خصوصية الأغنية الشعبية عند الموحدين الدروز في نسيج الأغنية السورية الشعبية

تشتهر عند طائفة الموحدين الدروز مجموعة من القوالب الغنائية المتميزة، ومن أشهرها: (الفن، الهوليّة، العتابا، ويُضاف إليها: الهجيني، الحداء، الشروقي، السحجة (السّامر)

الأيام السورية؛ بتول حسن

يعتبر الغناء الدرزي من الأنماط الموسيقيّة المميزة في الإرث الموسيقي السوري، يتميز بخصوصيّة في القوالب البنائيّة، والألحان والمفردات الشعريّة، ورغم تشاركه مع قوالب الغناء السوري الأخرى إلا أنه يتمتع بشخصية مستقلّة تجعل منه لونًا غنائيًا خاصًّا غير موجود في مواقع أخرى من سوريا.

وتشتهر عند طائفة الموحدين الدروز مجموعة من القوالب الغنائية المتميزة، ومن أشهرها: (الفن، الهوليّة، العتابا، ويُضاف إليها: الهجيني، الحداء، الشروقي، السحجة (السّامر).

1/ الفن

يُعتبر اللون الغنائي المُسمّى “الفن” من أكثر الألوان الغنائية سهولةً للاستيعاب والتوظيف شعرًا ولحنًا. كما أنه من أكثر القوالب الغنائية الدرزية شهرةً وانتشارًا، وربما هو الأقرب إلى وجدانهم.

يعتقد أن تسميته جاءت من كثرة ما تفنّن الشعراء الدروز ببناء قصائد الفن شكلاً ومضمونًا، ولبراعتهم في التنويع على أساليب الفن الشعريّة والغنائيّة، حيث حمّلوه الكثير من المفردات والموضوعات والقوافي والألحان، سافرت جميعها بالشخصيّة الدرزيّة وفلسفتها الخاصة نحو الحياة والحب إلى آفاق إنسانيّة راقية.

وفيما يرى البعض أن “الفن” يشمل كافة الألوان الغنائية التي يغنيها الدروز، مشتملة على الهجيني والحداء والجوفية والشروقي وقصيدة “الفن” نفسها، إلا أن الأخيرة تتميّز بشكلها البنائي الخاص الذي يجعلها تختلف عن غيرها من الألوان الغنائية.

تتشكّل قصائد الفنون من عدد غير محدد من المقاطع، تكاد تتشابه جميعها في البناء والنمط الشعريّ، وغالبًا ما يكون المقطع الأول ذا أهميّة بالغة لأنه مفتاح القصيدة وبابها، ولذلك فهو يختلف في تركيبته الشعرية عن باقي المقاطع، إذ تشترك الشطرات الأولى والثانية والرابعة فيه بنفس القافية التي تكون الأساسيّة للقصيدة كلها، وتنفرد الثالثة بقافية مختلفة لكسر الملل والرتابة ولترسيخ القافية الأساسية الواردة في بقيّة الشطرات.

وعلى الرغم من وحـدة الموضوع والمضمون لكامل القصيدة، إلا أنه وفي بعض الأحيان تكون المقاطع الشعرية المكوّنة من بيتين في قصيدة الفن بمثابة وحدة فنيّة ذات مسار فرعيّ من الموضوع الرئيسيّ.

من الأمثلة على “الفنون” قصيدة “زاد هم القلب زاد” التي يُلاحظ فيها ما تقدّم بيانُه فيما يتصّل بالبناء الشعريّ:

زاد هم القلب زاد….. عوّفني لذيذ الزّاد
سبب علّتي يا ناس….. غرٍّ نطحني ورّاد
غرٍّ نطحني بعيني….. طوله رمح لرديني
بسوى من هون للصيني….. وأيضاً قرايا بغداد
بسوى من الذهب مليون….. خدّه يا قمر كانون
ع فراقه سُحِت مجنون….. ذبحني حُمُر لخداد

ومن الأمثلة على قصائد “الفن” التي تظهر فيها التقنية الشعريّة عالية المستوى من خلال تكرار نهاية البيت السابق في مطلع البيت اللاحق، ما جاء في قصيدة “هلّي يا دموعي”:

هلّي يا دموعي هلّي….. تنبكي ع ولفٍ لي
على شوقٍ لاقيته….. مبارح من بعد الحَلِّه
على شوقٍ لاقيته….. يسوى كل اهل بيته
لولا الحيا حبّيته….. وهو على البير يملّي
ع البير يملّي جودُه….. يا مرحوم ابو جدودُه
ويلي من حُمر خدودُه….. رمّان على امّه مدَلّي
رمّان مدلّي اغصانه….. لسّا ما حل أوانه
لحرُث على فدّانُه….. واجعل هالعمر يولّي

2/ الهوليّة

وهي رقصة غنائية شعبيّة يؤديها الرجال والنساء معًا في المجتمع الدرزي، يقف فيها المشاركون على شكل حلقة تتشابك فيها أيديهم على الأكتاف وتتحرّك دائريًا إلى اليمين على إيقاع غناء شعبيّ خاص بهذه الرقصة، وتدور الحلقة بعكس عقارب الساعة بنظام خطوتين لليمين وخطوة إلى اليسار، وبداخل الحلقة ينفرد راقصٌ وراقصةٌ بأداء منفرد، الأمر الذي يُشبه من حيث توزيع الأدوار إلى حدٍّ قريب رقصة السامر البدوية التي يقف فيها المشاركون صفًا واحدًا فيما تستعرض أمامهم الحاشي رقصتها الخاصة. والهوليّة، كالسّامر، تؤدّى في نهاية سهرة طويلة، ويشترك في أدائها الأقارب.

