داخلية مجانية

فيروزان

في اليوم الذي قالوا لها: “تصلحين لرعاية المرضى” وعندما فتحت أمها الباب ودخلت كان شيء ما قد تغير، لأن أمها كانت تتصرف بشكل غير مألوف، كانت قد ملأت الغرفة بكلامها ودخولها كالنحل.

الترجمة عن التركية: نور عبدالله

عندما تخرجين، ننزل مشياً، ونتناول طعام الغداء عند بائع الفطائر الذي أعجبنا من قبل، من كان لديه طيور الكناري، وماذا بها! وليمة كل 40 سنة. لن نتعب من الذهاب والعودة مشياً إلى جاغال أوغلو أليس كذلك يا ابنتي؟ ويمكن أيضاً أن نأكل الحلويات لو أردنا. ثم نعود مبتهجين من الجسر.
الأم والبنت كانتا تسيران في عجلة غريبتين في ازدحام الصباح.
كانت الأم تتكلم دون انقطاع.
اليوم الوحيد الذي كان تتحدث فيه بهذا الشكل كان يوم توظفت في المشفى لتقديم الرعاية للمرضى والمسنين.
كانت الطفلة وقتها في الصف الثالث، كان لون صدريتها قد أصبح سواداً مبيضاً، وكان الشتاء قد حل، وحلّت أيام شراء الفحم من بائع الفحم في هذه الزاوية.
كانت قد تعلمت إشعال المجمرة، تشعل الحطب في أول المدخل ثم تضع الفحم عليه بشكل عامودي.
ما إن تضع الأنبوب حتى تبدأ الطقطقة، وتتطاير الشرارات على الأرجاء.

ما إن تحمرّ الجمرات وتتحول إلى نار حتى تنسى كل شيء –جلوسها في المقعد الأخير ـ تناولها لطعام الهلال الأحمر ـ إلقاء الشعر في الأعياد الوطنية- وتجلس منتظرة حتى تغيب زرقة بدايات الصيف. عندما تحضر المجمرة إلى الغرفة تختفي كل الأشياء المخيفة. تجلس لتدرس على الطاولة المصنوعة من الجوز العتيق والتي كانت أكثر الأشياء التي تفخر بها والدتها. كانت تحب توهج المصباح. وكانت أمها تقول إنه يجب أن ينثر الرماد على الجمر لكي يتبقى منه ما يدفئهم يوماً آخر. تنثر الرماد على الجمرات الجميلة اللامعة وتبقي واحدةً، الأكثر توهجاً، الأكثر زرقةً، وعندما كانت تتوقف عن كتابة دروسها لتنظر إلى المجمرة، تجد أن الجمرة الوحيدة المتوهجة تزيد من كون الغرفة ملجأً.

في اليوم الذي قالوا لها: “تصلحين لرعاية المرضى” وعندما فتحت أمها الباب ودخلت كان شيء ما قد تغير، لأن أمها كانت تتصرف بشكل غير مألوف، كانت قد ملأت الغرفة بكلامها ودخولها كالنحل.

ـ لقد قبلوني، سأبدأ بعد يوم أو يومين، دخلت على رئيسة الممرضات، امرأة ضخمة، سألتني أسئلةً: ” هل عملت من قبل؟ متى توفي زوجك؟ هذا العمل لا ينتهي، لا تلزم الخبرة لهذا العمل، ولكن يلزم الاجتهاد، يكفي أن تجيدي ترتيب الأسرة، وإفراغ المبصقة، وتحافظي على نظافة البطّ، ربما تصبحين ناجحة لدرجة أن تقيسي حرارة المرضى. سوف تعملين بإجازة يومين في الأسبوع، تعودين مساء الأحد، هل لديك طفل؟ أليس هناك أحد ليعتني بها؟ تقولين أنها فتاة جيدة، قادرة على الاعتناء بنفسها. لكنها صغيرة، هل سبق وأن رسبت في صفها؟ برافو. أنت امرأة جميلة شابة، هنا يوجد الجيد والعاطل، كوني جدّيّةً، لو قيل أي شيء عنك ستكونين انت سببه، معلوم، حكاية لولا أن هزت الكلبة اللعوب ذيلها.. ولا داع لصباغ الوجه، هل لون شفاهك وجنتيك هكذا من نفسه؟ لا أعلم، إنما لن تتذمري من الأطباء وهذا وذاك. إن كنت تريدين البقاء في عمل عليك الإصغاء لمن هم أقدم منك. هل نومك خفيف؟”.

