خلق الشيء والنهي عنه.. التجريب في المفهوم الديني

هل المقصود بالتجريب هو فعل الإنهاء البشري (القتل أو سواه)؟ أم المقصود هو تمكين الوعي الفردي عند الإنسان وأحقية ممارسة التجريب لفهم تشكيل ذاته الاجتماعية دون نهي لا يضر بالوجود الإلهي أو ضرر تجاه الوجود البشري؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

يبدو الخلاف الجوهري بين الإيمان الديني وعدم الإيمان لدى البشر، يقوم على أساس التجربة اليومية والانغماس في التوصّل للنتائج وما يمكن للإنسان الوصول إليه من معرفة؛ إنّ محركها الأساسي هو الفضول المعرفي، وهو بالضبط ما تم من خلاله طرد الإنسان الأول وزوجه من الجنة بسببه. إنها محاولة الاكتشاف الدائم والتجريب في أي شيء.

هذا الاختلاف يضع جميع القناعات على المحك، وهو ما يقوم بفرز البشر وتصنيفهم ضد بعضهم البعض على المستوى المعرفي؛ لكن هنا يظهر سؤال وهو: بما أنّ الله قد خلق الإنسان بثنائية مرتبكة بين الخير والشر، أي أنه يقوم على معادل نصفي لصفتين، أليس من المفترض أن يصبح التجريب، كصيغة اجتماعية، هو أولوية بشرية، حتى وإن أخطأ، لمعرفة الصواب؟

وهنا نتحدث عن منطقية التشكيل الإنساني بالمنظور الإلهي نفسه وليس عن نصيّة القيمة الأخلاقية التي تفترض التسليم الغيبي تجاه الله.

بمثال بشري أصيل، آدم وحواء من الكائنات التي تحمل ثنائية الصفات، وما ارتكابهما للخطأ سوى لوجود تلك الثنائية التي تسعى للتجريب من أجل المعرفة، لكن النتيجة أنّ الله الذي خلق الثنائية طالبهما بعدم التجريب لاختبارهما؛ وهو يعلم أنّ الطبع الثنائي للتجريب سيطغى على سلوكهما، فجربا؛ وتم الطرد.

بالتأكيد ليس المقصود بالتجريب هو فعل الإنهاء البشري (القتل أو سواه)، لكن المقصود هو تمكين الوعي الفردي عند الإنسان وأحقية ممارسة التجريب لفهم تشكيل ذاته الاجتماعية دون نهي لا يضر بالوجود الإلهي أو ضرر تجاه الوجود البشري.

بالمنحى الديني هناك تبرير جاهز، أن خلق الثنائية، الخير والشر “كمعنى شامل للسلبية والإيجابية” في الذات الواحدة، هو قدرة المقاومة على فعل الشر عند الإنسان؛ لكن إن سلمنا جدلاً بصحة هذا، سيكون الأمر غير تجريبي للصفة الثنائية، إنما هو فقط رفض الصفة السلبية دون معرفة هيئتها وتكوينها من خلال التجريب، وهنا يصبح الأمر لا معنى له فعلياً؛ فما هو المعنى من خلق الشيء والنهي عنه (الشر، السلبية)، بالرغم من أن ذلك الشيء هو جوهر المعرفة الدالة على الخير والوجود؟ فلا معرفة في الخير دون نقيضه التجريبي المتمثل في الشر؛ إنها عملية أشبه بالاستنباط الرياضي الذهني من إدراك بشري يقوم على أساس السلوك أو حتى على التفكير بالسلوك.

بمعنى أبسط، كل هذا الذي كُتِب هنا كمثال جدلي ومحاولة فهمه، يجب ألا يُكتب بالنسبة للبعض، لأنه على أساس القيمة الأيديولوجية لهم سيكون استنباطا رياضيا على أنه شر سلبي، وهو ما يؤدي إلى أنّ عدم النقاش به أو التوصل لفهم هذه المعضلة هو خير إيجابي، لأنه لا يحاول مجادلة حقيقة راسخة وهي أنّ الإنسان كائن تجريبي لكنه منهيّ عن التجريب!

قد يخرج الآن أحد العباقرة ويقول: هل نقتل لنعلم أن القتل شر!

بالتأكيد ليس المقصود بالتجريب هو فعل الإنهاء البشري (القتل أو سواه)، لكن المقصود هو تمكين الوعي الفردي عند الإنسان وأحقية ممارسة التجريب لفهم تشكيل ذاته الاجتماعية دون نهي لا يضر بالوجود الإلهي أو ضرر تجاه الوجود البشري.

تناقضية الثنائية التجريبية المفروضة في الوعي الديني ومن المنظور الإلهي نفسه، يجعل الإنسان المُطالب بالتجريب أن يتوقف عن التجريب خشية من الوقوع، ليس في المعصية أو الكفر، بل خشية الوقوع في الذنب وهو أبسط صور المعصية والتي يغفرها الله لمجرد الاستغفار، ومع ذلك فالنهي عن التجريب يقدّم الروح البشرية بصورة خائفة كلياً ودائماً من النظرة الدينية، لأنّ الحدود الفاصلة بين الشر والذنب والكفر والمعصية، هي حدود دقيقة جداً وقد يتم الخلط فيها إلى عدم فهمها بعمق، وتكون النتيجة كارثية بالنسبة للشخص المتملك ذلك الوعي الغيبي.

فالنهي عن التجريب يقدّم الروح البشرية بصورة خائفة كلياً ودائماً من النظرة الدينية، لأنّ الحدود الفاصلة بين الشر والذنب والكفر والمعصية، هي حدود دقيقة جداً وقد يتم الخلط فيها إلى عدم فهمها بعمق، وتكون النتيجة كارثية بالنسبة للشخص المتملك ذلك الوعي الغيبي.

وعليه تصبح صورة رفض افتراض التجريب والنهي عنه، ليست سوى عملية خلق تيه لا فائدة منه سوى الترهيب وجعل الإنسان يدور في تفلسف ديني لا معنى له غير جعل الإنسان متردداً في القيام بأي عملية يمكن التوفيق فيها بين فكرة الإله القائمة بحد ذاتها وبين النص المعبّر عن وجوده ومحاولة إرضاء الإله.

عملية التوعّد تجاه فكرة خلق السلبية والنهي عنها بذات الوقت وفهم الخير استنباطاً عقلياً فقط، لا يجعل العقل قادراً على فهم ضرورة وجود السلبية في الحياة كعنصر ثنائي في الذات الواحدة وفي نفس الوقت، المطالبة بالتوجه لفعل الخير دون تجريب نقيضه السلبي مع أن وجوده قائم على أساس فكرة التجريب الموجودة في الذات البشرية الأصيلة، وإذا ما جرّب يتم وصمه بكل الأشكال التي تؤدي إلى نهايات وخيمة.
التجريب في الرؤية الدينية لا معنى له، هو عبارة عن دعابة فكرية ثقيلة لإيهام البشر بحرية الاختيار لا أكثر ولا أقل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.