أما تسمية هذه الرقصة بالهولية فيعود للتهويل، والتهويل لغةً يعني المبالغة، واصطلاحًا في القاموس الشعبيّ وبخاصة عند الدروز فهو يعني النقوش والزينة والحلي التي تُظهرها المرأة للمبالغة في جمالها. وتُسمّى الهولية بهذا الاسم تشبيهًا لزينة المرأة الجميلة.

فالأغاني الهوليّة مزخرفة بالكثير من المفردات والأبيات الشعريّة الجميلة التي ترافق الرقصة الرشيقة ذات الإيقاع النشط. وتشبه الهولية الزينة في عشوائيتها الجماليّة، فهي غير محكومة بنظامٍ غنائيّ محدد، لا سيّما وأن معظم الهوليّات متوارثة عبر الأجيال ولا يُعرَف قائلها، مما يسمح بالكثير من الإضافات والزخارف في الكلمة والنغمة، ويعطي مساحة للتنويعات الشعريّة الجديدة بحسب ما تقتضي طبيعة الحال والمزاج، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى ثراء كبير في مخزون الهوليّات الجماليّ، وفيما يلي نموذج لإحدى الهوليّات:

بظلّك يا شيخة لأفرش وأنام….. بظلّك يا شيخة يا هويدلو
بهوى المليحة ليش ولّعتوني….. بهوى المليحة يا هويدلو
بظلّ التفاحة لأفرش وأنام….. بظل التفاحة يا هويدلو
ما يشوف الراحة هاوي المزيونة….. ما يشوف الراحة يا هويدلو

3/ العتابا

اشتُقّ اسم العتابا من العتب، والعتابا من الألوان الغنائية التي تنحاز أشعارها إلى الحديث عن الحب بكافّة أبعاده وزواياه، فمن الحنين إلى اللوم مرورًا بالوجد ووصولاً للغزل؛ تتنوّع وتتراكم أبيات العتابا التي تناقلتها الأجيال عبر مئات السنين.

والعتابا غناء موّالي فرديّ غير جماعي، وغير موزون بإيقاع، أي غناء حرّ أقرب إلى الارتجال، ما يعطي للمغني مساحة أكبر للتعبير عن حالته المزاجيّة وعن انعكاس مضمون الأبيات الشعريّة التي يغنّيها على حالته الوجدانية.

يُعد العتابا ذروة من ذرى الاتقان الشعريّ واستعراض القدرة البشرية على التلاعب باللغة واظهار مكنوناتها الجماليّة، فتأليف أبياته يتطلّب براعة ودقّة لفظية كبيرة، ومخزون غنيّ من المفردات الشعبيّة الصالحة للتوظيف في قالب العتابا بحسب شروطه البنائية، حيث يتكوّن كل موّال عتابا من بيتين (أربع شطرات)، تنتهي بالضرورة الشطرات الأولى الثلاث بنفس الكلمة، في كلّ مرّة يجب أن يكون لنفس الكلمة معنى مختلف، فيما يجب أن تنتهي الشطرة الأخرى بكلمة تكون القافية فيها (آب) ككلمة (البواب، الجواب، الأحباب…إلخ). وبالرغم من صعوبة وتعقيد الشروط البنائيّة إلا أن الأمثلة كثيرة على العتابا، ومنها:

لوماهن ما انشهر الاحدب ولا انسال….. لوماهن ما انسلب ميزان جسم ولا انسال
لوماهن ما انهرق دم ولا انسال….. لوماهن ما انتصب ميزان الحساب
(انسال) الأولى: تعني انسلال السيف (الأحدب)، و(انسال) الثانية تعني : أن يصاب الجسم بمرض السّل، و(انسال) الثالثة تعني : أن يسيل الدم.

خصائص الشّعر الغنائي

تتميّز الأشعار الغنائية الدرزية بإسهابها وسرديتها الطويلة للتفاصيل، فهي لا تقف عند بيتين أو ثلاثة، وانما تتابع الأبيات فيها لتكوّن قصيدة طويلة قادرة على حمل قصّة سرديّة أو صور وصفيّة أو حوارات غزليّة.

تحمل الأشعار الدرزية أنظمة قوافي متعددة، فمنها ما يعتمد على قافيتين ثابتتين للصدر والعجز طول القصيدة، ومنها ما يعتمد على قافية محددة تتكرر في نهاية كل بيتين من القصيدة، ومنها ما يكون أكثر تحرّرًا على سبيل التجديد والابتكار، ما يؤشر على رشاقة وصِبا الثقافة الشعريّة عند الدروز، واتساعها للتجارب الشعريّة الجديدة.

تمتاز الحالة الشعريّة الدرزية، كغيرها من الحالات في الإرث الموسيقي، بأرضيتها الحاضنة لنمطيّة اللغة “اللهجة” المحكيّة، بكل تغيّراتها وتطوّراتها المُحتملة التي تترافق مع تغيّر أنماط العيش ودخول مفردات جديدة أو تغيّر بعض الأنظمة اللغوية فيها. وتتسع القصيدة الغنائية الدرزية الواحـدة لمفردات قد تميل للبداوة أو المدنيّة في نفس الآن.

مصدر محمد الغوانمة، الغناء الدرزي مجلة الموسيقا العربية مجلّة الفنون الشعبيّة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.