خنساوات الغوطة الجندي المجهول في صمود أهلها في الحصار

محطات من التغريبة الشامية(13)

اختبأت في الغرفة الداخلية محتضنة نفسي، بت أخاف أكثر الآن فإني أحمل روحا داخلي، لتصدمني فكرة أنني كيف سأنجب طفلا في هذه الظروف العصيبة؟ كيف سيعيش معي القصف والجوع والدمار والخوف مثل أولاد الغوطة الآن؟

الأيام السورية؛ نور الشامي

كما الروح تنتزع من الأجساد هكذا كانوا يحاولون بشتى الطرق انتزاعنا من أرضنا، إما بالموت قصفا أو الرضوخ جوعا، يحاولون بشتى الطرق سرقة ثورتنا منا، لكن عبسا، كيف لمن ذاق ويلات قذائفهم وفارق أهله وتقطعت أوصال عائلته وتشتت، كيف له أن يرضى بعد ذلك إلا النصر أو الموت دونه؟!

موت من نوع جديد

جولات الطيران الحربي لا تتوقف وصولات الهاون والفيل والراجمات الصاروخية تكاد لا تنتهي، إضافة إلى خراطيمTNT التي دمرت أجزاء كبيرة من المباني.. أعداد الشهداء في ازدياد، والمصابون كذلك إضافة إلى نوع الموت الجديد، الموت الصامت الذي لا يدري به أحد الموت جوعا أو مرضا، فالحصار المطبق علينا في ذروته، ولا شيء يصدر من الدول الصديقة إلا بعض التنديد والشعور بالقلق وإصدار لبعض البيانات وشجب ومطالبات لن تغني أحدا في الغوطة عن عوزه وحاجته.

طال شتاء الغوطة هذا العام أكثر وأكثر، أو أنه طال علينا نحن فقط، حدثتني أمي أن جارتنا كل ليلة تصرخ بشدة ويملأ صوتها الحي، وتقول بعض الجارات أنها فقدت عقلها مع آخر شاب فقدته بعدما ودعت ثلاثة شبان في ريعان شبابهم، قضى اثنان منهم خلال نوبات الرباط على جبهة مدينة (جوبر)، بينما الثالث الذي كان الأمل الوحيد لها استشهد بغارة من الطيران الحربي على السوق الشعبي في البلدة، باتت تنوح وتنادي بأسمائهم لعلها تكون في كابوس يوقظها منه صوت أحدهم، لكن أنى أن يعود أحد من الموت؟ كثيرات هن خنساوات الثورة، حزنت بشدة عليها مثلها كأمثال العديدات ممن ثكلن بأولادهن.

وعلى العكس، العديد من النساء والأمهات أصبحن كممرضات ملازمات لأزواجهن، أو أبنائهن، بعد إصابة شديدة إما أدت إلى الشلل أو إلى بتر أحد الأطراف، فلا يوجد في الغوطة طبيب أوعية مختص، أو أن المصاب يفقد طرفه فورا في مكان القصف، كثيرة هي هذه الحالات وباتت شبه عادية رغم قسوتها للعين، ولا يوجد تعويض للطرف، لأننا نفتقد إمكانية صنع أطراف صناعية لهم، فكانت الأم أو الزوجة بديل لذلك العوز.

من رحم المعاناة يولد الأمل

يعتريني الضعف والوهن بشدة هذه الأيام وأرجع السبب لما نواجهه من خوف وتعب وجوع، فقد نفذت مؤنة جارتنا، وقليل جدا إيجاد فرص للعمل، وغلاء فاحش.

بقيت هكذا إلى أنني وبينما كنت ذاهبة إلى أهلي أدركني التعب في منتصف الطريق، وقفت قليلا على جانب الشارع متكئة على الحائط أشعر وأن الارض تسحب قواي التي خارت بسرعة معلنة عجز جسدي عن الصمود أكثر فسقطت أرضا مغشيا عليَّ لاستيقظ وأرى نفسي في المشفى الذي كنت بقربه إلى جانبي صديقاتي العاملات في المشفى، تبسمت إحداهن قائلة: “الحمدلله ع سلامتك” سرعان ما دخلت الطبيبة سألتني بضعة أسئلة وقامت بفحصي مجددا لتزف إلي أجمل خبر يمكن أن ينتظره أي شخص حديث الزواج، أخبرتني أنني حامل، شعرت أن الدنيا لا تسعني، انتظرت الطبيبة حتى كتبت لي الوصفة الطبية قائلة:
“ضروري كتير تأمني هي الأدوية”، خرجت مسرعة عدت إلى بيتي لاغية زيارتي إلى أهلي، وصلت البيت ذهبت إلى المرآة وحملت وسادة صغيرة وضعتها على بطني لأتخيل كيف سيكون شكلي في الشهور الأخيرة، من رحم المعاناة يولد الأمل، هكذا حدثت نفسي إلا أن صوت الطائرة الميغ المسرعة قطع عني فرحتي بتلك اللحظات السعيدة، فتحط تلك الطائرة أحمالها على بلدة (المليحة وزبدين) اللتان كانتا تتعرضان لحملة همجية شرسة أدت إلى نزوح العوائل منها.

اختبأت في الغرفة الداخلية محتضنة نفسي، بت أخاف أكثر الآن فإني أحمل روحا داخلي، لتصدمني فكرة أنني كيف سأنجب طفلا في هذه الظروف العصيبة؟ كيف سيعيش معي القصف والجوع والدمار والخوف مثل أولاد الغوطة الآن؟

أعود وأقول إننا سننجب فالأرض ضمت العديد من الشباب، لن أخرب فرحتي بمثل هذه الأفكار. كنت أتمنى لو أستطيع أن أقيم سهرة جميلة احتفالا بهذه المناسبة، لكن لا أملك شيئا لمثل ذلك!!

لا بأس بالعدس الأسود

عاد زوجي ووجدني في البيت لكنه متجهم الوجه، سألته ماذا جرى؟ فأخبرني أن الطرقات مليئة بالنازحين من (المليحة) الأوضاع سيئة جدا، ولم يستطع إحضار شيء للأكل لم يعمل اليوم، شعرت أن الوقت غير مناسب لأخبره، قلت له يوجد القليل من العدس الأسود سأقوم بسلقه فهو آخر ما يوجد عندنا وفيه فائدة كبيرة.

بعد عدة دقائق يطلب مني قطعة قطنية قديمة، ينظف بها أسيد البطارية التي ضعفت إنارتها بسبب التأكسد، بحثت فلم أجد عندي، تذكرت أن كبار السن يخبئون الكثير من هذه الأشياء، ذهبت إلى بيت جارتنا وبدأت البحث وحين فتحت الكنبة الكبيرة وأبعدت أول طبقة من الملابس صدمت بشدة، لم أجد فيها ملابس مثل ما كنت أتخيل.

المزيد للكاتبة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.