خرج ولم يعد

المرأة تلك الريحانة في الروضة الغنّاء، والنسمة العليلة في الرمضاء، والشربة السائغة بعد عطش طويل.

الأيام السورية - فاطمة محمد - سوريا

لأجلك يا سيدتي أخذت أقلامي وافترشت أوراقي، لأروي قصة جارتي أم نور الحزينة؛ التي أدمت القلوب فهي شابة في الثلاثين من العمر جمالها آخاذ وبريق عيونها يسحر الناظرين، وامتشاق قوامها يسلب لبّ العاقلين والنظر إليها يصيب الرجال بالصرع والجنون، فما قصتها؟  وماذا حلّ بها؟

دنوت منها وسألتها:  فأجابتني والدمعة تُحرق المقل؛ إنّ زوجي غادر المنزل لجلب حاجيات العشاء بسيارته الصغيرة ( البك آب) والتي كانت مصدر قوتنا، يبيع عليها الألبسة الولادية متنقلا بين حارات بستان القصر في حلب السليبة، خرج منذ عام ولم يعد حتى الآن.

أما المأساة الكبرى  هي ترحيلنا من حلب و بدون زوجي المعتقل، وقد نزحنا من حلب الأم الكبرى لي ولصغاري، فأصبحت غربتي غربتين فقدان زوجي وهجران مرتعي الأول، وأغرقت في البكاء، وعند سؤالي لها عن غيابه؟  قالت لي:  أنّها علمت بعد عام وقبل تهجيرها القسري من حلب أنّ زوجها استشهد في معتقل الظلام الأسدي بعد اعتقاله في أحد الحواجز واستشهد من شدة التعذيب، قال لي ذلك صديقا له خرج من المعتقل على قيد الحياة ولحسن حظه، وعندما راجعت الأفرع الأمنية للسؤال عن زوجي المفقود فلم يقرّوا بذلك، بل ولم يردّوا السيارة علّنا نستفيد منها في تتمة مشوار المعاناة.

هذه هي حالنا في سوريا وهذه حال الكثيرات من الأمهات السوريات، في زمن الغي والطغيان وسيطرة شرذمة حاكمة لا تقيم وزنا للأعراف الدولية.

آه يا صديقتي! سرقوا مني نفسي المتبقي في الحياة، سرقوا من صغاري كلمة يا أبي، سرقوا الروح والمال، ولا أملك لهم سمة تناسب فعلهم إلا نعتهم بالوحوش البربرية.

واستمرت وفي حديثها غصة وحرقة، قالت بقيت أنتظر زوجي بشيء من الأمل أبكيه وأنتظره علّه يطرق الباب يوما وإن سألني صغاري عنه أجيبهم بأنه سافر للعمل، ولكن بعد معرفتي بمصيره واستشهاده، جمعت صغاري وخصصت بالحديث ابني الأكبر الذي لا يتجاوز من العمر اثنا عشر عاما وأعلمتهم بالأمر فأدماني صراخهم، وآلمني أنينهم وحزّ في نفسي كلام صغيرهم بأنه منذ عام مضى و إلى الآن وهو ينتظر عودة أبيه لتناول العشاء معه فضممته إلى صدري وقلت له:   والله إنّ قلبي ليحزن، ولساني ليلجم عن التفوه بما يؤذي مشاعركم،  ولكن لا رادّ لقضاء الله، وتماسكت أمام أولادي وقلت لهم أريدكم رجالا وأن تستوعبوا الأمر، صحيح أنّ الحزن عظيم؛ ولكن عقولكم نيرة وقلوبكم صافية وإرادتكم قوية وتقبلوا ما نحن فيه وإياكم أن تهنوا أو تيأسوا فالحياة مستمرة مع الأب وبدونه، وعندها شعرت بقوة داخلية، شددت من أزري وجففت دمع مقلتي، فتأثر الأولاد وقالوا:  لن نكون إلا مثلما أردت رجالا صغارا سنتمّ علمنا ونساندك في العمل بعد المدرسة وسنحارب عدونا بعلمنا وسنثبت للجميع أنه من أراد ضياعنا و قتلنا بقتل أبينا إننا ها هنا باقون وستكون المأساة حافزا لنا وليس إحباطا و دمارا.

وتابعت أم نور حديثها بعد أن أجهشت بالبكاء هؤلاء هم أبناء سوريا الغد صانعي الأمجاد، واعلمي يا صديقتي أنني بحثت عن عمل ووجدت عملا في معمل الخياطة بعد تهجيرنا من حلب وساندني ابني الأكبر في جلب العمل للبيت حتى أبقى قريبة من أولادي ولا أنسى مبادرة المجلس المحلي في منطقتنا لشراء مكنة الخياطة لأقتات أنا وأولادي بالعمل عليها ولأكفي نفسي شر السؤال.

أما أنا فأقول بصدق:  عندما أجلس مع أولادها أشعر وكأني أجالس رجالا يعون ما يتفوهون به، لقد نسوا طفولتهم وحملوا الهمّ صغارا، وأكثر ما يثير إعجابي مدى تقديرهم لهذه الأم الحزينة والراقية بخلقها و السامية بنبلها و الرائعة بتربيتها والمتقنة لعملها.

اسمحوا لي القول إنّ:  أم نور وردة متألقة في صحراء مقفرة، نستمد منها العزيمة والإرادة، ومعنى التغلب على الصعاب، فكم من أم سورية فقدت زوجها فعانت ظلام الحرب من تهجير واعتقال وقصف وحصار.

لله درك أيتها المرأة السورية! فأمامك تنحني الجباه خجلى من عظمة كبريائك وروعة أخلاقك وعزة نفسك وشجاعة قلبك وحكمة موافقك.

واعلم يا أيها العالم الأصم لحسراتنا كل النساء في سوريا هي أم نور الحزينة.

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.