خيار أوروبا الوحيد

26
بقلم: حسام ميرو

هل العودة إلى الوراء ممكنة بالنسبة إلى أوروبا، في ظل عدد من المتغيّرات التي طالت النظام الدولي في العقدين الأخيرين؟ الكاتب حسام ميرو، يرى أن خيار أوروبا الوحيد ، هو تصحيح مسارها، ومعالجة أزماتها، نقرأ معاً...

سياسيون، ورجالات دولة، وكتّاب، وأكاديميون أوروبيون، أطلقوا صفارات إنذار حول مستقبل الاتحاد الأوروبي. ففي الأسابيع القليلة الماضية، وعلى خلفية الانتشار السريع لوباء «كورونا» في إيطاليا، وإسبانيا، طفت على السطح خلافات البيت الأوروبي، والتي كانت بالأساس موجودة، وبعضها عميق، وحاد، لكن هذه المرة أتت على وقع حالة من الارتباك غير مسبوقة في تاريخ الاتحاد، وميل معظم حكوماته للعمل بشكل منفرد، لضمان تغطية احتياجات النظام الصحي لديها، وتراجع دور قيادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ما جعل من المشروع طرح مسألة الخطر الوجودي بشأن مستقبل الاتحاد.

ففي الاجتماع الذي ضم قادة حكومات الاتحاد الأوروبي عبر تقنية الفيديو، في نهاية مارس/ آذار، فشل القادة في التوصل إلى اتفاق حول ميزانية الأعوام المقبلة (2021-2027)، وانقسم القادة إلى فريقين، الأول يضم إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، والثاني ألمانيا وهولندا، حيث طالب الفريق الأول بتقاسم الأعباء الاقتصادية والمالية التي ستنجم عن كارثة «كورونا»، والتي لم تعد محصورة في الجانب الإنساني، بل تخطّته إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مع توقف العديد من الأعمال، وخسارات هائلة في جميع القطاعات، وما سيرافق ذلك من ازدياد في أعداد العاطلين عن العمل، وبالتالي الحاجة إلى ضخ أموال طائلة في مؤسسات الضمان الاجتماعي.

ألمانيا، بشكل خاص، تخشى من إلزام نفسها بتقديم مساعدات كبيرة لجاراتها في أوروبا، فهي، وإن كانت قد ساندت اليونان بعد الأزمة المالية التي عصفت بالبورصات والبنوك في عامي 2008 و2009، إلا أن الأزمة آنذاك كانت محصورة في القطاع المالي، وفروعه، لكن الأزمة الراهنة هي أزمة متعددة، تركت آثارها الكارثية على جميع القطاعات، وبالتالي، فإنه لا يمكن التنبؤ بمستقبل الكثير من القطاعات التي تعتمد على سلاسل التوريد العولمية، والتي سيعاد النظر فيها بكل تأكيد، بحسب معظم خبراء الاقتصاد الدوليين، وبناءً عليه، فإن ألمانيا نفسها اليوم بحاجة إلى ضخ أموال هائلة في اقتصادها، وإطلاق حزم تحفيز، قبل أن تقدم على دعم الآخرين.

في هذا الوقت الصعب، تصاعدت الكثير من الخطابات الشعبوية، إضافة إلى بعض الممارسات التي يفترض أن تكون أوروبا قد تجاوزتها، كما في قرار البرلمان المجري منح صلاحيات سيادية أكبر لرئيس الوزراء فيكتور أوربان، مستفيداً من الأزمة الراهنة، لتقليص مساحة الديمقراطية، ما لاقى استهجاناً واسعاً من الحكومات الأوروبية، التي حذّر بعضها من العودة إلى النظم الشمولية، لكن من الناحية العملية، فإن الشعبوية تصاعدت في بعض الدول الأوروبية في السنوات القليلة الماضية، على خلفية العديد من القضايا، لكنها مرجّحة اليوم للتصاعد أكثر، خصوصاً بعد أن تتوضح أبعاد الكارثة التي خلّفها «كورونا» على الاقتصادات الأوروبية.

والتدخلات الروسية والصينية في الاتحاد الأوروبي كانت واضحة في السنوات الماضية، إذ بات واضحاً تدخل روسيا في الفضاء السيبراني الأوروبي، ومحاولة التأثير في الرأي العام، إضافة إلى تدخلها العسكري المباشر في أوكرانيا، كما تحاول الصين بناء علاقات ثنائية مع دول أوروبية، من خلال مشروعها «مبادرة الحزام والطريق»، التي وقعت إيطاليا على المشاركة فيه في نهاية مارس/ آذار من العام الماضي، وسط تحذيرات أوروبية من هذا الاتفاق الثنائي، الذي يعدّ شكلاً من أشكال الاختراق الصيني للاتحاد الأوروبي.

مشكلات أوروبا أصبحت كبيرة، وهي لم تصحُ بعد من أزمة «البريكسيت»، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعدم وجود اتفاق واضح حول هذا الخروج، حتى أتى فيروس كورونا ليضع مستقبلها على المحك، وليطرح أسئلة كثيرة حول المفاهيم الكبرى التي تأسس عليها الاتحاد، وحاول ترسيخها عبر عقود، خصوصاً لجهة العمل المشترك، والأمن، والدفاع، وتأمين مستويات متقاربة من الرفاهية للشعوب، وبناء اقتصادات قوية، وانفتاح الأسواق على بعضها بعضاً، والانتقال السلس للكفاءات والعمالة، والتي تبدو اليوم أقرب للطموحات من كونها واقعاً متحققاً، أقله بالنسبة للمتشائمين من مستقبل الاتحاد، أو القوى المحافظة والشعبوية اليمينية.

لكن، هل العودة إلى الوراء ممكنة بالنسبة إلى أوروبا، في ظل عدد من المتغيّرات التي طالت النظام الدولي في العقدين الأخيرين؟

من المؤكد أن الاتحاد الأوروبي يعاني، لكن لا يبدو أن حكوماته تمتلك ترف تعدد الخيارات، فالنظام الدولي يشهد صراعاً أمريكياً صينياً غير مسبوق، وأي تداعيات في الاتحاد الأوروبي ستعني انزلاق بعض الحكومات إلى جانب الصين، وحليفها الروسي، ما يعني عودة الاصطفافات إلى أوروبا، وتمزيق وحدتها، وعودتها إلى زمن الحروب والصراعات البينية، والتي يفترض أنها انتهت مع نهاية الحرب الباردة، وبالتالي، فإن خيار أوروبا الوحيد الذي يضمن مصالحها، هو تصحيح مسارها، ومعالجة أزماتها، وإلا فإن البديل كارثي عليها، وعلى العالم أجمع.


حسام ميرو، شاعر وصحفي سوري.

مصدر المقال منشور في صحيفة الخليج بتاريخ 6 نيسان/ أبريل 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.