خلوا سبيلها فإنها مأمورة

781

خاص| بقلم: كرم الشيخ علي

خرجت بيضاء من غير سوء تسر الناظرين، سلميةً شعبية، انتشرت بوتيرة متسارعة حتى تجاوزت بؤرُها الألفَ مع نهاية ربيعها الأول، كانت بأعداد محدودة ولكنها تحولت مع الوقت إلى تجمعات هائلة ضمّ كثيرٌ منها عشرات بل مئات الآلاف من أقصى سوريا إلى أقصاها، حتى إذا ما اشتد العنف وتنوّعت أساليب القمع التي لجأ إليها النظام من المواجهة الدامية للمظاهرات واعتقال الناشطين والمذابح القاسية إلى تدخّل الجيش لاقتحام واحتلال المدن الثائرة، الأمر الذي لم يزدها إلا انتشاراً واشتعالاً، بثبات خطى ناقة محمد أكملت طريقها، “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”.

كانت سنةَ البناء بحق، وكل ما أتى بعدها كان عالةٌ عليها ويدين لها بالفضل، ففيها تكونت الحاضنةُ الثورية العملاقة التي استطاعت حمل لواء الثورة والمضيّ بها منذ ذلك الحين.

فالسلمية التي كانت العنصر الحاسم في نمو الثورة لم يدخر النظام جهداً ليصرف الثورة عن سلميتها ويدفعها إلى العسكرة، ولأسباب باتت معلومة للجميع نجح النظام في ذلك، فبدأت العمليات العسكرية على استحياء في شهر الثورة الرابع، كانت أولاها في منطقتي جسر الشغور وجبل الزاوية بإدلب ثم بدأت بالانتشار إلى مناطق متباعدة ببطء شديد، ومع نهاية العام غدا للعمل العسكري وجود محدود في خمس محافظات على الأقل، ولم يتجاوز عدد الكتائب حينها الثلاثين في جميع أنحاء البلاد تقاوم بشكل عشوائي ومنفرد، ما ضرها ذلك ولم تترنح كناقة محمد تابعت المسير، “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”.

مع بداية السنة الثانية انحسرت الطبيعة الشعبية السلمية للثورة لصالح العَسْكَرة، حين حصل الثوار على أسلحة خفيفة ومتوسطة وأحسنوا الاستفادةَ منها بسرعة فاستطاعوا نقل المعركة إلى مستويات عالية غير مسبوقة، تمثلت في تحرير بعض المدن والسيطرة على مطارات ومعسكرات ومستودعات وثكنات عسكرية، ما أتاح لهم امتلاكَ السلاح الثقيل للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة، حتى بتنا نشاهد مناطق واسعة تحت سيطرة الثوار في حمص وادلب وحلب ودير الزور وريف دمشق وصولاً إلى معركة حلب وسيطرة الثوار على الأحياء الشرقية حتى بركان دمشق الذي أحبطه النظام، هذا التقدم المرعب قابله النظام بضرب الحاضنة الشعبية للثورة مستخدماً البراميل المتفجرة والطيران الحربي والصواريخ البالستية.

صور الأشلاء والجثث المتفحمة الناجمة عن ذلك القصف الهمجي جعلت من ذوي الأطفال والنساء الذين قضوا ذبحاً بالسكاكين في داريا والتريمسة والحولة يواسون أنفسهم، مآسي لم تقعد الناقة ولم تركنها، “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”.

دخل العمل العسكري مرحلة الاستنزاف والكرّ والفَرّ خلال النصف الثاني من عام 2013، فتناوب الثوار والنظام السيطرةَ على مناطق في دير الزور وحوران والقنيطرة وريف حماة وجنوب دمشق، كما تقدم الثوار في جبال الأكراد والتركمان في هجوم مفاجئ أوائل شهر آب حتى وصلوا إلى مسافة عشرين كيلومتر من القرداحة – مسقط رأس بشار الأسد – ثم استرجع النظام السيطرة على تلك المناطق في هجوم مضاد، مع استمرار النظام قصفه المدن المحرَّرة بالمدفعية والصواريخ والطيران الحربي، وإحكام الحصار على الجيوب الخاضعة لسيطرة الثوار والقريبة من مناطق نفوذه في غوطتَي دمشق الشرقية والغربية والأحياء الجنوبية للعاصمة وحمص القديمة، حتى وصل الأمر به ليشنّ في الحادي والعشرين من آب/أغسطس هجوماً كيماوياً على غوطة دمشق أوقع أكثرَ من ألفٍ مدني ضحية جلهم من الأطفال، صور الصغيرة التي قاومت الغاز السام وصرخت “أنا عايشة” دبت العزيمة في الناقة من جديد لتواصل حدوها، “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”.

إلى أن الكارثة الأكبر التي واجهت الثورة السورية كانت ولادة “داعش” وتمددها – خلال الشهور الأربعة الأخيرة من العام 2013 – في المناطق المحرَّرة على حساب الكتائب المحلية والفصائل الإسلامية، حيث سيطرتَ “داعش” على مساحات واسعة في محافظات حلب وإدلب والرقة والحسكة ودير الزور التي حررها الثوار في السنة المنصرمة، لتكون الخنجر الذي زرع في خاصرة الثورة.

تعدد الأعداء الذين اضطُرَّ الثوار إلى قتالهم طارئٌ زاد من صعوبة الوضع الميداني، فبعدما كانت المعركةُ محصورةً بالجيش النظامي في عام 2012 صارت الثورة مجبرة على قتال عدد كبير من المليشيات الطائفية التي تدفق مقاتلوها على سورية بأعداد هائلة قادمين من لبنان والعراق وإيران ودول أخرى، بالإضافة إلى الاجتياح “الداعشي” للمناطق المحررة، لتكون الثورة أول من أشهر السيف في وجه البغدادي، جبهة جديدة لم تجبر الناقة على أن تضل دربها، “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”.

في مطلع العام 2015 لملمت الثورة أوراقها، شكل جيش الفتح، بدأت مرحلة جديدة، حرر الثوار محافظة ادلب بالكامل ووصلوا إلى عقر دار النظام في سهل الغاب وجبال التركمان، وجد النظام نفسه في مأزق، لم يجد عن الاستعانة بروسيا بداً، فأتى التدخل الروسي ليوقف جيش الفتح من التقدم، ورغم كثافة الطلعات الجوية للطائرات الروسية لم يستطع النظام الإمساك بزمام المبادرة، فعادت المعركة لسيناريو الكر والفر طيلة عام كامل.

وإلى صيف العام الجاري حاصر النظام 400 ألف نسمة في أحياء حلب الشرقية، بادر الثوار لفك الحصار قبل أن تصلهم نداءات المحاصرين، لتبدأ الملحمة الكبرى في حلب ويعاود النظام – مستعيناً بمددٍ من الكرملن – ثأره من الحاضنة الشعبية للثورة ويقصف المدنيين بالسلاح المحرم دولياً والمحلل منه، فأًناخً الغزو الروسي في وحل النظام ولم تَتَنوَخ الناقة حتى أدركت سرايا حلب، “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”.

ستة أعوام لم تنل من صبر الناقة، غير آبهة بالصمت المهيب للمجتمع الدولي والفشل المرير للمعارضة السياسية ثابرت في رحلتها على صراط مستقيم، والواضح أنها لن تتوقف وإن ولج بعيرها في سم الخياط، “حقاً إنها مأمورة”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.