خطاب العنف الثقافي

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن التاريخ الإنساني متجلياً في حضاراته خلال عشرة آلاف عام، يطرح دائماً نمطاً واضحاً من الشكل الذي يجب على تلك المجتمعات أن تكون عليه من أجل استمرارها. إنها مسألة بديهية لكل حضارة تظهر وتنتهي، متفاعلة مع أنماطها الاقتصادية ووعيها السياسي والثقافي داخل تلك المجتمعات.

ومن خلال تطور كل مجتمع نستطيع أن نفهم البنية الثقافية فيه وطريقة تأثيرها في أبنائه. هذا الوعي (المتأثر بكل مفاهيم المجتمع الاقتصادي، والديني، والأخلاقي، والفني) الذي يُنقل من جيل إلى جيل بتطور بطيء هو ما يُقال عنه اسم الوعي الثقافي.

هنا لا نستطيع أن نفهم الوعي الثقافي أو نناقشه كحالة فردية، لأنه ببساطة ظاهرة اجتماعية عامة، يوجد بين أفرادها استثناءات بكل تأكيد، لكن الحالة المسيطرة هي للوعي الذي تحدثنا عنه. بمعنى، جنكيز خان عندما اجتاح نصف العالم، تجلى كظاهرة فردية في التاريخ المنقول، لكنه فعلياً ليس حالة فردية، إنما وعي اجتماعي وتربوي تأثر بالطبيعة الاقتصادية، والأخلاقية، والدينية، والجغرافية لأولئك الأفراد.

إذاً؛ الحضارات (إيجابية أم سلبية) والقوى في التاريخ تنشأ وتمتد كأنماط تربوية، تفرض وعيها وآلية حياتها ومفاهيمها.

فإسبانيا أيضاً عندما ارتكبت مجازرها في العالم الجديد بحق سكان الأمريكيتين الأصليين، كانت ببساطة تنظر للموضوع من جانب تربوي (اقتصادي وأخلاقي ديني). فلا يمكن لنا القول؛ إن هدف الدول الاستعمارية في أمريكا هو مسألة اقتصادية فقط، فهناك وعي أوروبي لدى الكنيسة في ذلك الوقت بأن مهمتهم تتجسد في الارتقاء السماوي لتلك الشعوب البدائية.

من خلال تطور كل مجتمع نستطيع أن نفهم البنية الثقافية فيه وطريقة تأثيرها في أبنائه. هذا الوعي المتأثر بكل مفاهيم المجتمع الاقتصادي، والديني، والأخلاقي، والفني الذي يُنقل من جيل إلى جيل بتطور بطيء هو ما يُقال عنه اسم الوعي الثقافي.

جميع هذه الممارسات في التاريخ ولدى الشعوب هي أنماط تربوية ثقافية مترسخة في الوعي العام.

لكن السؤال المهم، ما مدى تجربة التاريخ وبيئته التي نشأت وأثرت في الحضارات بعالم اليوم ووعيه الثقافي؟. (وهنا ليس المقصود بالوعي طبعاً الحالة التعليمية أو التدريسية، إنما نقصد الفهم العام للعالم المحيط بنا).

بداية القرن العشرين وتجاربه الثورية والدموية في الحروب للنصف الأول منه، قد أفادت عالم اليوم بأن تمظهرت نوعاً ما آلية أكثر سلمية مقارنة بالحضارات القديمة ودمويتها. وهنا لا نتحدث قطعاً عن بعض الدول القليلة كالسكندنافيين؛ الذين أيضاً كانت لهم تجارب حضارية دموية كالفايكينغ وحياديتهم اليوم بالمستوى السياسي، والتربوي الثقافي، بل نتحدث عن شعوب ودول ما زالت تتعامل مع أي قضية إنسانية بعين المصلحة والموقف الثقافي من تلك المصلحة.

عندما تعلن إدارة أمريكية عن جدار فصل في الجنوب، وعندما تحارب روسيا في سوريا من تسميهم “إرهابيين” وفي ذات الوقت تحارب الحراك العلماني في السودان تحت اسم حراك إرهابي، مع اليقين الواضح أنه بالنسبة إليهم أي حراك ثوري هو إرهابي حتى لو كان ملحداً، وعندما تتحدث تركيا مثلاً عن المهاجرين والأنصار وتمسكهم بذلك التراث متجلياً بأزمة اليوم، فيمكن ببساطة أن يصبح أي شخص لا يكترث ولا ينتمي لرؤية المهاجرين والأنصار أن يُباد بسهولة!، هنا نستطيع أن نفهم بأن المسألة ليست مصالح سياسية فقط، إنما هو وعي ثقافي مترسخ لتلك الحضارات. إنه وعي تربوي عنيف يتجلى بأسماء عديدة.

عنف اليوم هو امتداد طبيعي لكل تراث مؤدلج، فيمين أوروبا بكل تبجحاته المدنية ليس سوى امتداد لتاريخ مغرق بكنسيّته من العصور الوسطى، والتوسع الإسلامي لبعض الدول ليس سوى امتداد لتاريخ قائم على منظور الجهاد والعدالة المطلقة للنبوية الأخيرة عند الله.

العنف ليس بالضرورة هو حراك مسلح داعشي، أو قتل طائفي في نيوزيلندا، أو تدمير وتشريد إسرائيلي لأناس آمنين، أو حرق منازل الروهانغا، بل هو كل خطاب يفرض على الآخر رؤية القوة للعالم. العنف هو إما أن تعيش بمنطق الآخر وقوانينه، وإما أن تُرسل إلى المكان الذي تُباد فيه ويختفي صوتك للأبد، وهذه حالة موجودة عند كل سلطة في العالم، لا وجود لاستثناء. الجميع يمارس العنف، لأن شكل الحضارات التي نشأت في التاريخ ما زالت مستمرة إلى اليوم.

إنها اعتبارات مطلقة بأن هتلر ألمانيا كان يرى تفوقه على الجميع، فمارس العنف بالقتل، وهي أيضاً أي دولة سلطتها دينية تمارس عنفها من خلال التضييق على البشر المخالفين لقناعاتها التوسعية في بناء إمبراطوريتها، أو إبادة أي مخالفة للعدالة الاشتراكية السياسية.

العنف متجذر في ثقافة الجميع، في تراث الجميع. إننا لا نعيش عالماً مسالماً أبداً، وكل خطابات العدالة الواهية والتعاطف الإنساني والتاريخ الديني المشترك هي عبارة عن ضرب هراء أمام النفوذ والتوسع.

عنف اليوم؛ هو امتداد طبيعي لكل تراث مؤدلج، فيمين أوروبا بكل تبجحاته المدنية ليس سوى امتداد لتاريخ مغرق بكنسيّته من العصور الوسطى، والتوسع الإسلامي لبعض الدول ليس سوى امتداد لتاريخ قائم على منظور الجهاد والعدالة المطلقة للنبوية الأخيرة عند الله لإعادة توسيع إمبراطوريات انتهت، ووعود توراتية لشعب مختار في تشريد الآخر. عنف قائم على احتلال ونفي وإقصاء تحت اسم بناء الحضارة والإنسانية المشتركة.

إن خطابات الحرية والعدالة اليوم ليست أكثر من خطابات عنف للثقافة ورفض البشر المخالفين.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.