شعورية للعقل عندما يقرأ شيء من هذا القبيل.

فالعقل يتعامل خارج السياق الواعي لما نقرأه في كثير من الأحيان، إنه يفهم ما وراء الشيء، إنه يحلل لا شعورياً ويرسخ تلك النظرة بأن المرأة كيان طفولي، مزاجي، عفوي، مندفع، مرح، لا يمتلك مشكلة مع أي صعوبة لأنّ هناك من يقوم بالدور البديل في حله، كيان بحاجة لرعاية وبالتالي يجب أن يكون هناك دور أبوي يقوم به الشخص الذي لا يمتلك قلب الطفل لأنّ خبرة الحياة طحنته وجعلته قوياً بما يكفي ليكون صخرياً ويتحمل كل متطلبات قسوة الحياة، بينما المزاج المدلل للطفل وقلبه المندفع بعفوية المتجسد في الأنثى فهو بحاجة لقوّام عليه، وتصبح كل نضالات المرأة لتحرير نفسها عبارة عن هباء منثور لأنها بتقديم عبارات من هذا النوع ترسّخ البطريركية وتجندر ذاتها بشكل استيلابي.

عبارة عابرة وبسيطة يمكن أن تهدم سنوات من البناء والكفاح. المرأة لا تمتلك في داخلها قلب طفل، إنها تمتلك قلب أنثى وهذا يكفيها حقاً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.