خبز في الغوطة بدون طحين

محطات من التغريبة الشامية (9)

أصبحنا نطلق أسماء مضحكة على أنواع الطحين، فهناك الطحين المصنوع من حبات الصويا وكان أصفر اللون، وطحين العدس الأسود، الذي يسبب ألماً شديداً في المعدة ويكون لون الرغيف أسوداً، وهناك “خلطة الحصان” وهو طحين مخلوط فيه حنطة وشعير وعلف وأشياء أخرى غير مخصصة للاستهلاك البشري.

الأيام السورية؛ نور الشامي

لم يخطر في بالي بعد كل العقبات التي حدثت متتالية في هذا اليوم أن ينتهي الأمر بي واقفة بفستاني الأبيض أمام منزلي، في موضع تساؤل مثير للريبة للصاعد والنازل من البناء، لم أشعر بمثل هذا الإحراج طوال عمري، فجميعنا واقفين صامتين.

احتار زوجي بأمره لم يدرِ ما يفعل، توتر كثيرا، أحمر غضبا وخجلاً لكنه لم يتفوه بكلمة، لتقطع صمتنا امرأة مسنة تفتح باب منزلها، إنها جارتنا ـ كنت قد تعرفت عليها يوم نقلنا ملابسي وحاجياتي إلى المنزل ـ قالت ضاحكةً: “سمعت حديثكم يا أمي معليش فوتي ياعروس بينما يجيب موفق المفتاح”، شعرت بشيء من الراحة بعد قبول زوجي عرض الجارة الطيبة.

فأل خير وأغان شعبية

بالفعل دخلت إلى بيت جارتنا التي تقيم وحيدة في منزلها ـ فكل أولادها مغتربين ـ ريثما ذهب زوجي لإحضار المفتاح، خاطبتني السيدة قائلة: “إن شاء الله فأل خير علي إنك دخلت على بيتي بالأبيض” وذهبت تدعو الجارات لأتعرف عليهن، “يااه هلأ وقتها…” (قلتها في نفسي معلقة على حالتي).

أتت الجارات والشابات يحلمن بأيديهن شموعا ـ لينيروا بها أمامهن ـ (لعدم وجود الكهرباء في الغوطة)، مباركين ضاحكين، فبدلوا ـ بقدومهن وبشاشة وجوههن ـ جو التوتر الذي كان يعتريني، والشموع بأيديهن أضافت جوا لطيفا خصوصا بعدما غنوا لي بعض الأغاني الشعبية المفرحة، قاصدين بذلك مرور الوقت دون أن نشعر، وبعد لحظات أتى زوجي لندخل بيتنا بعد نهار شاق طويل كنت أشعر أنه لن ينتهي، كان البرد فيه قد أخذ بجسدي مأخذه.

يا لها من غربة حين ودعت والدتي وبت في منزلي الجديد، أجول بناظري حولي، أنا سأكون من الآن مسؤولة هذا المنزل والذي فيه، هل يا تراني سأندم؟ (هكذا خاطبت نفسي)، مازال أمامي فرصة للهرب من هذه المسؤولية والعودة كطفلة مدللة عند أهلي، وتخيلت نفسي أركض هاربة بفستان الزفاف كما الأفلام الكوميدية.

توجه زوجي لوصل الإنارة عبر بطارية مركونة في شرفة المنزل فقد كنا نخصص لها مكانا بعيدا عن أثاث البيت كون (الأسيد الحارق) يخرج منها نتيجة التفاعلات لكي تعطي الضوء وكلما تحرك الهواء في الخارج كانت الإنارة ترتجف منذرةً بفصل أحد الأسلاك عن البطارية.

عشاء للعروسين

عاد (موفق) ليشعل الموقد فالمكان بارد جدا، طُرق الباب بخفة، كان صديق زوجي قد أحضر وجبة العشاء، حتى في هذا التفصيل الصغير اختلفت أحوالنا بسبب هذا الحصار الشديد.

فقد كانت طاولة العشاء الخاصة بالعروسين تمتلئ بما لذ وطاب، وأشهى المأكولات والحلويات والعصائر، لكن طاولتي اقتصرت على طبق من اللحم المشوي ووعاء من اللبن، حتى السلطات والخضراوات كانت مفقودة بجميع أنواعها، فالطرقات من وإلى الغوطة مغلقة والأجواء شتوية لا مواسم خضرة فيها.

