خسارة حرب حزيران جعلت من الدولة السورية غنيمة لحافظ الأسد

هل هناك ترابط بين هزيمة حزيران ودولة حافظ الأسد في سوريا؟ وكيف استأثر مهزومو الحرب بالحكم بدلاً من العقاب؟

79
الأيام السورية؛ سلام محمد

تكتم وزير الدفاع السوري حينذاك حافظ الأسد، على ما جرى وكيف حدثت الفاجعة، لا قبل نصف قرن ولا وقت انقلب على الأقران، ولا في أي وقت.

أسرار حافظ الأسد العسكرية

وزير الصحة وقتها، عبد الرحمن الأكتع، تساءل عن سبب إعلان سقوط القنيطرة قبل احتلال الإسرائيليين لها، فرد عليه وزير الدفاع بغضب أن هذه أسرارٌ عسكرية!

ويعطي مصير ضابط المخابرات السوري خليل مصطفى فكرة أوضح عن سياسة الحقيقة في دولة البعث؛ فقد ألّفَ كتاباً بعنوان “سقوط الجولان”، يتّهم فيه وزير الدفاع بالمسؤولية عن الهزيمة، والتعجل في إقرار الهزيمة عبر إعلان مبكر عن سقوط القنيطرة (ويحتمل أن هذه الإعلان شجّعَ الإسرائيليين على الاحتلال). ويبدو أن الضابط قد اعتُقِل بسبب كتابه، وليس معلوماً أنه أُفرِجَ عنه في أي وقت.(1)

حافظ الأسد تعزّزَ موقعه في الحكم

الوزير حافظ الأسد تعزّزَ موقعه في الحكم بعد واقعة حزيران بدل أن يضعف، ولم يكن رفاقه البعثيون الحاكمون وقتها، «الشباطيون»، في موقع أقوى منه أخلاقياً وسياسياً، ولم يُظهِر أيٌ منهم استعداداً لتلقي اللوم العام. أمّا وأن دولة حزيران لم تفكر للحظة في محاسبة أي كان، ولم يكن هناك وجهٌ لمعاقبة وزير الدفاع وحده، فقد وفرت تلك الدولة عملياً غطاءً للرجل الأقوى فيها، وزير الدفاع نفسه، لن يتأخر في تعزيزه وتحصين نفسه.

دولة حزيران لم تفكر للحظة في محاسبة أي كان، ولم يكن هناك وجهٌ لمعاقبة وزير الدفاع وحده، فقد وفرت تلك الدولة عملياً غطاءً للرجل الأقوى فيها، وزير الدفاع نفسه، لن يتأخر في تعزيزه وتحصين نفسه.

بعد الهزيمة على الفور تقريباً شدّد حافظ قبضته على الجيش، وأخذ يعزله عن تأثير رفاقه البعثيين الذين كانوا أقوى منه في الحزب. وبعد قليل وثب على السلطة في انقلاب أبيض، وتخلص من رفاقه الذين جمعوا بين الضعف وقلة المبدئية.

كان مقر السلطة الحقيقية في «سورية الأسد» هو الجيش، أو بالأحرى «القوات المسلحة»، وليس حزب البعث.

ويَنسب خالد منصور في الحلقة الثامنة والأخيرة من سلسلة مقالات نشرها عن هزيمة حزيران أن ابراهيم ماخوس، وزير الخارجية السوري وقتها، قال إنه «لا يُهم لو سقطت دمشق أو حتى حلب، فهذه ليست سوى أراض يمكن استرجاعها وأبنية يمكن بناؤها، لكن حزب البعث، أمل الأمة العربية، إذا سقط، فلا يمكن استرجاعه».

هزيمة حزيران نصر عند بعث حافظ الأسد

بالرغم من أن زلزال هزيمة حزيران السياسي والاجتماعي أجبر الجميع على تفحّص المشهد العربي المجلّل بالعار، لكن النظام السوري فاجأ الجميع بادعائه “النصر” على مخططات إسرائيل والإمبريالية لأنّه أفشل نجاح هدف العدوان، وهو “إسقاط نظامه التقدمي”. وبدلًا من أن يتحمل وزير الدفاع (حافظ الأسد) المسؤولية عن الهزيمة النكراء التي سبّبها لسورية وللعرب، ارتقى في سلّم السلطة ليصبح عام 1970 الرئيس القائد، وأطلق بعدها على نفسه اسم “بطل الجولان”.

