خسارات الجنوب والرعيان!

حسن شاحوت
أنا ما خذلتكَ!!
دائماً: أسوق قطيع الكلمات إلى أبعدِ مقبرةٍ في قرى القصيدة، أتركه لمصيره الفردي، يلتهم الأحلام والأشجار والمعاني وأسند رأسي على شاهدةِ ندمي، أستلذ بشمّ الحصاد الناقص بالنص والحرمل العالق بأيامِ النساء، أستلذ بشمّ الصهيل في وحشةِ السكوت المشوه، والكلام المنشغل بصعودِ سلم الملل الخشبي، أحنّ إلى نسوةٍ في حياتي الأمية، ثم أتحسس قلبي لأتأكد أنه خارج أسوار أحلامي المائلة، يمارس حياته الشاعرية.
نظرت إلى فوضى الثلاثين من عمري الملوثِ بالغياب، عرفت أني أحتاج للغةٍ أكبر من المسافة، لأروض المنحدرات التي تؤدي إلى طرقِ الأنهار المستمرة بالجريان كالحياة، (الأنهار تشقُّ طريق حياتها بسيوف الكفاح، لذلك لا تلتفت ولا تستدير إليَّ إن سقطت أوراق الذكريات مني)، أحتاج لغيمةٍ تنشر أولادها فوق حبل الغسيل وتشير إلى التلال التي تشكر عيون العتمة في استعادةِ الدموعِ التي تروي مقابرنا، أحتاج كلّ شموخ السنابل وسهول المشي من أولِ درب المعنى حتى آخر نقطة ماء تستبق الغيم إلى ذاتِ الأرض المسكونة بالحب والحلم، أحتاج لسنابلِ الذكريات لأمدح موتي في الجنوب!
أنا ما خذلتكَ!!
دائماً: أحملُ الشمس فوق رأسي، لأكتشف الفرق بين المرآة والسقف، أمدُّ يدي إلى الفرات لأقتنص الكلام من النخلةِ الواقفةِ أسفل الغيم، (أنَّ كلَّ ما تعطيه النخلة للناس وقف، لذلك تموت واقفة)، أفتح نافذة على بلادِ الخراب لأحدثكم عن الجنوب والشعارات والاستعمار، الجنوب الذي ليس فيه مقاهٍ يحط الذباب على أنغامها ويطير إلى كأس الشاي، ومطاعم لإصلاح خلل الجوع في أحشائي التي تصفر فيها الريح, الجنوب الذي ليس فيه حدائق أتسكع فيها بحثاً عن فتاةٍ تنفض أشجار روحها من الندى، فيرتعش العشب في قلبي، و فنادق تبكي جدرانها آخر العام على عمرها المتسارع في الورق.

الجنوب قال أبي: -بكوفيته والعقال- وهو ينفض عن عينه الكريمة بقايا من غبارِ الدموع الكاسدة، ويرسل الأخرى نحو ثلاث حمامات حطّت في كفِ السماء، نحو الدروب التي نبتَ العاقول والخرنوب فيها، يا بني: كلُّ القرى المتناثرة في ليل الجنوب، تفتح أبوابها للمساء، لعل عابر سبيل يمر بعينيهِ اللامعتين وسعاله الآسر، كلُّ البيوت تؤجج الجمر للدلال وتنحر الذبائح للصباح لعل كريما يجيء، كلُّ النساء يحملن صواني الشموع في ليلةِ العرس لفتى يحمل في كفهِ قمراً محنى بدمِ القصيدة، كلّ الجنوب بيتٌ لك، بيتٌ لتاريخِ أرواحنا الطويل وما يفرُّ من القلوبِ إلى القلوب، بيتٌ للمعاني والطيور والفصول والدنيا إذا انكسرت، لكلِّ آهٍ تغتصبها الريح في حنجرةِ المغني، للحزنِ وقطيع الكلمات يُختصر الطريق إلى الجنوب.

أنا ما خذلتكَ!!
دائماً، أحرق طفولتي فوق سطح الجيران، أحتفظ بتفاصيلِ الجريمة وكلّ ما يفضحني في البيت، بين نهدي أنثى، يزحف العار إلى شفتي ويهددني بأوراقي القديمة، أغيب في المجهول، لأقطع لسان الريح الطويل بسكاكين القصيدة، أنسلُّ تحت رذاذ الظلمةِ الموحشة -أدِبُ دبيباً- أجلس قرب متعة النص كي أتعرف على حريتي، فأرى الرعاة كلهم خاسرين في انتظارِ أمطارٍ مكتوبة على جثةِ القتيل، أقف حداداً على عمانا الطويل حتى تجفّ عروق الروح والكتابة فيَّ، أسكب حبري فوق رأسي ليختلط الحبر بالدم، والرماد بالحب، أمشي في الشوارعِ وراء قطيع الكلمات، لأروي للناسِ قصة خنازير تتقاتل في الطينِ على نجمةٍ تائهةٍ في سماءِ الجنوب.

* (الجنوب) وأقصد جنوب الرد في شمال شرق سورية منطقة منكوبة، اجتمع على اغتصابها كل زناة الأرض.

العربي الجديد

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.