تصوري لقد وجدت عملاً، سأشتري بعض الفحم وجزمة بلاستيك لكِ من أول نقود أحصل عليها. ربما عندما آتي في الإجازات نذهب إلى السينما أيضاً، من يدري، ليس لأحد شأن بهذا بعد أن أنجز عملي. يجب أن نصعد ونخبر صاحب البيت، لا يجب أن يغلق الباب بقوة مساءً عندما يخرج لشراء الحليب. قلت لكِ بعد أن أكون قد أنجزت عملي لا شأن لأحد. ونومي خفيف أيضاً، تعودت من سنوات على النوم المتقطع.
بعدما بدأت أمها بالعمل أصبح اسمه “عملنا في المستشفى”.

في الليلة التي تركت أمها فيها المنزل اشتروا حلاوة طحينية من البقال، صنعوا منها دبساً مع الجبنة، مدّوا غطاء المشمع الأزرق المزهّر على طاولتهم. هذا الغطاء عادة متبقية من أيّام حياة والدها معهم، كان لها ذكرى الانتعاش وعدم الخوف. لماذا كانت تعتقد بأن أباها سيعيش دوماً؟ لم يبدُ عليه وأنه قد يموت. كان نزيهاً وصادقاً لدرجة أن شبح الموت لم يستطع أن يلقي بظلاله عليه. كان غياب الرجل الذي يحمل في نهاية كل يوم رغيفاً من الخبز لبيته قد أصبح سكوناً استقرّ في غرفتهم.

تقول أمها:” لم يكن كبيراً في السن”، ” كيف يمكن أن تصبح طفلة في الثامنة بلا أب؟”.
مسحت أمها غطاء المشمع مرتين بلا داع. لم تكن قد هدأت بعد أصوات طقطقة الجبن الساخن مع الحلاوة الطحينية، التي ارتخى السكر بداخلها وبدأ يستعيد صلابته.

ـ تكلمت مع صاحبة البيت، لا تخافي، أغلقي باب الغرفة جيداً في المساء، ونامي. ستطرق الباب لتوقظك عندما تستيقظ صباحاً للصلاة. قلت لها:” لازالت طفلة، لا يشبع الأطفال من النوم، لن تستطيع أن تستيقظ بمفردها.” تأكلين الحلاوة مع الخبز كل صباح، أنت لا تحبين الشاي أساساً، تقولين أنه يحرق يديكِ، وعندما تعودين من المدرسة تشعلين المجمرة وتجلسين في دفء. في الليل أغلقي غطاء المجمرة، هاه يا ابنتي، إياكِ أن تنسي، لا تُبقي ذهني مشغولاً عليكِ. أنتِ ابنةٌ عاقلة، لا تخافي أبداً في الليل. ألم أقل لكِ البيت ليس وحيداً وأنتِ لست كثيرة الخوف. سترين ماذا سأجلب لكِ. إنهم يعدّون طعاماً خاصاً لمن اشتد مرضهم، يتبقى منه دجاج مسلوق أو ما شابه، سألفّه وأحضره، لا تظني أنه بالخفية، إنهم يرمونه بكل حال، أحضره ونحضّر لأنفسنا وليمة.

ـ أنا لا أريد ذاك الطعام يا أمي، لكن ألم تقل لك المرأة” يجب الحفاظ على نظافة البطّات” أريدك أن تحكي لي عن البطّات عندما تأتين.
سكتت الأم. تراجعت عن شيء ما كاد أن يخرج من فمها.
في الليل وعندما دخلتا إلى الفراش -كانتا تنامان مع بعضهما منذ فترة طويلة-
لم تتذكر أن أحد حصص الغد هو حصة الرياضة البدنية، لم تكن تنضم إلى دروس الرياضة، كانت كأمثالها ممن لا ينضمون، ينتظرون في الممرات، يستمعون إلى أصوات الصنابير المفتوحة دائماً في الطابق السفلي، ويراقبون أبنية المدينة من النوافذ المظللة المعتمة.

