خريف العشاق.. دراما لتبييض صورة نظام بشار الأسد على حساب نظام أبيه

“لماذا يتحدثون عن ممارسات أمنية منذ أربعين عاماً؟ الأحرى بهم أن يتحدثوا عن ممارسات أمنية معاصرة!”. نقد التاريخ، وخاصة السياسي وليس التاريخ الثقافي أو الديني، لا يحقق أي شيء سوى تخدير اعتيادي للبشر في أنظمة فاشية كالنظام السوري الحالي.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

دون مقدمات، خريف العشاق، مسلسل درامي سوري يتم عرضه على القنوات الفضائية في شهر رمضان، يتحدث عن قصة بسيطة لثلاثة أصدقاء في بداية السبعينات، فلسطيني مدني وشابان في الجيش السوري، ويعشقون ثلاثة فتيات مسيحيات. يهربون معهنّ وتتطور الفترة الزمنية لحرب تشرين ثم حرب الاستنزاف، إلى فترة نهاية السبعينيات وبداية حِراك الأخوان في سوريا.

طبعاً تتشابك الأحداث، مثلاً الشاب الفلسطيني يسافر إلى لبنان مع زوجته ويشارك مع الحراك المسلح هناك ضد الاجتياح الإسرائيلي؛ ضابط ديري يخدم في حماه يتم اتهامه بعلاقات مع طبيب مشتبه به على أنه أخونجي بالرغم من توجهه اليساري الواضح، فيتم اعتقال الاثنين بطريقة تعسفية.. لكن الشخصية المحورية في المسلسل وهو ضابط سوري يفقد سمعه في حرب الاستنزاف، فيتم نقله إلى فرع المخابرات، ويتحول تدريجياً من كائن طبيعي لديه مشروع وطني شامل في الجيش إلى كائن متوحش، ولائه الأول والأخير للأمن على حساب أي شيء آخر.

يعرض المسلسل الذهنية الأمنية في فترة الثمانينات، السفالة والانحطاط، والوصولية التي يغنى من ورائها شخوص المسلسل الذين ينضوون تحت راية الأمن.

يعرض المسلسل الذهنية الأمنية في فترة الثمانينات، السفالة والانحطاط، والوصولية التي يغنى من ورائها شخوص المسلسل الذين ينضوون تحت راية الأمن.

طبعاً احتفل عدد كبير من المشاهدين بهذه الرؤية النقدية الجريئة لفترة حساسة من تاريخ سوريا، وبالأخص أنها تستعرض التاريخ الأمني.

لكن ما هذه التفاهة واستصغار عقل المشاهد! هل نحن فعلياً بحاجة لتوثيق شيء هو موثق في الذاكرة الجمعيّة للشعب السوري؟ هل العشرين مليون سوري أو ما تبقى منهم بحاجة أن يقول لهم أي شخص، عن وضاعة رجل أمن سوري؟ المسألة واضحة، يكفي أن يكون أمن كي يتم استحقاره. والموضوع لا دخل له بالأمن السوري، بل أي أمن في العالم هو وضيع، لأنّ فكرة الأمن ككتلة مؤسساتية، مهمتها أن تقمع أي رأي اختلافي إن كان ضد الدولة أم لا.

الأمن عبارة عن حيوانات ميكانيكية لا تفكّر، ولهم سقف لا يستطيعون تجاوزه؛ طبعاً نتحدث عن الأمن الذي لا مهمة له سوى قمع الشعب، يتركون كل العالم الخارجي ولا يستقوون سوى على الفقراء العزّل، أو على الأفراد الذين يريدون أن يعيشوا حياة أكثر حرية أو لديهم آراء أكثر انفتاحاً، لذلك قانون أن تكون أمنياً هو أن تكون سافلاً، هو قانون ثابت، لأنه لا يخدم الحقيقة بل يخدم جهازاً بعينه.. وهذا يتوضّح تماماً في شخصيات الأمن داخل المسلسل.

بالعودة إلى المسلسل والاحتفالية النقدية به، بعيداً عن فكرة عرض فترة الأخوان، وطبيعة الأمن، قرأت رأياً يتحدث عن المسلسل: “أنه مستوى جيد للدراما السورية في نقد سياسي حقيقي وجاد ويتضمن جوهر لم يكن من السهل مناقشته بشكل درامي – الأمن – حيث كان سابقاً يتم نقده بشكل ساخر وسطحي”.

لكن السؤال: “لماذا يتحدثون عن ممارسات أمنية منذ أربعين عاماً؟ الأحرى بهم أن يتحدثوا عن ممارسات أمنية معاصرة!”. نقد التاريخ، وخاصة السياسي وليس التاريخ الثقافي أو الديني، لا يحقق أي شيء سوى تخدير اعتيادي للبشر في أنظمة فاشية كالنظام السوري الحالي.

بوستر مسلسل خريف العشاق(سيما 400)

نقد النظام الأمني لدى حافظ الأسد، هو محاولة تافهة وغبية لتبييض صفحة النظام الأمني المعاصر لبشار الأسد، الموضوع واضح وجلي مثل الشمس.

بشار الأسد ونظامه مستعد ليس فقط لتشويه تاريخ والده، بل أن يبيع نظام والده وتاريخه كله بما كان يدّعيه من وطنيات باثنين روبل، وليس الروبل الحالي، بل الروبل عندما كان يعاني أزمة اقتصادية أثناء انهيار الاتحاد السوفيتي، مقابل أن يبقى يلمّع صورة نظامه الأمني الفاشي القائم.

نقد النظام الأمني لدى حافظ الأسد، هو محاولة تافهة وغبية لتبييض صفحة النظام الأمني المعاصر لبشار الأسد، الموضوع واضح وجلي مثل الشمس.

طبعاً أنا لا أنقد المسلسل كأداء أو إخراج، بل على العكس، المسلسل وضّح الكثير من النقاط التاريخية، لكن من المهم جداً أن لا ننساق وراء الصورة التلميعية الواضحة لتدخلات فروع الأمن الحالي في إخراجيات الدراما المعاصرة.

مشكلة نظام بشار أنه يلعب إعلامياً بنفس منطق والده قبل أربعين عاماً.. يعني عدم المؤاخذة – العالم يتعامل بالأجيال الرقمية الخامسة وما يليها، وما زال النظام الأسدي مؤمن فعلياً بأنّ السوريين يصدّقون تفاهاته الإعلامية.. إنه ما زال يتعامل مع السوريين على أنهم سذّج يصدّقونه!.

بالنتيجة، الأنظمة الاستبدادية تتعامل بأبوية وسلطة فوقيّة، حتى في لحظة نهايتها تشعر بسيطرتها وعدم رضوخها – بغض النظر عن كرهي لهذا المفهوم المقيت وهذه الشخصيات الوضيعة – كميلوسوفيتش وصدام على سبيل المثال، لكن النظام الأسدي لم يعد هناك من يحترمه أبداً، حتى شبيحته يحتقرونه. نظام من فئة الرخويات الدبقة.. لذا فأي محاولة لتبييض شيء لن يفيد هذا النظام لأنه لا وجود لأي فئة يمكن أن تحترمه…

لكن المسلسل جيد في النهاية ويمكن مشاهدته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.