خالد خليفة في “الموت عمل شاق”.. نقل متقن لتفاصيل يوميات الموت السوري

هل فعلاً الموت عمل شاق؟ وكيف له أن يكون شاقاً وهو يطل علينا في سوريا يومياً بالحملة والمفرق؟ يصطاد من يشاء ويقسم من يشاء إلى قطع وأشلاء؟

الأيام السورية؛ بتول حسن

“سيارة تشق طريقها من الشام إلى العنابية في داخلها جثة، ورجلان وامرأة، يلفهم صمت متوجس، وفي الخارج حرب ضارية لم تشبع بعد من الضحايا.

حواجز كثيرة سيكون على هذه العائلة اجتيازها على الأرض لتنفيذ وصية الأب بدفنه في تراب قريته، وحواجز أخرى نفسية بين الأحياء الثلاثة، اجتيازها ليس أقل صعوبة.

هذه ليست رحلة لدفن جثمان أب، بل هي رحلة لاكتشاف الذات، وكم أن الموت عمل شاق، إنها رواية عن قوة الحياة، لكن الموت هنا ذريعة ليس أكثر”.

هذا ما كتبه خالد خليفة، على الغلاف الخلفي لروايته الجديدة “الموت عمل شاق”.

لعبة السرد وتتالي الحكاية

من جديد يغوص خالد خليفة في تفاصيل حياتنا ليختار حالة ربما تبدو للكثيرين عابرة، ولا جديد فيها، إلا أنه ومن خلال لعبة السرد وتتالي الحكاية نجد أنفسنا أمام أسئلة جادة وجديدة بذات اللحظة، هل فعلاً الموت عمل شاق؟ وكيف له أن يكون شاقاً وهو يطل علينا في سوريا يومياً بالحملة والمفرق؟ يصطاد من يشاء ويقسم من يشاء إلى قطع وأشلاء، لا شك أنك حينما ستقرأ العنوان ستكون مستفزاً من ترف الكاتب حينما يعتبر الموت عملاً شاقاً، لكنك حينما تدخل في التفاصيل وتتابع الحدث عبر تفاصيل السرد، ستكتشف أن هذه الرواية تفتح ألف باب للدهشة.. وألف باب وباب للتأويل، رواية تفتح شهية القراءة خصوصاً لنا نحن المتآخين مع الموت.

حينما تدخل في التفاصيل وتتابع الحدث عبر تفاصيل السرد، ستكتشف أن هذه الرواية تفتح ألف باب للدهشة.. وألف باب وباب للتأويل، رواية تفتح شهية القراءة خصوصاً لنا نحن المتآخين مع الموت.

وصية بسيطة جداً

تبدأ الحكاية في الرواية من وصية تبدو بسيطة جداً، حينما يطلب الأب المحتضر عبد اللطيف السالم من ابنه بلبل أن يدفنه بقريته العنابية بجانب أخته ليلى. للوهلة الأولى لا يبدو هناك أي شيء مثير أو غريب بهذا الطلب، جميع الموتى وهم يودعون الحياة يوصون بأشياء وأشياء، وأكثرها الدفن في مقبرة العائلة وبين الأهل، وفي مكان الولادة، فالكل يريد أن يدفن في قريته وبجانب عائلته، وكأنما يخشى الواحد منهم المقبرة، ويعتقد أنه سيكون في طمأنينة بين أهله.

لكن في الحالة السورية تبدو هذه الوصية مأزقاً جدياً والوصية البسيطة لم تعد كذلك، في بلد تقطعت أوصالها، وفقدت جغرافيتها شكلها المعروف والمألوف، وباتت الحركة والتنقل فيها محفوفة بالموت، فالعبور من مكان إلى آخر مهما كان قربه مغامرة مهلكة. تقول الرواية: “القتلى في كل مكان، يدفنون في مقابر جماعية ودون تدقيق في هوياتهم. مراسم العزاء حتى بالنسبة للعائلات الغنية اختصرت إلى ساعات قليلة”.

وهنا يبدأ المفصل الأول من مفاصل الرواية، كيف سينفذ الابن الأصغر الوصية؟ وكيف سيتعامل مع هذا العبء الكبير الملقى على عاتقه، في الظروف العادية ربما تبدو هذه الوصية من النوافل، وتحقيقها لا يتطلب سوى قليل من الجهد والمال، لكن في زمن الحرب، وتتحول الوصايا البسيطة إلى أشغال شاقة تختبر فيها النفس البشرية آخر نبضها. ويبدو الابن بلبل كما لو كان آخر كائن يشدو بالحياة في زمن الموت، لذلك كان عليه أن ينفذ الوصية، فعدم تنفيذها يسقط الجميع في الموت الرمزي، فأن ندفن الجثة هو إعلان للحياة وتدليل عليها منذ قابيل وهابيل. “بلبل في لحظة شجاعة نادرة، وتحت تأثير كلمات الفراق الأخيرة وعيني أبيه الغائمتين الحزينتين، تصرف بثبات ودون خوف، ووعد أباه بتنفيذ وصيته التي كانت برغم وضوحها وبساطتها مهمة شاقة”.

في الطريق نحو تنفيذ الوصية

الرواية تتحدث عن ثلاثة إخوة يخوضون رحلة تشبه المعركة من دمشق إلى العنابية في سيارة مغلقة رفقة جثّة والدهم لتنفيذ وصيته ودفنه بالقرب من قبر أخته في العنابية..

هذه الرحلة الشاقة المرعبة المتعبة.. تأخذك للحرب بكل تجليات القبح وألوانه.. تزرعك في الخوف.. تنبش وجعك وتستفزك لدرجة تجعلك ترى تلك الجثة المتعفنة وتشم رائحتها.. وترى مقدار السلام واللامبالاة التي تقبع فيه بعيداً عن كل هذا.. في حين يعيش الأبناء الثلاثة عمل الموت الشاق الذي ينهش لحظاتهم في الأيام الثلاثة التي مرت كدهر في رحلة الدفن تلك..