والمعلوم أنّ وزير الدفاع حافظ الأسد أذاع نبأ سقوط القنيطرة بيد القوات الإسرائيلية بينما، لم يكن قد دخلها أيّ جندي إسرائيلي، بل إنّ موشي ديان وزير الحرب الإسرائيلي صرّح فيما بعد، أنّه لم “يكن أيّ جندي إسرائيلي، في تلك الساعة على مشارف المدينة”.

حافظ الأسد(الرئيسية)

علّق حنّا بطاطو على سلوك قيادة النظام حينها بالقول: “من المحتمل أنّ الأسد و(صلاح) جديد اختارا التضحية بأرض سورية وبمصالح الجيش من أجل المحافظة على نظامهما. وما عزز ذلك الشك أنّ وحدات الجيش الضاربة -خصوصًا اللواء 70 المدرع بقيادة العقيد عزت جديد، وكتيبة الدبابات بقيادة النقيب رفعت الأسد – كانت أوّل من ترك الجبهة تحت جنح الظلام. وبذلك النبأ (البيان) انهارت معنويات المقاتلين لمعرفتهم أن القنيطرة هي الخط الخلفي للجبهة وبسقوطها تعتبر جبهة الجولان كلها في يد العدو. ” (2)

الأسد سلّم القنيطرة

في حوار مع قناة العربية عام 2017، قال الأمين العام المساعد الأسبق لحزب “البعث العربي الاشتراكي” في سوريا، محمد الزعبي، عن اعتقاده بأن حافظ الأسد، سلّم مدينة “القنيطرة” السورية إلى الجيش الإسرائيلي، مقابل أن تبقى العاصمة دمشق آمنة، وألا يدخلها جيش الاحتلال الإسرائيلي.

زلزال هزيمة حزيران السياسي والاجتماعي أجبر الجميع على تفحّص المشهد العربي المجلّل بالعار، لكن النظام السوري فاجأ الجميع بادعائه النصر على مخططات إسرائيل والإمبريالية لأنّه أفشل نجاح هدف العدوان، وهو إسقاط نظامه التقدمي.

والزعبي الذي كان وزيرا للإعلام أثناء الحرب، أكد أن البيان 66( بيان سقوط القنيطرة) قد وصله، إلا أنه رفض أن يذيعه، وأرسله حينها إلى قيادة حزب البعث، إلا أنه اضطر لاحقًا لإذاعة البلاغ بناء على طلب من رئيس الوزراء يوسف زعيّن.

كما قال إن حافظ الأسد اتصل به وقال له “ربما تسرعنا في إذاعة البلاغ 66″، فتمت بعدها صياغة ما أسماه “البلاغ الترقيعي”، موضحًا: “كتبت وأذعت البلاغ 67 بالتوافق مع الأسد، وقلنا فيه إن المعارك مستمرة في القنيطرة”، مضيفا “حاولتُ في البلاغ 67 ترقيع ما ورد في الذي سبقه عن احتلال القنيطرة”.

وذكر أن رئيس الأركان السوري قال له إن “أقرب دبابة إسرائيلية إلى القنيطرة عندما تركتها كانت تبعد 4 كيلومترات”، كما أن قيادة فرع ” حزب البعث” في القنيطرة أكدت لعضو القيادة القطرية مروان حبش، عدم سقوطها بعد إذاعة “البلاغ 66″، فضلا عن أن “سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة نفى أن تكون بلاده احتلت القنيطرة بعد صدور البلاغ 66″، على حدّ قول الزعبي.(5)

الهزيمة أطالت حكم الأسد

أخيراً، يمكن القول إنّ هناك ترابطا حتميا بين هزيمة حزيران ودولة حافظ الأسد في سوريا، فقد صارت الدولة غنيمة في الحرب الخاصة، استأثر بها مهزومو الحرب العامة بالذات. بدل أن يُعاقَبَ وزير الدفاع فيُقال، وربما يسجن أو يعدم، كافأ نفسه بالاستيلاء على الدولة، وجعل منها جهازاً للعقاب العام، للسجن والتعذيب والإعدام، وإقالة عموم السوريين من السياسة. رجل «الأسرار العسكرية» جعلَ من الدولة المنظمةَ الأكثرَ سرية وفئوية وعنفاً في سورية، قبل أن يورثها بعد ثلاثين عاماً طويلة لابنه.(3)

مصدر (1)شمس الدين الكيلاني، المركز العربي للأبحاث والدراسات (2)قناة تلفزيون العربية (3)ياسين الحاج صالح، موقع الجمهورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.