ـ الشورت، الحذاء مطاطي، والجوارب بيضاء. يلزمكم بلوزة قطنية بيضاء أيضاً، يفضل اثنتين، لتبديلها إن تعرّقتم. في المسيرة في 23 نيسان و29 تشرين الأول أريدكم كالورود، منظمين، مهندمين. لن أعترف بكلمة لم نستطع، الرغبة تكفي ليستطيع الجميع. طبعاً نحن فكرنا بأطفالنا ممكن هم في ذراع المساعدات، وقررنا بأنه يدّخروا ما لديهم لما هو أهم وألزم من الثياب. لذلك سيستطيعون الانضمام بالصدرية، الصدرية مكويّة كحد السيف. البنات بربطة شعر حريرية، الجميع نظيف يلمع، واجب كل طفل تركي أن يكون نظيفاً، ماذا أقول لكم؟ الأسنان تحفُّ كل يوم، ولو رأيت وسخاً أصفر في الآذان لن أستمع ل: التهبت، آلمت.. وستأكلون العصا.

صنابير الطابق السفلي دائماً مفتوحة، في الاستراحات يتوجه الطلاب إلى الصنابير ويشربون جميعهم، من عطش ومن لم يعطش، التزاحم، ارتشاح المياه من بين الأصابع ودخولها من الأكمام، كانت بداية الصّياح الذي هو أساس التسلية. صوت المياه الذي لم يكن مسموعاً حتى قرع الجرس، بات في المقدمة عند الدخول إلى الصف.
كانت تحضن أمها من الخلف.
“سأفعل كل ما قلتيه يا أمي، لا تحزني، تعلمين أنا أتناول الطعام في المدرسة، لا تشغلي بالك بي.”
لم تتحرك أمها أبداً.
كان من الواضح أنها لم تنم بعد، لم يكن جسمها مرتاحاً ومرتخياً.
التصقت بظهر بأمها لتحس برائحتها الباعثة على الدفء.
استمعت لصوت الليل لفترة طويلة. لم ترد أن تنام، للمرة الأولى بدأت تتعلم مدى طول الليل.
أفاقت صباحاً على صوت طرق الباب، لم تكن أمها هناك.
كانت صدرية المدرسة، جواربها السميكة، وسترتها الصوفية مركونين بعناية على الكرسي.
صاحت: “خالة خالدة هانم” عندما أدركت أنها أفاقت على صوت طرق الباب.
المرأة صاحبة البيت كانت تشطف المرحاض- كانوا يستخدمون المرحاض ذاته- بالماء.
لبست وجلست على طرف الطاولة.
نفذ ضوء الشتاء من خلال الستائر الخفيفة وتوزع بشكل يبعث على البرد.
التقطت حقيبتها وكانت على وشك الخروج – لم تكن قد أكلت شيئاً- عادت وجلست على الكرسي، وبدأت بالبكاء.

ـ أنهيتِ المدرسة بتقدير جيد جداً، ليس من السهل أن تنهي طالبة من عائلة فقيرة المدرسة الابتدائية بتقدير جيد جداً. إنهم يقبلون الطلاب أمثالك في المدرسة الداخلية المجانية، هكذا قالوا لي. التقيت بامرأة لا أعرفها عند المختار، بينما كنت استخرج شهادة الفقر، قالت لي:” أنا أيضاً أريد أن أسجل ابني في مدرسة الشرطة الداخلية، لكن قالوا أنهم يريدون كفيلاً، ومبلغاً من المال رهناً، أحسست بالعجز، من نحن ومن المال؟ لو كان لدينا المال أكنا تنازلنا بماء وجهنا على أبواب الغرباء؟” لن يحدث هذا لنا، تلك المرأة لا تعلم شيئاً. أخذت ورقة الحالة وخرجت، لم أستشر أحداً. مدارس الشرطة غالية، سلاح، وملابس شرطة أليس كذلك؟ لم أسأل أحداً، لا يلزم. ادخلي الامتحان اليوم وسوف تجاوبين على كل الأسئلة، علماً أن آلاف الطلاب يدخلون الامتحان لكنهم يختارون مئة إلى مئة وخمسين طالباً منهم، مع ذلك أنت ستفوزين، سوف ترين، يا ابنتي العاقلة الجيدة. ولو طلبوا شيئاً مالاً أو ملكاً أقول لهم ابنتي لا ترسب في صفها أبداً، ولن تكلف الدولة مصروفاً. سأشرح هذا واحداً واحداً لمدير المدرسة. سيفهمني مباشرةً. وبالنهاية أليس هو إنسان مثلنا. أقول له:” ابنتي تستيقظ وحدها صباحاً منذ سنوات، لا تتدلل على أحد، ولم يسمع لها يوماً حسّ، وكأنها لم تكن أبداً طفلة”.
كانتا تصعدان الطريق المنحدر عندما بدأ رذاذ المطر يبلل الطابات الورقية التي كان يحملها الحمّالون.
كان مطر حزيران ناعماً.
انتظرت الأم وابنتها الشرطي ليوقف السير حتى تعبرا الشارع بلا داع.
بدأ المطر يهطل بغزارة.
تأنقت الاثنتان لهذا اليوم، لفت الأم شالاً حريرياً على رقبتها، وجمعت الطفلة شعرها بعد تبليله بمشبك ملوّن.