الوالد عبد اللطيف السالم، وكما نفهم من الرواية معارض بارز من حمص، ومن حي “باب عمرو” بالتحديد، توفي في دمشق في حارة موالية للنظام، بعد انتقاله إليها بفترة قصيرة، كان الأب، ومنذ بداية الثورة مؤيداً لها، بل وناقماً على النظام، ويرى أن “يوم الاستقلال من نظام فاشي قادم لا محالة”،

غلاف الرواية(مجلة طلعنا عالحرية)

الأب وعشيقته

تحكي لنا الرواية حكاية الأب مع معشوقته التي حالت الظروف دون الارتباط بها قبل أم حسين، فتزوجها بعدها تحت القصف، وهي التي فقدت أبناءها في الحرب، وباتا زوجين ثائرين بامتياز، ويكتشف بلبل لاحقاً أن والده عاش مع والدته كل هذا العمر، ولكنه لم يحبها حيث كان يحب نفين زميلته في المدرسة ولكنه كان حباً من طرف واحد، حيث إنها تزوجت من زميل لهم في نفس المدرسة، قبل أن يلتقي عبد اللطيف بنفين بعد أن تفقد ولديها في الحرب، وتقرر أن تنتقم لولديها، فهي ترى أن الانتقام سيكون بيدها لا بأية يد أخرى، أما والدهم، ذلك الرجل الستيني، الذي يرفض ترك بيته مع أنه يتعرض للقصف وتهدم جزء منه، ومع ذلك يقرر الزواج من نفين ليقضيا آخر أيامهما معاً.

مواقف الأبناء

بلبل الابن الأصغر، والذي يُصر على تنفيذ الوصية، نجد أنه لا يوافق والده كثيراً في مواقفه، فبلبل كان يرى أن النظام السوري على حق، ويسعى للحفاظ على البلد، بل ويتمنى زوال “الثورة والثوار”، فكان يرد الأب غاضباً “اسكت الآن، وقل ما يحلو لك بعد موتي”. وخلال الرواية نكتشف أن الاسم الحقيقي لبلبل هو نبيل، لكن لمياء (حبيبته حين كان طالباً جامعياً)، هي من ألقت عليه هذا اللقب تحبباً.

أما حسين، وهو الابن الأكبر، الذي ترك الدراسة بحثاً عن وضع مادي أفضل، مما أغضب والده وجعل الأمور بينهم متوترة، حتى أنه يمنع أفراد الأسرة من رؤية حسين أو التعامل معه لفترة من الزمن، لكن حسين يندفع باتجاه تنفيذ الوصية، ويساهم بما يملك في حل الكثير من مآزق رحلة الدفن.

رواية تأسرك بوجعها.. بنقلها المتقن لتفاصيل يوميات الموت السوري.. تعيد ترتيب أوراق الحكاية.. تفضح، تؤلم، توجع.. وتؤكد أنّ الموت المكروه هو الوجه الأكثر سلاماً لمن يعيش الحرب.

أما فاطمة الأخت الثالثة والتي تشارك أخويها رحلة الدفن هذه، برفقة الدود الذي بدأ يرافقها انطلاقاً من جثة والدها، فتتحول إلى خرساء وتفقد القدرة على النطق، ولا تنجح كل محاولاتها في معاودة النطق.

رحلة الجثة بين حواجز المتقاتلين

يقطع الأخوة الثلاثة رحلة العناء لثلاثة أيام، قاطعين حاجزاً تلو الآخر، ومع كل حاجز حكاية بل حكايات لهم ولغيرهم، سواء أكانت حواجز للنظام أم للمعارضة المسلحة، ومن الطريف والمفجع في ذات الوقت، قرار الضابط المناوب عند واحد من الحواجز العسكرية التابعة للنظام “اعتقال” الجثمان، كون أن صاحبه على قائمة المطلوبين للاعتقال، والموقف الآخر حينما تستوقفهم حواجز “داعش” ويخضعون حسين وبلبل لاستجواب ديني عن امور تتعلق بالصلاة والوضوء والزكاة… ينجح حسين في الاختبار، حيث إنه يحفظ جيدا عدد الصلوات والركعات وطريقة الوضوء، أما بلبل الذي يصمت خوفاً، فلا يجتاز الاختبار، ويتم احتجازه لتعليمه أمور دينه.

رواية تأسرك بوجعها.. بنقلها المتقن لتفاصيل يوميات الموت السوري.. تعيد ترتيب أوراق الحكاية.. تفضح، تؤلم، توجع.. وتؤكد أنّ الموت المكروه هو الوجه الأكثر سلاماً لمن يعيش الحرب..

قال خالد خليفة عن الرواية: “الرواية هي ليست عن الموت اليومي فقط، ما يحصل حاليا، بل عن تلك السنوات الخمسين التي عاشها السوريون تحت ظل حكم.. حكمهم وحكم كل تفاصيل حياتهم بالحديد والنار.. هي رواية عن الحب أيضاً وإن كان الموت هنا ذريعة، عن الإنسان المتهالك، المدمر، الذي استبدل خوفه القديم بخوف جديد”.

والجدير بالذكر أن خالد خليفة صاحب رواية “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” (2013) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربيّة، وحازت جائزة نجيب محفوظ لعام 2013، ورواية ”حارس الخديعة” 1993، ورواية “دفاتر القرباط” (2000)، ورواية ”مديح الكراهية” (2006) التي تُرجمت إلى ثماني لغات أجنبية، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربيّة كذلك.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.