رغم ذلك وجدت نفسي محظوظة بعض الشيء فقد كنت أكثر حظا من العرائس اللواتي تزوجن بعدي، فحين اشتد القصف والحصار أكثر فأكثر، أصبحت العروس تخرج من بيت أهلها دون حفل ولا فستان أبيض إلى بيت زوجها وغالبا ما كانت تذهب مشيا على الأقدام، كانت سُفرة الطعام أحيانا تقتصر على اللبن المصفى أو بعض حبات الزيتون، هكذا أصبحت أعراسنا وأيامنا.

أنواع مختلفة من الطحين لتحضي الخبز أثناء حصار الغوطة (يوتيوب)

أنواع متعددة من الطحين

مضت الأيام بعد زفافي مسرعة وأشعر بشوق شديد لوالدي فقد مضى أسبوع كامل لم أره، ذات صباح وبينما أحضر الطحين الذي لم أعرف نوعه بسبب كثرة الوصفات في تلك الأيام، أصبحت أفكر ماذا سيحدث بنا أكثر من ذلك؟ فقد أصبحنا نطلق أسماء مضحكة على أنواع الطحين، حيث كان يوجد طحين مصنوع من حبات الصويا وكان أصفر اللون، وأحيانا من العدس الأسود، يسبب ألماً شديداً في المعدة ولون الرغيف أسوداً كأيام الغوطة الحزينة، وأكثر ما كنت استغرب منه “خلطة الحصان” هو اسم اطلق على طحين مخلوط فيه حنطة وشعير وعلف وأشياء أخرى غير مخصصة للاستهلاك البشري، وكثيرا ما أطلق الناس “نكتة” على مثل هذه الأشياء، لا أدري كنا نقصد بها أن نضحك على أنفسنا أم نواسيها؟

في ذلك الصباح حين كان الطحين يملأ يداي ووجهي انهمرت دموعي فجأة، يسألني زوجي عن السبب؟ لا أعرف بماذا أجيب، فلم تكن الأوضاع مناسبة لبدء حياة جديدة لا مكان للفرح فيها، فدخان المواقد المملوءة بأكياس النايلون وقطع البلاستيك وأحيانا بعض الأحذية البالية ملأت رئة الغوطة الغناء سموم وأمراض قاتلة، كان منظر المداخن يوحي بوجود مصنع ما للمواد السامة من سوء رائحته.

والذي زاد الطين بلة هو قطع النظام للمياه عن منطقتي “جوبر وعين ترما” اللتان كانتا تضخان المياه لكامل الغوطة، حيث أجبرت الناس بعدها للعودة إلى حفر الآبار واستخدام الدلو والحبل لرفع المياه، وبسبب قلة الخبرة والآلة المناسبة للحفر، كانت الآبار سطحية بعض الشيء تختلط فيها الأتربة والحشرات، فيضطر الناس لتصفيتها بقماشات قطنية، مما سبب انتشار العديد من الأمراض في المعدة والكلية بشكل كبير.

طفل في بئر

وبينما كنا نتحدث عن هذه الأوضاع محاولاً زوجي فهم سبب بكائي سمعنا صرخات استغاثة مرعبة، فزعت بشدة، نزل زوجي مسرعا، بينما ارتديت حجابي على عجل وذهبت إلى الشرفة لأرى ما يحدث، وضربات قلبي تكاد لاتعد من شدتها وسرعتها، الصوت خارجا أصبح أوضح، إنه صوت امرأة تنوح باسم ابنها وتنادي الناس لمساعدته، يزداد توتري أكثر بينما يزداد تجمهر الناس عند تلك الزاوية، لكن وجود جبل صغير من بقايا البناء المهدوم كان يحجب عني الرؤيا.

صرخات أعلى من الرجال يمنعون شاب من النزول، لقد فهمت الآن، سقط طفل في البئر، أصوات تطلب إحضار حبال وضجة عارمة، قليل من الهدوء تنبأت بموت الشاب أو الطفل أو كليهما معاً..

المزيد للكاتبة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.