ـ هل أنت خائفة؟ لم تتكلمي منذ الصباح، انظري، سوف أشتري لك فردة المشبك الأخرى من سوق الثلاثاء. بعدها سوف نتعيّن نحن الاثنتان، أنتِ تنهين المدرسة وتصبحين معلمة، وأنا لن أعمل في المستشفى. نخرج سوية ونتنزه، نشتري أريكة ومقاعد، وأخيط لهم أغطية مزركشة، نعمل يوم ضيافة، ونستقبل الضيوف، إن لم أنس سأخبز لهم الكعك بالأناناس، لن يكون مصروفاً ثقيلاً. وربما نشتري سجادة صغيرة. وأنتهي من رمي قذارات المرضى و الركض في ممرات المستشفى. وهناك رائحة مطهر اللايسول، إنها تبرّد داخل الإنسان، والتفكير الدائم بالموت أيضاً. وإن أمكن أن نجد مكاناً على أطراف جبل، الجميع يرغب بالبقاء في اسطنبول، سألت عن تلك الأماكن لمن يعرفها، تعلمتها. الدولة طبعاً ستأخذكِ أنتِ، وماذا سنفعل نحن في اسطنبول؟ نحن يلزمنا بيت، وفحم وحطب في الشتاء، وسيصبح لدينا مطبخ أليس كذلك؟ ماذا لو طلبوا كفيلاً؟ لن يطلبوا، إنه تأليف من تلك المرأة وعدم ثقة منها في ابنها، لم أسأل أحداً عن هذا الأمر، سألت فقط عما سيحصل عندما تصبحين معلمة، أينما عينوكِ سنذهب أليس كذلك؟

ـ هل كل من سينجحون في هذا الامتحان أولاد عائلات فقيرة مثلي ؟ هل سألت عن هذا؟
ـ بالطبع، هم أولاد عائلات فقيرة لذلك يدخلون امتحان المدرسة الداخلية المجانية.
ـ سوف أنجح في هذا الامتحان، لا تقلقي، سأنجح بتقدير جيد جداً. بعد الآن سيصبح لدي أصدقاء هنا، نقضي يومين في الأسبوع في البيا سوية، أعود أنا من المدرسة وأنت من المستشفى، واستري لك في أيام الضيافة بسكويتاً من البقال.

المدرسة التي ستجرى فيها الامتحانات تقع في الطرف المقابل.
اجتازتا الحي مرتعدتين.
مشتا في الشوارع الفرعية. توقفتا عند باب بجانب حائط طويل.
كان باب دخول الطلاب، سمعتا أصواتاً مختلطة من الداخل.
لمعت الأعشاب الخضراء النامية بين أحجار الحائط الحجري بعد هطول المطر.

ـ هناك من جاؤوا قبلنا، أخشى أن نكون قد تأخرنا؟
مشت على الطريق الحجري باتجاههما امرأة تلبس لباس المستخدمة، نظرت بشكل اعتيادي من فوق المرأة وابنتها على شيء في الخارج.
سألت الأم باحترام:

ـ ترى هل تأخرنا؟ أغلب الطلاب قد جاؤوا؟
العاملة غير مبالية:
ـ طلاب امتحان الداخلية المجانية دائماً يأتون باكراً، لا يتأخرون أبداً.
انفصلت البنت عن أمها. وبدأت تمشي على طريق حجري.
العاملة سحبت كرسياً لا يرونه إلى سطح لا يرونه وبدأت تغزل الصوف.
نظرت البنت وراءها عند المنعطف، في الخارج كانت أمها تقف مبتسمة تحت المطر.


نور عبدالله، صحفية سورية ومترجمة عن التركية تقيم في إسطنبول.

المزيد للمترجمة

موت يحسد عليه

ماء المخلل

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.