خرافة التغيير الديمغرافي

خاص| بقلم: د.نصر فروان

أثبت التاريخ ان سورية عالماً من يدخلها يندمج فيها وينصهر ويذوب في بوتقتها هذه صيرورة تشكلت في رحم ثقافتنا.
سورية كانت المناخ الملائم لتحاور الثقافات وتكاملها عبر العصور لم تعرف سوى التوحد الغير مرتبط بأي خلفية دينية او مذهبية او عرقية او رمزية انها مثال لحالة الوئام الاجتماعي وكان هناك دوماً ميل واضح إلى الانصهار المتمثل في تغليب الهوية المجتمعية او الوطنية على الهوية الفئوية والتقليل من أهمية الفروق فيما بين المكونات والميل إلى التعايش .

على الرغم من محاولات النظام الطائفي الاسدي بأحداث تغييرات ديموغرافية في سورية منذ عام 1970 اي عندما تسلم حافظ الأسد السلطة في سورية حيث كانت هذه الفكرة قد شغلت باله منذ ان تسلم السلطة ثم تطورت لتصبح استراتيجية تحالف بينه وبين نظام ولاية الفقيه في ايران فبدا اولا بانتهاج سياسة التغيير الديموغرافي بطريقة سلسة وناعمة ويطيئة هدفت إلى محاولة تهديد الكيانات الاجتماعية وتغذية النزعات الانعزالية التي تعبر عن إرادة التميز عن الآخرين ففي عام 1973 قام بدمج الطائفة العلوية مع الشيعة الاثني عشرية بفتوي من موسى الصدر والهدف من ذلك اخراج طائفته من عزلتها الدينية والاجتماعية ثم بدا العمل بنشر المذهب الشيعي وتاسيس جمعية الإمام المرتضى عام 1981 على يد اخيه جميل الاسد وقبلها في عام 1976 كان قد قام المرجع الشيعي أحمد الشيرازي بتاسيس اول حوزة في سورية في منطقة السيدة زينب وبعد نجاح ثورة الخميني في إيران عام 1979 نشأ تحالف استراتيجي بين نظام الأسد ونظام ولاية الفقيه وبدا التفكير إستراتيجيا في مصير المنطقة وكيفية السيطرة عليها وتغيير تركيبتها السكانية باتباع وسائل مختلفة منها :

1_زيادة عدد العلويون في سورية عن طريق جذبهم من لواء اسكندرونه ولبنان بتقديم الامتيازات الكثيرة لهم
2_زيادة عدد الشيعة سواء عن طريق حملات التشيع بوسائل مختلفة او عن طريق جذبهم من العراق وايران ولبنان وتجنيسهم وفعلا تم منح الجنسية لاكثر من نصف مليون عراقي. وتم اسكانهم في أحياء تشبه الجيتو في حمص وحماة ودمشق واللاذقية وطرطوس
3_تشكيل وحدات عسكرية خاصة بأبناء الطائفة العلوية مثل سرايا الدفاع وسرايا الصراع والحرس الجمهوري وبناء مساكن لهم اشبه بالمستوطنات باماكن مدروسة بعناية في دمشق بحيث تتوزع حول المدينة وفي المناطق المرنفعة مثل عش الورور والسومرية التي سميت على اسم ابن رفعت الأسد وضاحية الأسد والمزة 86 ومساكن الحرس الجمهوري . وفي عهد الوريث بشار استمرت هذه السياسة الناعمة الى ان قامت ثورة الشعب في 2011 حيث استخدم الوسائل العسكرية لإجراء تغييرات سريعة في التركيبة السكانية في سورية. حيث بدأت عمليات التهجير القسري لسكان مدن تسكنها أغلبية سنية واستبدالهم بغرباء من العراق ولبنان وإيران وغيرها.

واتبع النظام 4 وسائل في تنفيذ خطته للتغيير الديمغرافي أولها شراء الأراضي كما حدث في “بساتين المزة” بدمشق وكان للحوزات دور في شراء الأراضي خاصة في أحياء دمشق مثل “الصالحية” و”الشاغور” و”العمارة”.

وقام النظام بحرق السجلات العقارية والنفوس، لا سيما في حمص، كما اعتمد النظام والميليشيات الحليفة له على ارتكاب المجازر بحق سكان مناطق السنّة حصرا، لتهجير الناس مع جرائم الاعتقال والتصفية والنهب والاغتصاب التي مارسها عناصرهم.

وكانت سياسة الحصار ضمن أساليب النظام لإجبار الأهالي المحاصرين على مغادرة مدنهم تحت ضغط الجوع. والسؤال هل سينجح النظام ويحقق هدفه في تغيير التركيبة السكانية خاصة في المنطقة التي حددها واسماها بالمنطقة المفيدة؟

بالطبع الجواب لا فالعديد من الخبراء قالوا باستحالة تحقيق ذلك اضافة لعدد من الدراسات التحليلية توقعت فشل محاولات نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين في تغيير التركيبة السكانية في سورية. والسبب الاول يعود إلى أن السنّة بقوا ومازالوا يشكلون الاكثرية على الرغم من كل محاولاتهم التي قاموا بها على .كما ان الشيعة الذين يراد توطينهم غرباء عرقيا وثقافيا عن الديمغرافيا ولن يذوبوا في تكوين سوريا العرقي والديني واصلا مجيء اغلبهم كان فقط للقتال كمرتزقة.

وفي الوقت الذي يقوم به النظام بتفريغ منطقة من سكانها يتم في المقابل وبمنطقة أخرى اندماج بين الفصائل الكبرى في سوريا، في مكان آخر، والمنطق والعقل وتجارب التاريخ تثبت فشل محاولات التغيير الديمغرافي في بقعة ما، إلا إذا تحول السكان الجدد إلى أكثرية، دون أن يجاورهم إمتداد ديمغرافي للسكان القدامى وهذا الأمر مستحيل ان يتحقق في سورية وبالمجمل ان مشروع النظام في التغيير في المنطقة التي اسماها سورية المفيدة لا تتوافر فيها مقومات الاستقرار والاستمرارية لأن القائمين عليها أقلية، تحيطهم امتدادات سكانية ضخمة، من نسيج السكان الاصليين والمهجرين والمنطق والحتمية التاريخية تؤكدان ان الاحلال الديمغرافي لا ينجح من جانب اقليات محاطة ببحر من الاكثرية ولا ينجح من دون امتداد سكاني موال له كما لا ينجح في مواجهة امتداد سكاني ضخم معادي له. ونعلم ان حدود سورية المفيدة كما تم تحديدها تتجاوز حدودها الخمس مائة كيلو متر وحتما لن تكون حدود عادية بل خط جبهة.

وبالعودة للتاريخ نجد ان محاولات إحلال ديمغرافي عديدة فشلت لانها واجهت عمقا سكانيا ضخما للسكان القدامى اذكر منها على سبيل المثال محاولة العرب التاريخية في اسبانيا، والتي لم يُكتب لها الديمومة رغم استمرارها لأكثر من 800 سنة.. ومحاولة الصليبيين في فلسطين وساحل المتوسط الشرقي، والتي لم تحظَ بالديمومة التاريخية أيضاً، رغم استمرارها حوالي 200 سنة.. ومحاولات استيطان عديدة للأوروبيين في مناطق من شمال إفريقيا ووسطها، وفي الهند وشرق آسيا..

لا يعني ذلك، بطبيعة الحال الاستهانة بالامر فلا بد من التصدي لهذا المشروع الخبيث وعدم الاستهانة به والضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه بالعبث بوحدة سورية ارضا وشعبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.